بعد انتهاء المباراة التدريبية، توجّه اللاعبون إلى غرف استراحتهم كلٌّ على حدة.
و كانوا يسخرون من مظهر صاحب الخوذة، يطلقون ضحكات الاستخفاف كلما مرّوا بجانبه.
أما صاحب الخوذة، فكان ينفض الطين العالق بدرعه، ويعود متثاقل الخطوات، آخر من يغادر المكان.
وحين لاحظ لوريل أنني لا أستطيع إزاحة نظري عنه، سألني باستغراب،
“إن كان هذا اللاعب يلفت انتباه سموّكِ، فما رأيكِ بأن تقومي برعايته؟”
“رعايته؟”
أومأ برأسه، وأضاف شرحًا عن نظام الرعاية.
“في ساحة القتال يمكن رعاية اللاعبين رسميًا. وإذا فاز اللاعب، يعود المبلغ أكبر.”
“….أليست هذه مقامرة؟”
“يمكن وصفها كذلك.”
كانت في جوهرها مقامرة، تراهن بالمال على نتيجة النزال.
وبالطبع، لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كانت هناك مزايا أخرى. فأكبر الداعمين يحق لهم الصعود إلى المنصّة مع اللاعب عند فوزه، أو الحصول على امتياز لقاءٍ خاص في غرفة انتظاره، وغير ذلك.
وبطبيعة الحال، كان لكل لاعبٍ مشهور داعمون ثابتون.
“وهي أيضًا منظومةٌ تشكّل محرّكًا للمباريات، لأن-”
“لأنها لا تمنح متعة الرهان فحسب، بل شعور شرف الفوز أيضًا. أما من لم يفز لاعبهم، فينالهم الإحباط، مما يجعل جمع الرعايات أكثر تنافسية. ومن منظور الجهة المنظِّمة، فهم يجنون المال بسهولةٍ عبر العمولات.”
“.…صحيح.”
اتّسعت عينا لوريل دهشة. بدا وكأنه لم يتوقع أن يسمع مثل هذا الكلام الدنيوي من فمي.
لكن، وبصراحة، ما كان يشغلني أكثر من انطباعه هو هوية صاحب الخوذة.
“سيد لوريل، إن قمتُ برعايته، فهل يمكنني التحدث إليه؟”
“نعم، ذلك ممكن. وبما أنه بلا داعم، فسيكون اللقاء على انفراد.”
“ألن يُعدّ دعم أحد أفراد العائلة الإمبراطورية نوعًا من المحاباة؟”
“لا، ليس كذلك. فقد قام آخرون بالدعم من قبل. لكن.…”
توقّف لوريل قليلًا، كأنه ينتقي كلماته.
“سموكِ….هل تملكين مالًا نقديًا للرعاية؟”
“….آه.”
“بحسب وضعكم، لا أظن أن القصر الرئيسي سيقدّم دعمًا ماليًا.”
لم يكن الإمبراطور ليساعدني من أجل أمرٍ تافهٍ كهذا. فبالنسبة له، كنتُ وجودًا لا بأس إن نجح، ولا مشكلة إن مات.
فاصطدمتُ بعائقٍ لم يخطر لي على بال، وغرقتُ في التفكير.
‘لكنني لا أريد أن أتجاهل صاحب الخوذة.’
لم أستطع ترك شخصٍ يتجوّل علنًا وهو يحمل علامة الشياطين دون اكتراث.
كنتُ أريد التحقّق من سبب امتلاكه لذلك الرمز، وقبل كل شيء، أردتُ إصلاح تلك المهارة البائسة بأي طريقة.
سواءً كان بيني وبينه رابطٌ أم لا، لم أتحمّل فكرة أن جنديًا يحمل ذلك الرمز يقدّم نزالًا مخزيًا.
‘لم يبقَ سوى حلٍ واحد.’
بعد تفكيرٍ طويل، حسمتُ أمري. و غير آبهة بالمكانة، أمسكت بكمّ لوريل.
ثم مثّلت بعينين لامعتين بريئتين، رغم أن وجهي كان مستترًا،
“سيد لوريل….هل يمكن أن تقرضني بعض المال؟”
“….ماذا؟”
“نحن رفاق، أليس كذلك؟”
بمعنى آخر، أقرضني قليلًا، دون فائدةٍ ودون ضمان.
فتجمّد لوريل في مكانه، فاتحاً فمه، كأنه تمثال.
***
بعد جملةٍ من العثرات، انتهت عملية التفتيش، وفي اليوم التالي. عدتُ إلى ساحة القتال مرة أخرى.
ولحسن الحظ، وبفضل إذن الإمبراطور، استطعتُ الخروج من القصر حتى دون مرافقة لوريل.
هذه المرة، كانت ليرفيل معي بدلًا منه، وتحمل بين ذراعيها كيسًا من العملات الذهبية.
‘من حسن الحظ أنه أقرضني المال بسهولة.’
كانت تلك العملات الذهبية مما اقترضتُه من لوريل.
كان مرتبكًا حينها، ولا أدري لِمَ احمرّ وجهه، ثم أبعد يدي عنه،
“حـ-حسنًا، فهمتُ، فقط اتركي هذه اليد.”
كان تعبيره غريبًا، لكن على أي حال، ما إن طلع الصباح حتى وصلني كيسٌ ممتلئٌ بالعملات الذهبية.
كان المبلغ كبيرًا إلى حدٍّ ما. لا عجب، فهو وريث بيت الوزير، يده سخية.
‘بل وأرسل حرسًا أيضًا.’
ألقيتُ نظرةً خاطفة على الفارسين اللذين كانا يتبعانني من الخلف.
لعله كان يعلم أنني سأتوجه إلى ساحة القتال بمفردي، لذا أرسل فرسانه لمرافقتي.
‘في النهاية، فرسان القصر الجانبي ليسوا أهلًا للثقة.’
كان في القصر الجانبي فرسان وجنود، بالطبع، لكنهم لم يكونوا ممن أقسموا لي بالولاء، بل موفدين من القصر الرئيسي.
أي أنهم قد يكونون قتلةً محتملين. لذلك، كنتُ ممتنةً لعناية لوريل، إلى حدٍّ لا بأس به.
‘رغم أنها مرهقةٌ قليلًا.’
الفارسان اللذان أرسلهما كانا رجلاً في منتصف العمر، وشابًا بملامح عينين ضيقتين لافتتين. وعلى وجه الخصوص، كانت نظرات الشاب غير مطمئنةٍ على الإطلاق.
يبدو أنه تلقّى مهمة مراقبتي، إذ لم يبعد نظره عني لحظةً واحدة.
و تجاهلتُ نظراته التي كانت تخترق ظهري، ودخلت مكتب الساحة لأدفع مبلغ الرعاية.
بدا الموظف مرتبكًا حين دخلت امرأةٌ متستّرة بالحجاب، لكنه ما إن عرف هويتي حتى انحنى على عجل، وتسلّم مبلغ الرعاية.
ثم توجّهتُ فورًا إلى غرفة استراحة اللاعبين. فقد كنتُ أعلم مسبقًا من الموظف أن صاحب الخوذة بالداخل.
“ليرفيل، انتظريني هنا قليلًا.”
“آه، نعم!”
وبينما كنتُ على وشك الدخول إلى غرفة الاستراحة وحدي، تكلّم الفارس الشاب الذي كان يتبعني.
“صاحب السمو.”
“ما الأمر؟”
“أليست غرفة الاستراحة خاليةً إلا من اللاعب؟ دخول سموّكِ….قد يكون قليلًا.…”
‘صحيح، قد يبدو الأمر تصرّفًا غير لائق.’
وجود رجلٍ وامرأةً بمفردهما في غرفةٍ واحدة قد لا يكون مستساغًا.
وبينما كنتُ أفكّر فيما أفعل، سأل الفارس الأوسط سنًا، الذي كان يقف إلى جانبي،
“هل ستذهبين لمقابلة صاحب الخوذة؟”
“نعم.”
“إذاً لا توجد أي مشكلة. لن تخرج أقاويل، فلا تقلقي وادخلي.”
“……؟”
لم أفهم السبب، لكن الفارس بدا واثقًا. و قال شيئًا للفارس الشاب، ثم تراجع إلى الخلف.
رغم استغرابي من كونه لا يرى بأسًا في الأمر، إلا أن ذلك كان أريح لي على أي حال، ففتحتُ باب غرفة الاستراحة بصمت.
“….…”
وهكذا واجهتُ صاحب الخوذة، وهو يعتني بعدّته داخل غرفةٍ خالية موحشة.
توقّف عن تحريك يديه ونظر إليّ. و كان لا يزال يرتدي الخوذة رغم أنه في الداخل، فلم أستطع رؤية وجهه.
فتنحنحتُ بخفةٍ وشرحتُ له الموقف.
“أنا الأميرة، ديانا ليفيون. وقد أصبحتُ راعيتكَ في هذه الساحة.”
“….تشرفتُ بلقاء سموّ الأميرة.”
عندها فقط أدرك الوضع، فانحنى بأدب. كان صوته أعلى مما توقعت.
“أأنتَ اللاعب الملقّب بصاحب الخوذة؟”
“نعم.”
“ألا تنوي تقديم نفسكَ؟”
“آه.”
بدا وكأنه انتبه متأخرًا، فارتبك لحظةً ثم بدأ يعرّف بنفسه ببطء.
“اسمي روسلا. عمري اثنان وثلاثون عامًا، أعزب، أحب الطعام الحار، وراتبي.…”
“لا لا، لا داعي لكل هذا.”
“حسنًا.”
حين قاطعته بسبب سيل المعلومات الزائد، انحنى مجددًا.
‘يبدو شخصًا غريبًا بعض الشيء؟’
منذ بداية الحديث، بدأ الارتباك يتسلل إليّ.
كنتُ أنوي سؤاله بهدوءٍ عن أحواله أو عن المباراة، تمهيدًا لجرّ الحديث نحو هويته، لكن ما إن سمعتُ التعريف حتى عدلتُ عن الفكرة.
يبدو أن السؤال المباشر سيكون أفضل.
‘أولًا، يجب عزل الصوت حتى لا يُسمع في الخارج.’
بما أن لوريل لم يكن معي، فلا أحد يستطيع الإحساس بالمانا. فنشرتُ تعويذة عزل صوتٍ حول غرفة الاستراحة، ثم عدتُ أخاطب صاحب الخوذة، روسلا.
“لديّ بعض الأسئلة، هل يمكنكَ الإجابة؟”
“تلقّيتُ تعليماتٍ بأن أكون لطيفاً مع الراعي.”
‘يعني ذلك أنه موافق، أليس كذلك؟’
فتنحنحتُ وتابعتُ الكلام.
“رأيتُ زينةً غريبة عند خصركَ، ما هي؟”
“زينة.…”
توقّف عن التنفّس للحظة، ثم خفض رأسه والتزم الصمت طويلًا.
“….لا أستطيع إخباركِ.”
تنهدتُ تنهيدةً قصيرة، فالإجابة كانت متوقعة.
‘هل لأنه يعرف حقيقة ذلك الرمز فلا يستطيع الكلام، أم أن هناك سببًا آخر؟’
بهذا الشكل، لا خيار سوى اللجوء إلى أسلوبٍ أكثر صرامة.
فتعمّدتُ خلق جوٍ ثقيل وتحدّثتُ،
“بصفتي راعيتكَ، لا يعجبني أن يستخدم لاعبي زينةً كهذه. في البطولات، أفضّل أن ترتدي زينة الشمس.”
“….…”
“أسدٌ أسود؟ أليس ذلك نذير شؤم؟ فضلًا عن كونه بعيدًا عن النصر.”
“النصر….؟”
‘تفاعل مع هذه الكلمة.’
فغيّرتُ نبرتي إلى أسلوبٍ هجومي أكثر لأستخرج ما في داخله.
“سمعتُ أن الأسد الأسود رمزٌ للهزيمة. أليست الشمس أعظم من رمز أحمقٍ كهذا؟”
“….اسحبي كلامكِ.”
“ماذا؟”
“اسحبي ذلك الكلام. إهانتي مقبولة، لكن إهانتها لا أتحمّلها.”
‘إهانتها؟’
هل يقصدني أنا؟
كنتُ بحاجةٍ إلى مزيد من المعلومات.
“أهذا الرمز الخاسر يعود إلى سيدكَ؟ يا للعجب، لا غرابة أن نتائجكَ متواضعةٌ وأنتَ تتبع شخصًا كهذا. ينبغي لكَ أن تحسّن نظرتكَ في اختيار من تخدمه-”
“قلتُ لكِ توقّفي.”
في تلك اللحظة، اندفع روسلا، الذي كان مطأطئ الرأس، نحوي دفعةً واحدة.
“كفى!”
امتدت يده الممزوجة بالنية القاتلة نحوي. و لم أعرف إن كان يريد خنق عنقي أم ضرب رأسي، لكن السرعة والقوة كانتا غير عاديتين.
‘تبًّا!’
أمام الهجوم الخاطف، انحرفتُ برأسي جانبًا بلا وعي، وفي الوقت نفسه وجّهتُ لكمةً مقابلة.
كان ذلك ردّ فعل غريزي كمحاربة.
المشكلة أنني تفاديتُ هجومه، بينما هو لم يتفادَ هجمتي.
“كُهْك!”
اللكمة المشبعة بالمانا أطاحت برأسه بعنف.
دويّ!
و بعد أن تدحرج على الأرض عدة مراتٍ واصطدم بالحائط، رفع روسلا يده إلى خده، ونظر إليّ بوضعٍ بائس.
“……؟”
كان وجهه يحمل تعبير شخصٍ لا يفهم ما الذي حدث.
__________________
انكشف وحهه؟ اشرحي شكله بالله
بعدين ليه ذاك الشايب قال عادي تدخل لحالها؟ ما تستحي؟
المهم ديانا ناويه تضرب الرايح والجاي؟😭 ضحكت صدق عي يومها شيطانه كانت تصارع ولا وش؟
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"