“إن كان هذا اللاعب يلفت انتباه سموّكِ، فما رأيكِ بأن تقومي برعايته؟”
“رعايته؟”
أومأ برأسه، وأضاف شرحًا عن نظام الرعاية.
“في ساحة القتال يمكن رعاية اللاعبين رسميًا. وإذا فاز اللاعب، يعود المبلغ أكبر.”
“….أليست هذه مقامرة؟”
“يمكن وصفها كذلك.”
كانت في جوهرها مقامرة، تراهن بالمال على نتيجة النزال.
وبالطبع، لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كانت هناك مزايا أخرى. فأكبر الداعمين يحق لهم الصعود إلى المنصّة مع اللاعب عند فوزه، أو الحصول على امتياز لقاءٍ خاص في غرفة انتظاره، وغير ذلك.
وبطبيعة الحال، كان لكل لاعبٍ مشهور داعمون ثابتون.
“وهي أيضًا منظومةٌ تشكّل محرّكًا للمباريات، لأن-”
“لأنها لا تمنح متعة الرهان فحسب، بل شعور شرف الفوز أيضًا. أما من لم يفز لاعبهم، فينالهم الإحباط، مما يجعل جمع الرعايات أكثر تنافسية. ومن منظور الجهة المنظِّمة، فهم يجنون المال بسهولةٍ عبر العمولات.”
“.…صحيح.”
اتّسعت عينا لوريل دهشة. بدا وكأنه لم يتوقع أن يسمع مثل هذا الكلام الدنيوي من فمي.
لكن، وبصراحة، ما كان يشغلني أكثر من انطباعه هو هوية صاحب الخوذة.
“سيد لوريل، إن قمتُ برعايته، فهل يمكنني التحدث إليه؟”
“نعم، ذلك ممكن. وبما أنه بلا داعم، فسيكون اللقاء على انفراد.”
“ألن يُعدّ دعم أحد أفراد العائلة الإمبراطورية نوعًا من المحاباة؟”
“لا، ليس كذلك. فقد قام آخرون بالدعم من قبل. لكن.…”
توقّف لوريل قليلًا، كأنه ينتقي كلماته.
“سموكِ….هل تملكين مالًا نقديًا للرعاية؟”
“….آه.”
“بحسب وضعكم، لا أظن أن القصر الرئيسي سيقدّم دعمًا ماليًا.”
لم يكن الإمبراطور ليساعدني من أجل أمرٍ تافهٍ كهذا. فبالنسبة له، كنتُ وجودًا لا بأس إن نجح، ولا مشكلة إن مات.
فاصطدمتُ بعائقٍ لم يخطر لي على بال، وغرقتُ في التفكير.
‘لكنني لا أريد أن أتجاهل صاحب الخوذة.’
لم أستطع ترك شخصٍ يتجوّل علنًا وهو يحمل علامة الشياطين دون اكتراث.
كنتُ أريد التحقّق من سبب امتلاكه لذلك الرمز، وقبل كل شيء، أردتُ إصلاح تلك المهارة البائسة بأي طريقة.
سواءً كان بيني وبينه رابطٌ أم لا، لم أتحمّل فكرة أن جنديًا يحمل ذلك الرمز يقدّم نزالًا مخزيًا.
‘لم يبقَ سوى حلٍ واحد.’
بعد تفكيرٍ طويل، حسمتُ أمري. و غير آبهة بالمكانة، أمسكت بكمّ لوريل.
ثم مثّلت بعينين لامعتين بريئتين، رغم أن وجهي كان مستترًا،
“سيد لوريل….هل يمكن أن تقرضني بعض المال؟”
“….ماذا؟”
“نحن رفاق، أليس كذلك؟”
بمعنى آخر، أقرضني قليلًا، دون فائدةٍ ودون ضمان.
فتجمّد لوريل في مكانه، فاتحاً فمه، كأنه تمثال.
***
بعد جملةٍ من العثرات، انتهت عملية التفتيش، وفي اليوم التالي. عدتُ إلى ساحة القتال مرة أخرى.
ولحسن الحظ، وبفضل إذن الإمبراطور، استطعتُ الخروج من القصر حتى دون مرافقة لوريل.
هذه المرة، كانت ليرفيل معي بدلًا منه، وتحمل بين ذراعيها كيسًا من العملات الذهبية.
‘من حسن الحظ أنه أقرضني المال بسهولة.’
كانت تلك العملات الذهبية مما اقترضتُه من لوريل.
كان مرتبكًا حينها، ولا أدري لِمَ احمرّ وجهه، ثم أبعد يدي عنه،
“حـ-حسنًا، فهمتُ، فقط اتركي هذه اليد.”
كان تعبيره غريبًا، لكن على أي حال، ما إن طلع الصباح حتى وصلني كيسٌ ممتلئٌ بالعملات الذهبية.
كان المبلغ كبيرًا إلى حدٍّ ما. لا عجب، فهو وريث بيت الوزير، يده سخية.
‘بل وأرسل حرسًا أيضًا.’
ألقيتُ نظرةً خاطفة على الفارسين اللذين كانا يتبعانني من الخلف.
لعله كان يعلم أنني سأتوجه إلى ساحة القتال بمفردي، لذا أرسل فرسانه لمرافقتي.
‘في النهاية، فرسان القصر الجانبي ليسوا أهلًا للثقة.’
كان في القصر الجانبي فرسان وجنود، بالطبع، لكنهم لم يكونوا ممن أقسموا لي بالولاء، بل موفدين من القصر الرئيسي.
أي أنهم قد يكونون قتلةً محتملين. لذلك، كنتُ ممتنةً لعناية لوريل، إلى حدٍّ لا بأس به.
‘رغم أنها مرهقةٌ قليلًا.’
الفارسان اللذان أرسلهما كانا رجلاً في منتصف العمر، وشابًا بملامح عينين ضيقتين لافتتين. وعلى وجه الخصوص، كانت نظرات الشاب غير مطمئنةٍ على الإطلاق.
يبدو أنه تلقّى مهمة مراقبتي، إذ لم يبعد نظره عني لحظةً واحدة.
و تجاهلتُ نظراته التي كانت تخترق ظهري، ودخلت مكتب الساحة لأدفع مبلغ الرعاية.
بدا الموظف مرتبكًا حين دخلت امرأةٌ متستّرة بالحجاب، لكنه ما إن عرف هويتي حتى انحنى على عجل، وتسلّم مبلغ الرعاية.
ثم توجّهتُ فورًا إلى غرفة استراحة اللاعبين. فقد كنتُ أعلم مسبقًا من الموظف أن صاحب الخوذة بالداخل.
“ليرفيل، انتظريني هنا قليلًا.”
“آه، نعم!”
وبينما كنتُ على وشك الدخول إلى غرفة الاستراحة وحدي، تكلّم الفارس الشاب الذي كان يتبعني.
“صاحب السمو.”
“ما الأمر؟”
“أليست غرفة الاستراحة خاليةً إلا من اللاعب؟ دخول سموّكِ….قد يكون قليلًا.…”
‘صحيح، قد يبدو الأمر تصرّفًا غير لائق.’
وجود رجلٍ وامرأةً بمفردهما في غرفةٍ واحدة قد لا يكون مستساغًا.
وبينما كنتُ أفكّر فيما أفعل، سأل الفارس الأوسط سنًا، الذي كان يقف إلى جانبي،
“هل ستذهبين لمقابلة صاحب الخوذة؟”
“نعم.”
“إذاً لا توجد أي مشكلة. لن تخرج أقاويل، فلا تقلقي وادخلي.”
“……؟”
لم أفهم السبب، لكن الفارس بدا واثقًا. و قال شيئًا للفارس الشاب، ثم تراجع إلى الخلف.
رغم استغرابي من كونه لا يرى بأسًا في الأمر، إلا أن ذلك كان أريح لي على أي حال، ففتحتُ باب غرفة الاستراحة بصمت.
“….…”
وهكذا واجهتُ صاحب الخوذة، وهو يعتني بعدّته داخل غرفةٍ خالية موحشة.
توقّف عن تحريك يديه ونظر إليّ. و كان لا يزال يرتدي الخوذة رغم أنه في الداخل، فلم أستطع رؤية وجهه.
فتنحنحتُ بخفةٍ وشرحتُ له الموقف.
“أنا الأميرة، ديانا ليفيون. وقد أصبحتُ راعيتكَ في هذه الساحة.”
“….تشرفتُ بلقاء سموّ الأميرة.”
عندها فقط أدرك الوضع، فانحنى بأدب. كان صوته أعلى مما توقعت.
“أأنتَ اللاعب الملقّب بصاحب الخوذة؟”
“نعم.”
“ألا تنوي تقديم نفسكَ؟”
“آه.”
بدا وكأنه انتبه متأخرًا، فارتبك لحظةً ثم بدأ يعرّف بنفسه ببطء.
التعليقات لهذا الفصل " 8"