لم تحِد أبلين بنظرها عن لوسنت، بل بقيت تنتظر إجابته بثبات، ومع ذلك، كانت تملك قدراً من الثقة. فقد سمعت أن لوسنت بلاك كارسون رجل بارع لا تشوبه شائبة، لكن خلفية عائلته كانت سيئة للغاية.
تذكرت في تلك اللحظة كلمات إدموند:
‘سمعت أن مدير البنك تعرض لكثير من الظلم والاضطهاد حتى وصل إلى هذا النجاح.’
لا بد أن ذلك النقص الوحيد في حياته كان يعيق تقدمه باستمرار؛ ولهذا السبب يبدو أنه يطمح للزواج من سيدة نبيلة. كانت تفهمه، وفي الوقت نفسه تشعر بالأسف تجاهه، فقد اضطر بلا شك للكفاح بضراوة للنجاة في مجتمع غير عادل. ولعل هذا الكفاح هو ما جعله شخصاً دقيقاً في كل تفاصيل عمله؛ فمن المؤكد أنه استأجر المرتزقة لإنقاذ والدها سلفاً.
إنه من نوع الرجال الذين يستحوذون على زمام المبادرة بمجرد أن يلوح لهم هدف ما.
“أريدكِ.”
أجاب لوسنت بنبرة مفعمة بالثقة.
“إذن، كم تبلغ قيمة رغبة مدير البنك في الحصول عليّ؟”
“…؟!”
ارتبكت نظرات لوسنت للحظة. لقد وبخها قبل قليل لافتقارها للحس الواقعي، لكنها أثبتت أنها امرأة ذكية تتعلم عشرة دروس بمجرد تلقيها درساً واحداً. مرت ابتسامة خاطفة على شفتيه أمام جرأتها في اختباره.
“البشر جميعاً يتمتعون بالكرامة، وأعتقد أنها لا تُقدر بمال. ومع ذلك، إذا كنت ترغب في تحويل قيمتي إلى أرقام، فيمكنني إخبارك بها.”
‘تقصد أن سؤالي كان فجاً.’
أعجبه جداً أسلوبها في توجيه التوبيخ بشكل غير مباشر. ورغم الموقف العصيب الذي تمر به، إلا أنها كانت تعبر عن رأيها بهدوء ورزانة. كانت تلك هي اللحظة التي تأكد فيها من الرقي الحقيقي لآنسة نبيلة.
“هل تسببتُ لكِ بالإزعاج؟ أنا رجل مصرفي، أعيش مما يسميه الناس لعباً بالمال. لذا، صار تحويل الأمور إلى أرقام عادة عندي، لكنني لست جاهلاً بكرامة الإنسان.”
“أتفهم ذلك.”
ابتسمت أبلين للوسنت ببهجة. غطت فمها بيدها قليلاً لكي لا تبالغ في الابتسام، وبدت حركتها تلك كعادة فطرية ولدت معها وليست تمثيلاً متعمداً.
“قيمتي تساوي 10 مليارات، بل 20 مليار سالينغ، وربما أكثر من ذلك بكثير. كما تعلم، جدي هو ملك موناس، وأنا ووالدتي نملك حق اعتلاء العرش. وأمر آخر، لقد تلقيتُ تعليمي في القصر الإمبراطوري مع ولي العهد منذ سن الثانية عشرة. لسنا جميعاً، نحن الآنسات النبيلات، سواء.”
لم يكن موقفها ليبدو مجرد ادعاء بل كان يفيض بالثقة؛ فقد لمع اعتزازها بنفسها كأنه كريستال شفاف. وفوق ذلك، حق اعتلاء عرش موناس…
هل يمكن أن يوجد شرط أكثر إغراءً من هذا؟
لقد كانت أبلين تختلف تماماً عن كل النبلاء الذين قابلهم لوسنت حتى الآن.
“هاهاها… يبدو أنني أصبحتُ شخصاً مادياً أمامكِ.”
“لقد قال حكيم من الشرق إن الوحش الذي يسكن داخلنا يجرح أنفسنا من خلال الرغبة والغضب والوهم التي تنشأ في قلوبنا. وبما أنك قلت إنك تريدني، فعليك أن تدفع ثمن تلك الرغبة، سواء بالمال أو بالمشاعر…”
‘وأنا كذلك…’
رسمت أبلين ابتسامة مريرة.
اتفق لوسنت مع كلماتها، لكنه شعر بنوع من الانزعاج الممزوج بالإعجاب. تلك المرأة التي كشفت دواخله ووبخته بأسلوب أنيق، لم تكن تثير نفوره، بل زادت من رغبته في امتلاكها. ورغم تملُّك شعور غريب بالهزيمة منه، إلا أنه تأكد أن بصيرته واختياره كانا صائبين هذه المرة أيضاً.
“أريد الزواج منكِ، آنسة أبلين.”
صراع الإرادات المتنكر في زيّ المفاوضات لن يؤدي إلا لهدر الوقت والمشاعر؛ لذا كان من الأفضل والأكثر كفاءة التأكد مما يريده كل طرف. ومع ذلك، ترددت أبلين في الإجابة لفترة طويلة جداً…
“هل يمكنك إنقاذ والدي؟”
تحدثت أبلين بنبرة يائسة، كشخص كان يحبس أنفاسه تحت الماء وخرج للتو ليستنشق الهواء.
“إنها مسألة حياة أو موت، لذا لن أقطع وعوداً غامضة. لكنني سأبذل قصارى جهدي.”
“وأيضاً… أود أن يبدو هذا الزواج أمام العالم كزواج عن حب. لا أريد… أن يُعرف كصفقة تجارية.”
قريباً سيعرف العالم بخبر انفصالها عن ولي العهد، وستنتشر التكهنات والاشاعات، ناهيك عن ديون والدها… بإجابتها هذه، كانت الصفقة بينهما قد تمت بنجاح.
“هذا ليس بالأمر الصعب.”
سيعمل على حمايتها من وصمة العار بأنها بيعت بالمال، فلو كان في مكانها لطلب الشيء نفسه. سألت أبلين لوسنت حينها عما يريده هو من هذا الزواج:
“هل لدى مدير البنك شروط خاصة؟”
“أريد ثلاثة أطفال على الأقل، والطلاق غير ممكن.”
شعرت أبلين بذهول مؤقت. كان طلب لوسنت شرطاً مغلقاً لا يسمح إلا بالتقدم للأمام، دون انعطاف أو تراجع. الزواج السعيد أمر جيد، لكن سد جميع طرق العودة قبل خوض التجربة جعلها تشعر فجأة أن الصفقة غير عادلة.
“ماذا لو انهارت الثقة بين الزوجين؟ ماذا لو اتخذ زوجي عشيقة حتى لو لم يكن هناك حب…”
بالنسبة لرجال الطبقة العليا، لم يكن اتخاذ عشيقة عيباً كبيراً، لكن وضع أبلين كان مختلفاً.
“هل تشعرين بالغيرة مسبقاً؟”
“ليست غيرة، بل كرامتي ستتضرر. بالطبع آمل ألا يحدث ذلك، ولكن إن حدث، فعليك إما أن تطلقني أو أن نكون متساويين.”
ارتفع حاجب لوسنت؛ متساويين؟
“إذا اتخذتَ عشيقة، سأتخذُ عشيقاً أيضاً. فالمرأة المطلقة تُحرم من حق اعتلاء عرش موناس، وأنا أريد ألا يفقد أطفالي هذا الحق في المستقبل.”
‘انظر إليها؟’
تلك القطة التي زحفت أمامه بضعف لأنها حُصرت في زقاق مسدود…
هاهي الآن تمسك بزمام المبادرة وتتحدث عن المساواة بمنتهى الجرأة.
“دعينا نترك التفاصيل للمحامين في الخارج لتوثيقها.”
“حسناً، موافقة. ولكن…”
قالت أبلين بنبرة مرتجفة وهي تنظر إليه. تذكرت فجأة عندما عرض عليها ولي العهد الزواج؛ في حديقة مليئة بزهور الربيع، جثا على ركبتيه وقدم لها الخاتم… بدا ذلك اليوم وكأنه ذكرى بعيدة جداً أو قصة في كتاب أطفال قديم.
شعرت بالحزن لأنها تضع شروطاً للزواج وتزن المكاسب، فقد كانت ترغب في زواج يملؤه التفاهم والاحترام، حتى لو لم يكن حباً ملتهباً.
“ساعدني لأكون زوجة محبوبة وأماً صالحة. العائلة غالية جداً على قلبي.”
ابتسم لوسنت ابتسامة خفيفة. عندما استهدف أبلين كهدف له وجمع المعلومات عنها، كان أكثر ما أدهشه هو قوة الروابط الأسرية في عائلة هافن؛ جو عائلي دافئ يخلو من الخلافات…
وبما أنه عاش عكس ذلك تماماً، فقد كان مهووساً بفكرة العائلة. فمهما جمعت من مال، لا يمكنك شراء السعادة، بل إنه لم يكن يطمح للسعادة، كان يتمنى فقط ألا يضطر لتنظيف الفوضى التي تسببها والدته وأخته دائماً.
نهض لوسنت من مكانه وأمسك بيد أبلين ليساعدها على الوقوف برفق.
“أنا أيضاً أعلق آمالاً كبيرة على عائلتي الجديدة التي سأبنيها.”
لقد كان، كما قالت، زواجاً لا يُقدر بثمن.
أحاطت يد لوسنت الضخمة بخصر أبلين وسحبتها نحوه بقوة. اقترب وجهه منها لدرجة شعرت معها وكأنه سيقبلها. لامست أنفاسه الحارة شفتيها كالعاصفة، لكنه غير مساره وقبل ظهر يدها.
“…!”
كانت قبلة يد مهذبة وراقية جداً، شعرت وكأنها طقس لتوثيق الصفقة بينهما. رغم أنها مجرد قبلة يد عادية، إلا أنها حملت احتراماً وتقديراً غريباً. سند لوسنت خصرها بذراعه القوية وتلاقت أعينهما، فابتسم لها بدفء. كانت نظراته عن قرب مفعمة بالجاذبية بشكل طاغٍ.
لم يكره لوسنت رائحة التفاح والورد المنبعثة من أبلين. كاد يقبلها، لكنه لم يكن متهوراً لهذه الدرجة…
ومع ذلك، كان راضياً جداً لأنها أصبحت أخيراً بين ذراعيه. سحب يدها الصغيرة ووضعها داخل سترته.
“…؟!”
جفلت أبلين من تصرفه الجريء. لم تكن يدها مدفونة داخل سترته فحسب، بل شعرت بصلابة صدره بوضوح؛ رجل يفيض بالرجولة والقوة. خفق قلب أبلين كأرنب مذعور يحاول الهرب، لكن لوسنت كان هادئاً ودافئاً.
كانت تجربة غامضة، وكأن روحها تُسحب إلى قاعة مجهولة. وبرغم أن تصرفه كان بعيداً عن البروتوكول والآداب، إلا أن لوسنت جعل له قيمة مختلفة. لم يكن الموقف رومانسياً بالمعنى التقليدي، لكنه جعل قلبها يضطرب بشكل مذهل.
تركها لوسنت بحذر وكأنها قطعة من الخزف الثمين. وعندما انفتحت رموشها الكثيفة كأجنحة فراشة، لمعت عيناها الخضراوان ببريق استثنائي.
“أبلين، لا مجال للتراجع الآن.”
كان يبدو كمفترس نجح في صيده. نظراته الزرقاء العميقة وحضنه القوي أحاطا بها كفخ من فولاذ.
“أعلم ذلك.”
في تلك اللحظة، خفق قلبه الذي ظل ساكناً طوال الوقت. أخيراً، سيأخذ أبلين، التي عمل طويلاً للحصول عليها، كزوجة له.
عقد كِلا من أبلين ولوسنت بلاك كارسون صفقة الزواج الكبرى بنظرة عين واحدة.
التعليقات لهذا الفصل " 4"