على الرغم من أن الربيع كان في بدايته في العاصمة راونت، إلا أن الطقس في الجنوب، وتحديداً في هيفن، كان شديد الحرارة.
منذ الصباح الباكر، تحرك موظفو الفيلا بنشاط لتجهيز الشاطئ الخاص الذي يملكه لوسنت.
بدا الطقس الصافي بشكل استثنائي وكأنه هدية من السماء، بينما كان الشاطئ ذو الرمال البيضاء يتلألأ وكأنه منثور بالجواهر بجانب البحر الأزرق الصافي.
نصب الموظفون بعناية مظلة بيضاء، وأعدوا طاولة مغطاة بمفرش ناصع البياض وعليها أدوات الطعام الفاخرة. ولم يكن من يشرف على هذه التحضيرات هو رئيس الخدم، بل السكرتير ليون بنفسه.
“انقلوا تلك الكراسي المصنوعة من القش إلى هنا. وضعوا سلة الفاكهة على الطاولة الصغيرة بين الكراسي.”
“حاضر سيدي.”
وضع ليون نبيذ الشمبانيا الفاخر في دلو الثلج، حتى إنه أعطى تعليمات دقيقة حول اتجاه الوسائد الكتانية.
كان عليه الاهتمام بأدق التفاصيل لضمان خصوصية لوسنت وأبلين مع كفالة قضائهما وقتاً ممتعاً.
“ضعوا عدة مناشف في سلال القش. وأيضاً… ماذا كان هناك أيضاً؟”
أعدّ أيضاً عوامات في الخلف تحسباً لأي طارئ.
وفجأة، تذكر شيئاً لم يحضره، فصرخ على عجل:
“أين المنظار؟”
اعتاد لوسنت حين يأتي إلى هيفن أن يراقب الجزيرة الصغيرة المقابلة عبر المنظار؛ حيث يقطن طيور النورس، وكان يمزح دائماً بأن هناك فواكه غريبة لم تُحصد بعد. وتوقع ليون أن لوسنت سيرغب في إطلاع أبلين على ذلك المشهد، فحث الموظفين على اللمسات الأخيرة.
في هذه الأثناء، واجهت أبلين ولوريل معضلة كبرى.
كانت أبلين تنظر إلى نفسها في المرآة الطويلة بملابس السباحة، وسألت بوجهٍ غلب عليه الارتباك:
“لوريل، هل هذا فعلٌ صائب؟ ألا يُعدّ هذا خطيئة؟”
كما هو متوقع، كانت ملابس السباحة كاشفة جداً.
ورغم أنهما زوجان وقد رأيا أكثر من ذلك، إلا أن هذا كان أمراً مختلفاً.
ففي الغرفة وتحت الإضاءة الخافتة، يمكن للمرء إخفاء تعابير وجهه، أما الآن فهي على وشك الخروج في وضح النهار بملابس تشبه الملابس الداخلية.
“سيدتي، لِمَ أنتِ ريفية هكذا؟ هذه تُسمى ملابس سباحة!”
بدت لوريل وكأنها أصبحت امرأة عصرية تماماً؛ فقد قضت الليل تتصفح المجلات، وبدأت تستعرض معلوماتها بأن ملابس السباحة أصبحت ظاهرة شائعة بين النساء في الدول الأخرى.
“إن قوامكِ رائع يا سيدتي، السيد لوسنت سيُفتن بكِ بالتأكيد.”
كانت ملابس السباحة تلتصق بمنحنيات جسدها وتغطي الصدر والبطن والأرداف فقط، تاركةً الباقي مكشوفاً تماماً. وبدت ساقا أبلين الطويلتان والنحيفتان فاتنتين، وبما أنها لم تعرض بشرتها للشمس قط، فقد بدا جلدها الأبيض وكأنه يشع ضياءً.
“ملابس السباحة مشكلة، لكن هذه القبعة… إنها حقاً غريبة.”
قبعة السباحة التي تُرتدى بحيث لا تخرج منها خصلة شعر واحدة جعلتها تبدو كـتفاحة مزينة بالزهور.
كان عليها ربط الشريطين المتدليين تحت ذقنها حتى لا تسقط القبعة، لكن هذا جعل وجهها يبرز بشكل دائري مضحك نوعاً ما.
كتمت لوريل ضحكتها بصعوبة وهي تنظر إلى سيدتها.
“النمش على وجهي أصبح واضحاً جداً! إذا وضعتُ لهية أطفال في فمي، سأبدو تماماً كـ…! هل نذهب دون القبعة؟”
“هذا سيعتبر تجاهلاُ لاهتمام السيد لوسنت.”
في الحقيقة، كانت لوريل ترى أبلين في غاية اللطافة؛ فرغم أن هذا الوصف لا يليق بسيدتها، إلا أن وجهها الشاب وهو يبرز من القبعة ذكّرها بملصق لدواء زكام في أحد المتاجر يصور طفلاً بوجنتين حمراوين.
“أهكذا تظنين؟”
“يقولون إن هذه القبعة مبطنة بالمطاط، لذا لن يبتل شعركِ حتى لو دخلتِ الماء.”
“حقاً؟”
“هيا، سألبسكِ رداء الحمام.”
ألبستها لوريل الرداء ببراعة وهي تحاول كتم انفجارات الضحك التي كانت توشك على الخروج.
نظرت أبلين إلى نفسها في المرآة مرة أخرى وقررت تغيير موقفها.
لوسنت رجل جاد في كل شيء، وإرساله لهذه الملابس دليل على أنه يواكب الموضة.
‘من المؤكد أنه يظنني بارعة في السباحة.’
بما أنها ارتدتها، فمن الأفضل ألا تتصرف بجهل وريفية؛ فالمرء إذا كان واثقاً من نفسه، لن يجرؤ أحد على الاستهزاء به حتى لو ارتدى الأسمال.
لكن لوريل قالت جملة جعلت أبلين تتوتر أكثر:
“أتساءل إن كان السيد لوسنت سيرتدي ملابس سباحة أيضاً؟”
فرغ عقل أبلين تماماً؛ هل سيظهر هو الآخر بتلك الملابس الضيقة المخططة التي رأتها في المجلات؟
إذا كان كلاهما يسبق الموضة بهذا الشكل، سيكون الموقف محرجاً للغاية، وقد تضحك وتفسد الأجواء.
“سيدتي، حان الوقت.”
“حسناً، لنتوجه إلى الشاطئ.”
ظهر لوسنت على الشاطئ مرتدياً قميصاً كتانياً أبيض وسروالاً. بدا راضياً عن التجهيزات المثالية، ولم يبقَ سوى انتظار وصول أبلين.
“إذا احتجت لأي خدمة، يكفي أن تهز هذا الجرس.”
قال ليون مشيراً لجرس صغير على الطاولة.
“اليوم يوم مثالي للسباحة.”
“بالتأكيد سيدي.”
أحب لوسنت السباحة منذ صغره؛ فقد كان يشعر بالحرية المطلقة عند ركوب الخيل وعند السباحة في الماء. وبما أنه أراد أن يضفي معنى الحرية على زواجهما، فقد اقترح السباحة على أبلين.
“لا أدري إن كانت السيدة تجيد السباحة.”
قال ليون.
“لا يهم إن كانت لا تجيدها.”
في الحقيقة، تمنى لوسنت ألا تجيدها؛ ليكون هو من يعلمها سباحتها الأولى، فتبقى ذكرى خالدة في ذهنها مدى الحياة.
وفي تلك اللحظة، ظهرت السيدتان تمشيان على الرمال من بعيد. تجمد وجه لوسنت وليون، وكأنهما اتفقا على الصمت المفاجئ.
“هل تلك تفاحة تطفو هناك؟”
كسر ليون حاجز الصمت.
لم يتعرف ليون على أبلين بسبب قبعة السباحة، لكن لوسنت أدركها فوراً. إلا أن منظرها وهي تمشي برداء الحمام الثقيل فوق الرمال البيضاء كان يشبه…
‘هل هي بطريق؟’
امرأة تكافح للمشي فوق الرمال.
ومع اقترابها، اتسعت عينا لوسنت؛ فزوجته التي ترتدي قبعة السباحة كانت تبدو لطيفة بشكل مخيف.
أما ليون، فقد غطى فمه بيده واستدار للجهة الأخرى.
“ليون، كان يجب أن أخبرها أنها ليست مضطرة لارتداء القبعة.”
تمتم لوسنت وهو يراقبها، بينما ليون لم يستطع الرد لأنه كان مشغولاً بالضحك سراً.
لقد اشترى لوسنت القبعة فقط لأنها كانت ضمن الطقم، وهي مخصصة عادة لحمامات السباحة المغلقة، أما في الشاطئ فالعادة تقتضي ارتداء قبعات واسعة الحواف، لكن يبدو أن أبلين لم تكن تعرف ذلك.
راقب لوسنت زوجته وهي تقترب بابتسامة مرتبكة وكأنه مسحور.
وحين وصلت أمامه تماماً، قال بصوت منخفض:
“ليون، لوريل.. يمكنكما العودة.”
“حاضر سيدي.”
بعد رحيلهما، نظرت أبلين إلى لوسنت بوجهٍ واثق أو هكذا حاولت وقالت:
“أنا متحمسة جداً للسباحة بعد فترة طويلة.”
“آه، حقاً؟”
“بالتأكيد.”
لم يصدق لوسنت أن هذا التعبير المرتبك، بعينيها الكبيرتين اللتين تطرفان كالدمية، يمكن أن يكون بهذا القدر من اللطف. وجنتان محمرتان، نمش على الأنف، وشفتان ممتلئتان تبرزان بسبب ضغط القبعة..
كانت اللطافة كفيلة بتسديد ضربة قاضية لقلب لوسنت.
في المقابل، شعرت أبلين بالارتباك من مظهر لوسنت؛ شعره المبعثر بعفوية، قميصه الذي ينفتح مع هبوب الريح ليظهر صدره القوي، وسرواله المريح.
كان يبدو كنجم سينمائي أو حاكم خرج من البحر بشعره الأشقر وعينيه الزرقاوين تحت ضوء الشمس.
“لوسنت، لماذا تنظر إليّ بهذا التعبير؟”
لاحظت أبلين تعبيره الجاد والخالي من الابتسام، فشعرت أن ثمة خطأً ما.
“أبلين، أظن أن تلك القبعة ستكون حارة جداً..”
فالقبعة مطاطية، ومن المؤكد أن فروة رأسها الآن تتصبب عرقاً.
“لا بأس، فهذا هو إتيكيت السباحة، أليس كذلك؟”
تظاهرت أبلين بالبراعة كما نصحتها لوريل، ظناً منها أن لوسنت أرسل الملابس لأنه يتوقع منها ذلك.
“معكِ حق، للسباحة إتيكيت أيضاً.”
ابتسم لوسنت مبرزاً أسنانه البيضاء الناصعة، ثم مد يده نحو خصره، وبدا وكأنه يهمّ بخلع سرواله أولاً وليس قميصه.
التعليقات لهذا الفصل " 15"