“إذا كنتِ ترغبين، يمكنني خلع كل هذه الملابس الآن. سأفعل ذلك لو طلبتِ مني السباحة عارياً.”
رغم أن كلماته بدت منطقية، إلا أنها لم تستطع التخلص من شعورها بالظلم.
ومع ذلك، لم تستطع الاستمرار في التذمر أمام ابتسامته الآسرة.
شعرت بالخجل وهي تغرق في صوته الذي يهمس كحفيف الأمواج:
“أنتِ جميلة يا أبلين.”
بصراحة أكبر، كان يراها لطيفة وفتانة لدرجة الجنون. بدأ يشك فيما إذا كانت هذه هي نفس أبلين فون هافن الجريئة التي جاءت تطلب منه صفقة لإنقاذ والدها.
راح يداعب قبعتها المزينة بالزهور، ثم مسح بسبابته على وجنتها المحمرة.
وفجأة، اعترفت أبلين بكل عفوية:
“في الحقيقة، لم يسبق لي السباحة قط. وهذه هي المرة الأولى التي أرتدي فيها ملابس كهذه.”
لقد تظاهرت بالبراعة فقط خشية أن يراها غير عصرية.
“يمكنكِ ارتداؤها كثيراً في المستقبل.”
قالها لوسنت بنبرة غير مبالية، وكأن عدم ارتدائها لملابس السباحة من قبل ليس بالأمر الجلل؛ فمعظم الناس لم يسبق لهم حتى رؤية هذه الملابس، ناهيك عن ارتدائها.
ثم أحضر لوسنت العوامة الضخمة التي أعدها ليون.
“كل ما على سيدتنا فعله هو الصعود فوق هذه العوامة.”
“…؟!”
وقبل أن تستفسر أبلين، كانت يده تقودها نحو البحر.
وضع العوامة فوق الماء وقال:
“اجلسي في الوسط، ثم مدّي ساقيكِ للخارج.”
لم تستطع القيام بهذه الحركة البسيطة من المرة الأولى، وبدأت تتخبط بوجه متشنج.
رفعها لوسنت فجأة وأجلسها فوق العوامة، ثم ساعدها في مد ساقيها الرشيقتين.
تساءلت أبلين بغيظ من نفسها: هل ارتبكت البشرية هكذا حين اكتشفت النار لأول مرة؟
لكن بمجرد أن أمسك لوسنت بحبل العوامة واتجه بها نحو عرض البحر، بدأت تضحك كطفلة تكتشف اللعب بالماء لأول مرة.
‘نعم، إنها المرة الأولى.’
حتى وإن لم تكن تجيد السباحة، إلا أن ركوب العوامة فوق الأمواج المتمايلة كان ممتعاً للغاية.
أحياناً كانت العوامة تميل أو تنقلب، فتعود للصعود عليها بسرعة، مكتشفة طريقتها الخاصة في اللعب.
لم تفارق الابتسامة وجهها، بينما كان لوسنت يراقبها برضا وهو يسبح حولها بليونة كسمكة في الماء.
انطلقت منها صرخات الإعجاب، وبعد فترة وجيزة بدأت تصفق وتضحك بصوت عالٍ.
“أنت بارع جداً في السباحة!”
أثنت عليه أبلين.
“امم، لقد اعتدت اللعب مع والدي على هذا الشاطئ كثيراً عندما كنت صغيراً.”
“هذا رائع يا لوسنت.”
“ماذا؟”
هل مجرد شق الماء يبدو رائعاً في نظرها؟
لم يستطع منع نفسه من الابتسام وهو يرى نظرات الإعجاب في عينيها.
فرغ عقله الذي كان مثقلاً بالأعمال، وأصبحت هذه اللحظة معها هي كل ما يهمه.
“أنا أيضاً أشعر بحرية لم أعرفها من قبل.”
أرجعت أبلين رأسها للخلف وهي تشق الماء بذراعيها مستندة إلى العوامة.
كانت السحب البيضاء تنساب ببطء في السماء الزرقاء، والنوارس تحلق فوق سطح الماء.
شعرت براحة عميقة وهي تتحرك بجسدها وروحهما مع إيقاع الأمواج.
تجربة ارتداء ملابس السباحة والاستمتاع بالبحر ستظل ذكرى لا تُنسى في حياتها؛ فقد كان الاستمتاع بأشياء لم تحلم بها قط أمراً يبعث على الفخر والسعادة.
بقي لوسنت يسبح بالقرب منها دون أن يبتعد.
‘هل هذه هي الحرية؟’
كانت أبلين تداعب الماء بأصابعها وتركل بقدميها، متمنية أن تسبح يوماً ببراعة كالدلافين.
كانت شمس الظهيرة تتلألأ بين الموجات، وبينما هي تطفو، وقع نظرها على جزيرة صغيرة في الأفق.
“لوسنت، هل سبق لك أن زرت تلك الجزيرة؟”
كانت الجزيرة لا تبعد كثيراً عن الشاطئ، ويمكن لشخص يجيد السباحة الوصول إليها بسهولة.
“إنها إنسولا أموريس.”
“جزيرة الحب؟ يا له من اسم فخم وعظيم.”
“زرتها مرة مع والدي وأنا صغير. تلك الجزيرة ملك لعائلتنا أيضاً.”
“آه، فهمت.”
“هل نذهب؟”
فاجأها اقتراحه، لكنها لم تجد سبباً للرفض.
بدت الجزيرة غير خطيرة، والطقس كان مثالياً.
أومأت برأسها موافقة، فأمسك لوسنت بحبل العوامة وسبح نحو الجزيرة.
كان قوياً جداً لدرجة أنها شعرت وكأنها تستقل زلاقة مائية سريعة.
وبعد عشر دقائق، وصلا إلى جزيرة صخرية بلا رمال، تتألف من منحدرات سوداء ناعمة تصطدم بها الأمواج فتصنع رغوة بيضاء.
ربط لوسنت الحبل ببروز صخري وأمسك بيد أبلين ليساعدها على الصعود.
“أوه، هناك درج في الجزيرة!”
ظنت أنها جزيرة مهجورة لم تلمسها يد بشر، لكن كان هناك درج حديدي متين يمتد من الأسفل حتى القمة، مما جنبها المشي حافية فوق الحصى المدبب.
اختلطت المشاعر في قلب لوسنت وهو يرى الجزيرة بعد غياب طويل.
وخلافاً لاسمها الرومانسي جزيرة الحب، كان والده يستخدم الكهوف هنا لإخفاء السلع المهربة؛ فقد كانت بمثابة مخزن سري عائم في البحر، ولهذا السبب وضع الدرج الحديدي.
وبالطبع، لم يأتِ بأبلين إلى هنا ليستعيد تلك الذكريات المظلمة.
“أبلين، هل ترين تلك الأشجار في قمة الجزيرة؟”
“نعم، إنها محملة بالثمار!”
تذكر لوسنت كيف كان والده يحذره من لمس تلك الثمار.
وحتى بعد كبره، كان يراقب الجزيرة بالمنظار ليتأكد إن كانت الثمار لا تزال هناك.
حينها نظرت إليه أبلين بعينين براقتين وقالت:
“ما رأيك أن نقطف بعض تلك الثمار ونتذوقها؟”
“أنا نفسي لم أذقها قط.”
“أنا أعرف الكثير عن النباتات لأنني قرأت موسوعات عنها، يمكنني معرفة إن كانت خطيرة أم لا.”
رأت أبلين أن الحذر الزائد لا يليق بالمغامرة بعد وصولهما إلى هذه الجزيرة النائية، وكان لوسنت بدوره فضولياً بشأن تلك الثمار.
أمسك لوسنت بيد أبلين بقوة وصعدا الدرج الحديدي بنشاط.
بدأت صور الماضي تتوارد أمام عينيه؛ والده ماركوس الذي لم يكن يتورع عن القيام بأي عمل غير قانوني من أجل المال، والذي ظل يصارع حتى يومه الأخير ليكسب المزيد.
تذكر والده الذي عاش حياة كالحرب وانتهت بموت مأساوي. ورغم أن أبلين زوجته، إلا أنه لا ينوي إخبارها أبداً عن الغرض الحقيقي لهذه الجزيرة.
لم ينتبه لوسنت لوصولهما إلى القمة إلا حين نادته أبلين، فاستفاق من ذكرياته الباهتة.
“لوسنت.”
التفت نحو ما كانت تشير إليه، فرأى أشجار فاكهة غريبة لم يرَ مثلها من قبل تقف في صفوف منتظمة.
التعليقات لهذا الفصل " 16"