2 - وحش يُدعى عقدة النقص
الفصل الثاني: وحش يُدعى عقدة النقص
“العالم في حالة غليان.”
لم يستطع لوسنت الخلاص من أفكاره العميقة حتى بعد خروج سكرتيره. لقد صار مألوفاً أن نرى غجراً منبوذين يجمعون ثروات طائلة من إدارة حلبات سباق الخيل، بينما ينهار نبلاء عريقون مثل الكونت هافن. ونتيجة لذلك، اهتزت أركان العالم وأُعيد توزيع الثروات؛ فظاهرياً، بدا وكأن المال وحده كفيل بقلب الموازين الطبقية، ومع ذلك، ظلت العادات السيئة التي تُصنف البشر وتفصل بينهم قائمة كما هي.
كان لوسنت يؤمن بشدة بنظريات الفلاسفة التي تقول إن مكانة الإنسان الاجتماعية لا تُثبت بالنسل، بل بالجهد والعرق.
‘للأسف… حتى لو نلت المركز الأول في الاختبارات النظرية، فهذا لا يمنحك الحق في دخول الجامعة الإمبراطورية. يجب أن يكون الشخص لائقاً بسمعة أرقى الجامعات.’
ذات يوم، لم يكتفِ هؤلاء بإهانته فحسب، بل أعطوه الإجابة بمنتهى الذل والمهانة.
لذا، لم يرغب لوسنت في أن يكون مجرد ثري، بل أراد أن يصبح فرداً من الطبقة العليا المثالية المعترف بها من الجميع. ولتحقيق ذلك، كان بحاجة إلى شخص يسدُّ نقصه. وسرعان ما برز اسم أبلين فون هافن في ذهنه؛ فهي حبيبة ولي العهد منذ أمد طويل، وسيدة تملك النسب، الجمال، الذكاء، والسمعة المثالية في المجتمع المخملي.
كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي ينجذب فيها إلى شخص، وتحديداً امرأة، ويطمع في الحصول عليها. منذ أن عرف بوجود أبلين، تملكتْه رغبة عارمة بها.
ولأنه يعلم من خبرته أنه لا يوجد نجاح يأتي مجاناً، فقد أقرض الكونت هافن 6 مليارات سالينغ بفائدة منخفضة. ليس هذا فحسب، بل لم يضغط عليه رغم تأخر الفوائد لمدة عام كامل.
‘سيكون من المحبط ألا يتم تقدير كل هذا الجهد.’
وفي تلك اللحظة، وكأنها لقطع حبل أفكاره، فُتح باب مكتبه بعنف، وساد ضجيج مألوف جعل الأجواء متوترة. إنهم الأشخاص الذين يذكرونه دورياً بعقدة نقصه.
“أخي!”
“بني!”
‘سحقاً…!’
لقد اقتحمت والدته وأخته المكان. رغم أنه طلب منهما مراراً عدم الحضور إلى البنك، إلا أن والدته جاءت وهي تمسك زجاجة خمر، بينما أتت أخته التي لم يمضِ على زواجها طويل وقت ووجهها في حالة يرثى لها.
انفجرت الأم والابنة بالبكاء بمجرد رؤية لوسنت. بل إن الأخت ارتمت على الأريكة وشرعت تضربها بقبضتيها دون توقف.
“ما خطب وجهكِ؟”
“لقد ضربني ذلك الوغد زوجي. إنه حثالة لا مثيل له في هذا العالم.”
تلطخ مكياجها بالدموع، وتبعثر شعرها، فشعر لوسنت بنبض الألم في صدغيه.
“لقد تزوجتِه وأنتِ تعلمين أنه من ذلك الطراز.”
“لأنني أحببته! ولكنه كان منحطاً. لم يدخل البيت لعدة أيام، وعندما أرسلتُ من يبحث عنه، وجدتُه قد اتخذ عشيقة. كانا عاريين تماماً وهما… لذا شددتُ شعر تلك العاهرة، ففعل بي زوجي هذا.”
“وأنتِ يا أمي، ما الخطب؟”
“بني، لقد تعرضتُ للاحتيال والإهانة. تباً لتلك النسوة!”
بدأت الأم مونيكا تشتكي وهي تحتسي الخمر من الزجاجة. لقد أنفقت مبالغ طائلة للانضمام إلى جمعيات سيدات الطبقة العليا في العاصمة، لكنهن يماطلن ويرفضن ضمهن. أخذت تتخبط على الأرض وتصرخ:
“قالت لي البارونة كامي إن دفع مئة مليون سالينغ سيضمن لي الانضمام لجمعية روبيل للسيدات، فهل تعرف ماذا قالت لي قبل قليل؟ تقول إن بقية السيدات يرفضن انضمامي لأنني كنت كورتیزان وأن وجودي سيقلل من شأن الجمعية. رغم أنني أقمتُ حفلات بمالي الخاص من أجلهن…!”
قبض لوسنت على جبهته بيده. رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يشتكين فيها، إلا أن رأسه كان يؤلمه بشدة في كل مرة.
كانت الأم والابنة ترتديان فساتين أغلى من أي سيدة نبيلة وتتزينان بكل أنواع الجواهر، لكن تلك الفخامة لم تحجب ابتذالهما، بل جعلته بارزاً أكثر. بل كلما كانت القشرة الخارجية لامعة، كان من السهل رؤية الفراغ في الداخل.
“هاه—”
نهض لوسنت من مكانه وسار نحوهما.
“أمي، ماذا تريدين مني أن أفعل؟ ماري، هل أطلقكِ منه، أم أقتل لكِ زوجكِ؟”
***
كانت أبلين غارقة في محاولات إيجاد حل مع المحامي إدموند. فوالدتها ليليان طريحة الفراش من أثر الصدمة، ولم يتبقَّ سواها لحل هذه المعضلة.
قابلت أبلين الأقارب وزارت كل البنوك الكبيرة والصغيرة في العاصمة دون استثناء، لكن النتائج كانت كارثية.
‘يجب أن تملكي ضمانات تعادل 3 مليارات سالينغ.’
‘ألا يمكن الحصول على قرض ائتماني؟’
‘ممكن، ولكن يجب أن يتقدم رب الأسرة بالطلب بنفسه.’
كان هذا يعني أنها لا تستطيع الحصول على القرض.
لطالما اعتقدت أبلين أن عاصمة راونت جميلة كلوحة فنية، لكنها للمرة الأولى تراها كعالم رمادي لا ينفذ إليه شعاع ضوء واحد.
“لماذا؟ ألا يوجد حل بتاتاً يا آنستي؟”
تمتمت الخادمة لوريل وهي على وشك البكاء.
“في الوقت الحالي، نعم.”
“ماذا لو طلبتِ المساعدة من سمو ولي العهد؟”
“لوريل، يجب الفصل بين الأمور الشخصية والعامة.”
لا أحد يعرف بعد أن علاقتها بولي العهد قد انتهت في حفل نهاية العام. لم ترد أبلين التفكير في سيرج ولو لثانية واحدة في هذا الموقف. حينها، قال المحامي إدموند بنبرة كئيبة:
“آنسة، لم يتبقَّ سوى عشرة أيام. وهذا وصلني بالأمس.”
أخرج إدموند صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود من جيبه وسلمها لأبلين. ابتلعت ريقها بتوتر وتحققت من الصورة.
“…؟!”
كانت صورة لوالدها مارسيل وهو مقيد بالحبال، بينما يوجه متمردو سنيبارون فوهات بنادقهم نحوه من الجانبين.
شعرت أبلين وكأن الدماء في عروقها قد تجمدت.
ارتجف جسدها واقشعر جلدها. كانت تشعر بالخوف حين تسمع الأخبار فقط، ولكن عندما رأت المأساة القادمة بعينيها، غرق جسدها وروحها في الرعب.
تصاعدت صرخة مكتومة في حلقها وكادت تنفجر بالبكاء، لكنها تمالكت نفسها بصعوبة؛ لأنها شعرت أنها لو انهارت هنا، فلن تنهض أبداً…
“إدموند، ألا توجد أي طر… طريقة لإنقاذ والدي؟”
سألت بصوت مرتجف.
“توجد، لكن الأمر يعتمد على خياركِ.”
“لا يبدو أنني في وضع يسمح لي بالاختيار، أليس كذلك؟”
بينما كانت تجيب، مرت في ذهنها صور الأشياء الفظيعة التي ستواجهها بعد موت والدها.
“هناك بنك لوسنت للائتمان.”
“ذلك المكان… هو البنك الذي اقترض منه والدي مبلغاً ضخماً بالفعل.”
وصلت أبلين إلى شارع كوينز، أكثر الشوارع حيوية في العاصمة. نزلت من السيارة وتطلعت إلى مبنى بنك لوسنت. كان المبنى المكون من خمسة طوابق والمبني من أفخر أنواع الرخام، يزدان بأعمدة كورنثية ضخمة في مقدمته، مع زخارف ذهبية دقيقة وتماثيل متناهية الصغر منقوشة على كل جدار.
[سنكون شعاع الضوء لعملائنا المتعثرين.]
بمجرد قراءة العبارة المنقوشة على حجر الرخام أمام مبنى البنك، لم يكن من السهل تصديق أن هذا هو بنك لوسنت للائتمان سيء السمعة بفوائده المرتفعة.
‘لم أكن أرغب في المجيء إلى هذا المكان تحديداً…’
“الآنسة أبلين فون هافن؟”
عندما اقترب ليون الذي كان يقف أمام المبنى مبتسماً بلطف، تقدم المحامي إدموند.
“أنا إدموند مورتلي، محامي عائلة الكونت هافن.”
“آه، أنت الشخص الذي اتصل بي مسبقاً؟ أنا ليون شاموس، سكرتير مدير البنك.”
بينما كان الاثنان يتبادلان التحية بلياقة، كان توتر أبلين يزداد. في النهاية، لقد جاءت إلى هنا.
والدها لم يكتفِ بكل ثروته، بل رهن حتى ميراث والدتها الذي حصلت عليه من عائلتها، ليقترض مبلغاً هائلاً يصل إلى 6 مليارات سالينغ.
اقترب ليون، الذي يرتدي حلة أنيقة وشارة الشركة، من أبلين وحياها بوقار. أصيبت أبلين بالارتباك لأن مقابلة موظفي هذا المكان كانت تختلف عما تخيلته.
فسمعة عائلة بلاك كارسون، أصحاب بنك لوسنت، كانت سيئة للغاية؛ قيل إن والد مدير البنك كان شريراً جنى ثروته من تهريب الأسلحة.
ولكن حتى لو كان ذلك صحيحاً، فما الفرق الآن؟
صورة والدها في الصورة كانت حية في ذهنها.
“لحظة واحدة.”
طلبت أبلين من ليون مهلة قصيرة، ثم نظرت إلى لوريل بوقفة شامخة.
“لوريل، تأكدي إن كان هناك أي خلل في مظهري.”
“حاضر، آنستي.”
رغم أن النيران تشتعل تحت قدميها، إلا أنها لم تكن تريد أن تبدو مضطربة أو خائفة.
كانت تدرك تماماً أن هذا ليس وقت الارتجاف والبكاء، بل هو الوقت للتصرف بأكثر الطرق عقلانية.
Chapters
Comments
- 3 - منطقة المفترس منذ 7 ساعات
- 2 - وحش يُدعى عقدة النقص منذ 7 ساعات
- 1 - لا يمكن للأمر أن يكون أسوأ من ذلك منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"