“لا أعلم إن كنتُ حساسة أكثر من اللازم.. ولكن، بخصوص تلك القبلة عند إعلان الزواج.. هل كنتَ غير راضٍ عن الحفل؟”
على عكس توقعاتها، كان وجهه هادئاً تماماً، مما أثار في نفسها نوعاً من العناد.
“كان تعبير وجهك سيئاً للغاية.. عندما قبلتني..”
ألقى لوسنت نظرة فاحصة على أبلين وهو يسند ذقنه بيده. وبدا أن الكلمات خرجت منها بصعوبة، إذ احمرّ وجهها واضطربت نظراتها بقلق. رمش عيناها الأخضران بينما ثبتت بصرها عليه؛ فبالنسبة لها، لوسنت بلاك كارسون رجل لا يفعل شيئاً بلا سبب، وهو دائماً بارد ومنطقي. وبما أنه شخص يقدم العقل على العاطفة ولا يكشف عما في داخله بسهولة، فقد كان الفضول يقتلها لمعرفة السبب.
حدق لوسنت في وجهها المتصلب قليلاً، ثم أدار رأسه لينظر إلى الخارج. ومرة أخرى، عصفت برودة مفاجئة بينهما.
“لأنني لم أرغب في أن يتم سلبكِ مني..”
همس لوسنت بذلك وهو لا يزال يثبت نظره وراء النافذة.
“يتم سلبي ممن؟”
اقتربت أبلين منه بفضول وقربت وجهها من وجهه تماماً.
جفل لوسنت من حركتها المفاجئة وألصق ظهره بكرسي السيارة.
لقد ظنها سيدة رزينة تهتم بالرسميات والوقار فقط، ولم يتخيل أن تملك جانباً عفوياً وغريباً كهذا.
“الإجابة.. عليكِ أن تجديها بنفسكِ يا أبلين.”
“عفواً؟ أنا؟”
تلقّت أبلين مهمة من لوسنت على حين غرة.
لكن الغريب أن شعورها بالخيبة تجاهه تبخر كضباب الربيع، وبقي أمر واحد يتردد في ذهنها:
‘لم يرغب في أن يتم سلبي منه؟ ممن يا تُرى؟’
رجل مثل لوسنت يمكنه الحصول على كل ما يريد، فمن ذا الذي يخشى أن يسلب منه شيئاً؟
ومع ذلك، شعرت بالراحة لأن الأمر لم يكن خطيراً كما تصورت.
غيرت أبلين الموضوع بسرعة، فهي لا تريد إطالة الأحاديث الجادة في يوم كهذا.
“أنا متشوقة لرؤية فيلا هيفن.”
“أنا واثق أنها ستعجبكِ. هناك بحر أزرق ورمال بيضاء بمجرد الخروج منها.”
عند رؤية ابتسامته المشرقة، خطرت فكرة في عقل أبلين.
“ذلك الكائن.. هل هو شبح؟”
وجهت نظرها إليه بتساؤل عفوي.
“ماذا؟”
حبس لوسنت ضحكته بصعوبة. إنهما في طريقهما لقضاء شهر عسل بسيط، وليس في مغامرة لاستكشاف الأشباح.
“أنا لا أربي أشباحاً في منزلي.”
“آسفة، خيالي واسع قليلاً.”
شعرت أبلين بالخجل من سؤالها الطفولي.
في لقائهما الأول، بدا لها نبيلاً ومنضبطاً بشكل مذهل، لكنه في زفافهما اليوم كان أكثر الرجال جمالاً وهيبة. لقد تعاهدنا على قضاء فصول حياتنا معاً، وبناء عائلة..
‘بناء عائلة؟’
فجأة، اشتعل وجه أبلين حمرة.
لقد نسيت تماماً حقيقة أنها ستقضي ليلتها الأولى معه اليوم، وفجأة صدمها الواقع.
‘قبلات، ونوم في غرفة واحدة.. وأفعال حميمية، هذا ما يفعله الأزواج.’
نظرياً، هي تعرف كل شيء، لكنها لم تستعد نفسياً بعد. كانت رغبتها في التعرف على لوسنت أكثر تفوق أي شيء آخر؛ فرغم أنه ليس زواجاً مبنياً على الحب، إلا أنها تمنت أن تتعمق مشاعرها تجاهه، لكي لا تعيش نادمة على قرارها.
‘الإنسان كائن ماكر حقاً.’
أدارت أبلين رأسها نحو النافذة بمرارة. عندما كانت عائلتها في خطر، لم تهتم بالوقار، لكن بمجرد أن تنفست الصعداء، بدأت تدخل في حسابات عاطفية ودنيوية. ومع ذلك، يُقال إن الإنسان أناني بطبعه مهما كانت الظروف، لذا رأت أن رغبتها في فهم لوسنت ليست خطيئة.
في تلك اللحظة، ظهرت مناظر غريبة أمام عينيها؛ غادرت السيارة صخب المدينة ومرت بحقول أشجار الزيتون الخضراء، ثم فاحت رائحة البحر في الأجواء.
“أشعر بالبحر.”
التفتت أبلين نحو لوسنت بوجه مبهج، فابتسم لها بود ومد يده الطويلة ليفتح لها النافذة.
“استمتعي به كما تشائين.”
“شكراً.. لك.”
اندفع الهواء النقي داخل السيارة، هواء مالح ممزوج برائحة أزهار مجهولة. أغمضت أبلين عينيها وتخيلت نفسها روحاً من أرواح الغابة، تهرب من ضباب العاصمة الرمادي لتقف تحت سماء صافية تحيط بها الخضرة. تلاشت الهموم من صدرها وحلّ السلام.
فتحت عينيها لترى بيوتاً متراصة بأسقف بيضاء ونوافذ زرقاء، مبانٍ مرتفعة لكنها لا تحجب السماء. شعرت وكأنها سافرت عبر الزمن. حينها نبهها لوسنت:
“ذلك المبنى هناك.. هو فيلتنا.”
نظرت أبلين حيث أشار؛ مبنى من الرخام الأبيض يبدو كمعبد سماوي غامض. كانت الستائر الدانتيل تتطاير مع الريح، والأشجار المحيطة بالفيلا لم ترَ مثلها في العاصمة. ابتلعت ريقها قبل أن تنطق بإعجاب:
“إنه.. رائع.”
أرادت الثناء عليه بكل الكلمات الجميلة، لكن مشاعرها كانت جياشة لدرجة أنها لم تجد سوى كلمة رائع لتعبر عما تشعر به.
كان العشاء في الفيلا مذهلاً.
وبينما كانت أبلين تستحم بمساعدة لوريل، انهمرت كلمات الخادمة كالمطر. أخبرتها بفضائح ولي العهد سيرج وانفصاله عن ماريتا، وكيف أنه حاول القدوم للكاتدرائية لمنع الزفاف.
“أليس أمراً مضحكاً؟ هو من طلب الانفصال أولاً؟”
أجابت أبلين بأسى:
“بدل الضحك، أشعر بالأسف لأن حبه لم يدم طويلاً.”
“سيدتي، يبدو أنكِ قديسة!”
“لستُ قديسة..”
“إذن لماذا تشعرين بالأسف؟ الطبيعي في مثل هذه المواقف هو الشعور بالتشفي.”
ابتسمت أبلين بهدوء. لم تكن تحاول التظاهر بالقداسة، بل هي اعتادت منذ صغرها على كبت مشاعرها وعدم إظهار الغضب، فقد تعلمت أن التعبير الصارخ عن المشاعر أمر وضيع، وأصبح ذلك طبعاً فيها.
“أشعر دائماً أنكِ سجينة داخل إطار ابنة الكونت، بينما العالم يتغير من حولكِ..”
وقعت كلمات لوريل، وهي تدهن جسدها بالزيوت العطرية، كالصاعقة في قلب أبلين. لقد عزمت مراراً على التخلص من صورتها التقليدية لكنها لم تحاول بجدية، لذا كانت كلمات لوريل مؤلمة لأنها أصابت الحقيقة.
“على أي حال، هل أنتِ مستعدة نفسياً؟ الليلة ليلة خاصة..”
حينها فقط ظهر الارتباك على وجه أبلين الرزين.
“هل أحتاج لاستعداد نفسي؟.. سيمر الأمر.. بشكل طبيعي.”
ألبستها لوريل قميص نوم رقيقاً ورشت عطراً برائحة التفاح. وبعد تصفيف شعرها، جلست أبلين على السرير الضخم حيث ستقضي ليلتها الأولى مع لوسنت. كان بجانب السرير شمعدان يضفي أجواءً دافئة، وزجاجة نبيذ وكؤوس كريستالية.
“سيدتي، سأنصرف الآن.”
“ابقِ قليلاً بعد..”
“لماذا؟ هل أنتِ خائفة؟”
سألت لوريل بخبث.
“ليس كذلك..”
“على أي حال، أتمنى لكِ ليلة مشتعلة.”
“ماذا؟!”
حدجت أبلين لوريل وهي تخرج من الغرفة بضحكة مكتومة.
‘يا لها من كلمات بذيئة..’
كانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها كلمات صريحة كهذه، لكن جسدها بدأ يمتلئ بتوق غريب وقلق. وقبل أن تخفي مشاعرها، انفتح باب الغرفة وظهر لوسنت. كان يرتدي رداءً من الحرير الأسود، شعره مبلل على غير العادة، وصدره العريض يظهر من فتحة الرداء.
“أبلين.”
نادى اسمها وهو يقترب، وبدا تحركه في عينيها وكأنه سحر يجري ببطء. لم تستطع أبلين إزاحة نظرها عنه، وبدت وكأنها واقعة تحت تأثير تعويذة ما.
التعليقات لهذا الفصل " 8"