عندما رأى لوسنت إيماءة ليون الواثقة، أدرك أن ولي العهد قد كُبح جماحه بالفعل. في الحقيقة، كان قلقاً من تدخل ولي العهد الذي يملك سلطة مطلقة؛ فلو تُرِك وشأنه، لاقتحم الكاتدرائية صارخاً: “هذا الزواج باطل!”
تُرى كيف كانت أبلين ستتعامل معه حينها؟
هل كانت ستذرف الدموع وتجري نحوه ممسكة بأطراف فستانها الأبيض؟
كانت هذه التخيلات المتشائمة تعذب لوسنت. ولو حدثت مأساة كهذه، لكان قد عاهد نفسه ألا يغفر أبداً لهذين الشخصين اللذين تسببا في خدش كبريائه وحياته.
‘ماذا كنتِ ستفعلين لو عاد ولي العهد إليكِ؟’
حدق لوسنت بوجه متصلب في ملامح عروسه الفاتنة، بينما مالت أبلين برأسها بتعجب؛ فقد كانا يتبادلان الابتسامات قبل قليل.
كانت نظرات لوسنت الزرقاء والخضراء التي تراقب أبلين تضطرب بقلق، لكن الغريب أنه كلما لمعت عيناها المتسعتان، شعر وكأن مشاعره المعقدة تتطهر.
“لوسنت، لون وجهك ليس بخير. هل حدث خطأ ما؟”
لم يُجب لوسنت على سؤال أبلين، بل اكتفى بابتسامة خفيفة، ثم طبع قبلة الزواج على شفتي عروسه الجميلة. في تلك اللحظة، اختفى تجهم وجهه تماماً، وكانت شفتاه ساخنتين ككأس محمى على النار.
قبلها بقوة وكأنه يطبع وسم ملكيته عليها، مما دفع الضيوف للتصفيق بحرارة لهذا المشهد الساحر.
وعندما ابتعد عنها، كانت أبلين قد صبغت الحمرة وجهها حتى أذنيها؛ وبدا منظر تلك التفاحة الزرقاء وهي تنضج وتتحول للأحمر بسبل قبلة واحدة ممتعاً للغاية. ومع ذلك، كان عقل لوسنت لا يزال غارقاً في الحسابات والمؤامرات.
‘انتهى الأمر.’
رسم لوسنت ابتسامة انتصار موجهة لولي العهد الذي قد يكون في مكان ما من الكاتدرائية. وكأنه يسخر من ولي العهد الذي يعاني لعدم قدرته على منع هذا الزواج، قبل أبلين مرة أخرى، مما أثار جلبة بين الحضور الذين فوجئوا بجراءته. كان غرضه واضحاً:
جعل كل من في القاعة شهوداً على هذه الرابطة.
أما أبلين، فقد رسمت ابتسامة عريضة أخفت خلفها ارتعاش وجهها من المفاجأة؛ إذ كان عليها أن تبدو اليوم أسعد عروس في العالم. ومع ذلك، شعرت بأن القبلة الأخيرة لم تكن نابعة من صدق المشاعر، بل كانت تصرفاً مقصوداً له مآرب أخرى.
‘هل حدث خطأ ما؟’
شعرت أبلين ببعض الارتباك، لكن إنهاء المراسم بسلام كان الأهم؛ لذا قررت طيَّ مخاوفها في ركن من أركان قلبها.
في تلك الأثناء، كان قلب لوسنت يضطرب بشكل غريب؛ شعر وكأنه قد ثبّت حقاً كان يفترض أن يملكه.
انتشر شعور بالامتلاء في صدره كالحرارة بعد قبلة الزواج.
تلك التفاحة المثالية التي لا شائبة فيها…
راوده شعور مشؤوم بأنها قد تزعزع توازن حياته ونظامها تماماً. وبدقة أكثر، لم يكن شعوراً سيئاً بالكامل، بل كان يثير في نفسه حماساً غريباً.
هو الذي طالما قدم العقل البارد على كل شيء، وجد نفسه أمام مشاعر تلاطم قلبه الهادئ، جاعلةً من كل حساباته أمراً لا قيمة له.
بعد أن أتم ليون المهمة التي كلفه بها لوسنت، لم يظهر فرحه علناً، بل تنهد بارتياح. لقد فعل تماماً كما أمره سيده، وتجنب بذلك جريمة كبرى وهي المساس بولي العهد. فعندما أخبر لوسنت بأن ولي العهد على وشك اقتحام الكاتدرائية، وقبل أن يخرج ليون للتصرف، ناداه لوسنت مجدداً:
‘أحياناً لا نرى الحل، لأننا نبحث عنه في الحاضر فقط.’
‘عفواً؟ ماذا تقصد يا سيدي؟’
‘اجعل ماضي ولي العهد يصبح كأنشوطة تلتف حول عنقه وتعرقله.’
حينها لم يفهم ليون كلمات لوسنت جيداً.
ماضي ولي العهد؟ ألم يكن بوسعه التوضيح أكثر؟
لكن لوسنت اقترب من ليون واضعاً يديه في جيبي بنطاله وكأنه يقرأ أفكاره:
‘ماريتا بلمونت. إنها إحدى عميلات بنكنا.’
حينها فقط اتسعت عينا ليون.
تحول الأمر إلى حقيقة بمجرد مكالمة هاتفية دون الحاجة لإيذاء ولي العهد؛ فقد وافقت ماريتا بكل سرور على اعتراض طريق سيرج لاستعادة حبها الضائع.
وهكذا، فإن الشخص الذي أوقف سيرج المندفع لاستعادة أبلين، كانت ماريتا.
“سيرج، يا حبي…!”
نادت بصوت يملؤه الحزن والدلال.
بقيت ماريتا صامدة أمام سيارة سيرج ولم تتزحزح حتى ترجل منها. وبعد حرب أعصاب مريرة، تواجها أخيراً. وكما هو متوقع، نشب شجار عاطفي في قلب مدينة راونت، تخلله بكاء وصراخ.
“سيرج…”
اندفعت ماريتا نحو ولي العهد وأحاطت عنقه بذراعيها.
“يا لقلة أدبكِ! نادِني بصاحب السمو من الآن فصاعداً.”
“سيرج، ألم تقل إنه لا يهمك فارق النسب أو العقبات؟ ألم تقل إن الحب سامٍ ويمكنه قهر أي صعوبة؟”
انهمرت دموع ماريتا بغزارة.
ذات مرة، كان سيرج يرى دموعها تثير الشفقة، لكنه الآن لا يستطيع نسيان صورة طفليها اللذين فتحا الباب ودخلا عليهما بينما كان في وضع حميم معها. لم تكن تلك هي اللوحة التي رسمها في خياله. ماريتا بلمونت، المغنية الوضيعة والجميلة، بطلة المأساة، الحب الذي يشبه السم المر…
كان ينبغي أن يكون الأمر مؤثراً كقصيدة رومانسية قديمة، لكن وجود هذين الطفلين كان مؤامرة خبيثة أخفتها ماريتا عنه.
“لا زلتُ أؤمن بالحب، لكن الشخص اختلف فحسب. المشاعر ليست خطيئة.”
لم يتخيل سيرج أنه سيعيد الكلمات ذاتها التي قالها لأبلين سابقاً على مسامع ماريتا، لكن إيمانه بحبه الخاص لم يتغير.
“إذن لماذا هجرتني؟ هل وجود أطفالي هو ما جعلك تشعر باليأس؟”
“ليس يأسًا، بل خِزيًا إن صح التعبير.”
“هذا قاسٍ جداً… اهئ!”
انفجرت ماريتا بالبكاء المر، فنظر إليها سيرج باشمئزاز قائلاً:
“أرجوكِ، هلا اختفيتِ من أمامي؟ يا سيدة بلمونت.”
كان عليه أن يسرع للكاتدرائية لإنقاذ أبلين من قبضة ذلك الشرير، لكن ماريتا قيدت خطاه بكلمات غير متوقعة:
“أنا حامل. سيرج، إنه طفلك.”
“هاها…”
ضحك سيرج بذهول ثم تقلص وجهه بغضب، وقال بنبرة مليئة بالاحتقار:
“هل أنا متأكد من أنه طفلي؟ من الواضح أنها حيلة رخيصة من عاهرة.”
انسحب ليون من الموقع بعد أن حصل على هذه المعلومة الثمينة حول حمل ماريتا، ورفع تقريره فور انتهاء زفاف لوسنت. وعلى أي حال، نجحت ماريتا في منع ولي العهد من تخريب الزفاف.
‘مضايقات ولي العهد لن تنتهي بسهولة.’
قدر لوسنت أنه من المبكر جداً الاطمئنان.
فأولئك الذين لم يعرفوا الفشل أو الإحباط، يسعون فقط للنشوة والمتعة في الحب، ويتجاهلون المعاناة والحقد.
كان ولي العهد يملك عادة سيئة وهي حسم الأمور لصالحه ببساطة؛ وسيستمر في التخبط والصراخ كطفل حتى يستعيد ما يظن أنه ملكه، حتى يمل الطرف الآخر…
بعد انتهاء حفل الزفاف الضخم الذي ضجت به مدينة راونت، قرر العروسان أبلين ولوسنت عدم الذهاب في رحلة شهر عسل باذخة.
فرغم إنقاذ الكونت هافن من المتمردين، إلا أنه لم تصل أي أخبار لاحقة عنه، مما منع أبلين من الاستمتاع بقلب صافٍ. وبدلاً من ذلك، وبناءً على اقتراح لوسنت، قررا قضاء أسبوع من الراحة البسيطة في فيلا عائلة بلاك كارسون بمدينة هيفن.
ومع ذلك، ساد جو من البرودة داخل السيارة المتجهة إلى هيفن.
كان العروسان ينظران من النافذة بصمت غريب، في جو لا يوحي أبداً بأنهما تزوجا للتو.
‘لماذا كان يرتدي ذلك التعبير؟’
لم تستطع أبلين نسيان نظرة السخرية الباردة التي ارتسمت على وجه لوسنت قبل القبلة.
‘منذ متى أصبحتُ حساسة تجاه مزاج لوسنت هكذا؟’
ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من الاهتمام.
كانت مشاعر مبهمة؛ فهي تدرك أن الطمع في مشاعره هو رغبة واهية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يقابلها بالجفاء.
شعرت أبلين فجأة بأنها مثيرة للشفقة.
‘يمكنني ببساطة أن أسأله، أليس كذلك؟’
تربت النساء النبيلات على أن كتمان المشاعر هو قمة التواضع والوقار.
التعليقات لهذا الفصل " 7"