لكن ذلك لم يدم سوى لحظة، إذ تلاشت نية القتل لديه في طرفة عين. ثم عاد فارتسمت على وجهه ابتسامةٌ هادئة،
“هاها، ربما لأن الطقس بدأ يبرد.”
مع أن نزف أنفه أمامي لا بد أنه كان أمرًا مهينًا للغاية، إلا أنه لم يُظهر ذلك.
حقًا، كان أداؤه التمثيلي يليق بمن نشأ في أسرة رئيس الوزراء.
وقد كنتُ أرغب في تحطيم تلك الابتسامة المستفزة، لكنني تماسكتُ بصعوبة. لأنني كنت أدرك أن القوة المقدسة داخل العربة كانت تؤجج غضبي أكثر.
‘القوة المقدسة تثير المشاعر….اصبري.’
كان من الطبيعي أن تكون الشياطين والقوة المقدسة على طرفي نقيض. لذا، مجرد التعرض لها كان كافيًا ليجعل المرء منزعجًا ومتقلب المزاج.
كأنني محاطةٌ بنفايات قذرةٍ مليئةٍ بالأوساخ.
في تلك اللحظة، بدأت العربة بالتحرك. فتظاهرتُ بأنني أشعر بالدوار، وفتحت النافذة لأستقبل هواء الخارج.
عندها سألني لوريل، الذي كان يراقبني بصمت،
“لكن يا صاحبة السمو، أليست صحتكِ لم تتعافَ تمامًا بعد؟ لقد أقلقني منظر سقوطكِ المفاجئ.”
“….أنا بخير. إنها مجرد علةٍ مزمنة.”
“أتمنى لكِ الشفاء العاجل. عندها سيتمكن جلالة الإمبراطور من رؤية صاحبة السمو مجددًا.”
اكتفيت بالرد بابتسامة. وفي الوقت نفسه، خمّنت ما يدور في ذهنه.
‘يبدو أنه لا ينوي التطرق إلى موضوع القوة السحرية.’
لو سألني مباشرةً عما حدث بالأمس، كنت سأراوغ وأمرره بلباقة. فلم يكن لديه دليلٌ ولا مبررٌ كافٍ لاتهام أميرة.
لكنّه اختار المواجهة المباشرة بدل هذا التحسس السطحي.
‘ليس مجرد مراقبة بحذر….بل يريد التحقق بنفسه.’
والدليل على ذلك هذه العربة التي لا بد أنها كلفت ثروة، وقد أُعدّت خلال ليلةٍ واحدة.
كان مندفعًا، لكنه عقلاني. بدل الجدال بلا دليل، قرر أن يصنع الدليل بنفسه.
‘بالطبع، لست من الشياطين الضعفاء الذين يسقطون في مثل هذه الحيل.’
اتكأتُ عمدًا على المقعد المصبوغ بالماء المقدس. فهذا القدر من القوة المقدسة لم يكن حتى لاذعًا.
و لو كفّ بذلك عن الشك بي، لكان أفضل.
“على ذكر ذلك، أفراد العائلة الإمبراطورية يحضرون كل عام قداسة رأس السنة في المعبد ليستمعوا إلى خطاب جلالة الإمبراطور، أليس كذلك؟ هل ستحضر صاحبة السمو أيضًا؟”
ذكره للمعبد على هذا النحو الموارب جعل الشك يزداد بدل أن يخف.
فتظاهرتُ بابتسامةٍ مُرّة وأجبتُ،
“لا أدري، أرغب في الذهاب كثيرًا، لكن منذ قدومي إلى القصر المنفصل لم أتلقَّ دعوةً واحدة لأي مناسبةٍ عائلية.”
يبدو أنه لم يتوقع مثل هذا الجواب، إذ اهتزت عيناه قليلًا. ثم استعاد رباطة جأشه واعتذر بأدب،
“أعتذر، كان كلامًا غير لائق.”
“لا، لا بأس.”
كان غريبًا….يعتذر بصدقٍ عن أشياء كهذه.
وساد صمتٌ محرج. ولحسن الحظ، لم تمضِ مدةٌ طويلة حتى وصلت العربة إلى موقع الفعالية.
‘على ذكر ذلك، منذ كم عامٍ لم أغادر القصر الإمبراطوري؟’
كنتُ أتوق بشدةٍ إلى الخروج منه، لكن حين خرجتُ فعلًا لم أشعر بشيءٍ يُذكر.
كان تجاوز بوابته بهذه السهولة ممكنًا، فلماذا كان يبدو في الماضي بعيدًا وصعب المنال إلى هذا الحد؟
“صاحبة السمو؟”
“آه، نعم.”
أمسكتُ بيد لوريل مجددًا ونزلتُ من العربة. وما إن نزلتُ حتى قدّم لي قبعةً مزينةً بوشاح.
“أشعة الشمس قوية. تفضلي بارتدائها.”
“شكرًا لكَ.”
‘لديه ذوق في المراعاة.’
لم تكن مسألة الشمس بقدر ما كانت إخفاء العينين.
فبغض النظر عن الشعر الأزرق الداكن، لو انكشف لون عينيّ البلاتيني، لاندلعت ضجةٌ لا داعي لها.
فارتديتُ القبعة بصمت، وتبعت إرشاده.
“أمامنا الساحة.”
قال لوريل أنه سيرشدني إلى الداخل، وقادني معه.
كان شكل حلبة القتال تمامًا كما تعلمته من الكتب. ساحةٌ دائرية ضخمة تحيط بها مدرجاتٌ لا حصر لها.
وكما يليق بأشهر فعاليةٍ في الإمبراطورية، كان المكان هائلًا.
حاول أحد الموظفين عند المدخل إيقافنا، لكنه ما إن لمح الختم المنقوش على العربة حتى تراجع على عجل.
‘المنصب مريحٌ فعلًا.’
وفوق ذلك، كان أسلوبه مهذبًا دون أن يكون مثقلًا. و لو لم يُعِد ذلك الفخ القذر، لكان مثاليًا.
أخفيت أسفي داخليًا، وصعدتُ معه إلى المدرجات. وفي تلك الأثناء، رأيت اللاعبين داخل الساحة يجرون تمارين الإحماء.
“هل أولئك هم المشاركون؟”
“نعم. ثمانية لاعبين سيخوضون البطولة طوال فترة الفعالية.”
كان اللاعبون يرتدون دروعًا فاخرة. وعلى عكس عنف المباريات، بدت هيئتهم أقرب إلى الفرسان.
‘لا يبدون أقوياء على وجه الخصوص.’
وبينما كنت أقيّم مستواهم سريعًا، لفت انتباهي شخصٌ في الزاوية يعتني بمعداته وحده.
درعٌ متآكل صدئ، ولا سيما خوذةٌ باهتٌ لونها بشكلٍ لافت.
“وهو أيضًا لاعب، أليس كذلك؟”
“آه، ذاك هو الفارس الملقب بمتشاجر الخوذة.”
“متشاجر الخوذة؟”
كان لقبًا غريبًا. وحين أبديتُ دهشتي، أمال لوريل رأسه وكأنه يسترجع معلوماته،
“لتجنب الإصابات القاتلة، يُلزم جميع اللاعبين بارتداء خوذاتٍ تغطي الوجه بالكامل. لذلك يفضلون الدروع المزخرفة للتعبير عن أنفسهم.”
وكما قال، كانت خوذات بقية اللاعبين مزينةً بالزهور عند القمة أو مطليةً بالذهب على الخدين، في غاية البذخ.
“لكن ذلك اللاعب لم يغير تصميم خوذته ولو مرةً واحدة. كان يرتدي دائمًا الخوذة الأساسية التي توفرها الساحة.”
“ولهذا يُدعى متشاجر الخوذة؟”
“ليس هذا فقط، بل يُقال أنه لم يُظهر وجهه للجمهور ولو مرةً واحدة.”
هل ظنّ أنني مهتمةٌ به؟ فقد شرع لوريل يشرح لي بإيجازٍ مسيرة ذلك اللاعب الملقب بمتشاجر الخوذة.
وباختصار، كانت لديه أطول مسيرةٍ بين اللاعبين، لكنه كان يخسر دائمًا في المباريات الحاسمة، حتى أنه لم يعلّق ميداليةً واحدة قط.
ويقال أن هذا العار نفسه جلب له شعبيةً غريبة، حتى أطلق الناس عليه لقبًا فيه انتقاص.
بعد أن استمعتُ إلى الشرح كاملًا، هممتُ بصرف نظري قائلة في نفسي أنه شخصٌ ذو طابعٍ خاص.
و في تلك اللحظة.
‘انتظر….ذلك الزخرف عند الخصر.…’
شدّ انتباهي أحد الزخارف المعلقة بدرعه. كانت دبوسًا على هيئة أسدٍ ذي لبدةٍ سوداء، يمسك بخنجرٍ صغير في فمه.
رمزٌ أعرفه جيدًا….
‘لا….أليس ذلك معقول؟ هذا مستحيل، مستحيل.’
ما إن وقعت عيناي على ذلك النقش حتى أخذ قلبي ينبض بعنف. و حتى بعد أن فركتُ عينيّ ونظرتُ مجددًا، لم يتغير شكل الرمز.
الأسد الأسود الذي يرمز إلى ملك الشياطين، والخنجر الذي يرمز إلى المحارب الذي يقاتل من أجل الشياطين، واندماجهما معًا، شعار القائد العام.
إن حقيقة ذلك الرمز هي….
‘إنه شعاري.’
كان رمز حياتي السابقة، أسمودينا.
ظننتُ في البداية أنه مجرد مصادفة، فتابعتُ التدقيق، لكن شكل اللبدة ونظرة العينين كانا مطابقين تمامًا لشعاري.
‘لا يملك هذا الشعار من الشياطين إلا أتباعي أو خَدَمي….’
ولا يمكن أن يوجد شخصٌ كهذا في عالم البشر.
وبينما كنتُ متجمدةً من الصدمة، عاجزةً عن فهم ما يحدث، ظهر شخصٌ بدا كأحد العاملين في الساحة، وجمع اللاعبين.
“حسنًا، سنبدأ المباراة التدريبية. الرجاء من الجميع الاستعداد.”
“تدريب؟”
وكأنه لاحظ نظرتي، ألقى لوريل، الذي كان على وشك تغيير مكانه، نظرةً على الساحة وشرح،
“يقولون أنهم يخوضون مباراةً تدريبية لفحص حالتهم قبل الدخول في المنافسات الرسمية. إن رغبتِ، هل نتابعها؟”
“….نعم.”
بدا أن لوريل استغرب رغبتي في مشاهدة المباراة، لكنني لم أعره اهتمامًا وجلست أحدق في الساحة.
وبغضّ النظر عن شكوكه، كان الأهم هو التأكد من حقيقة ذلك الشعار.
“حسنًا، إذاً سنقسم الفرق إلى الجهة الغربية والشرقية ونبدأ…”
وهكذا بدأت المباراة التدريبية. و لم أستطع إغلاق فمي من هول النتيجة السخيفة.
‘حقًا….فشلٌ إبداعي.’
وخلاصة القول، كان متشاجر الخوذة لاعبًا موهوبًا إلى حدّ ما. وعلى عكس بقية اللاعبين الذين يفتقرون إلى اللياقة الأساسية، كان يملك مؤهلاتٍ قد تجعله جنديًا جيدًا إن تلقى تدريبًا صحيحًا.
ومع ذلك، ورغم هذا الجسد الجيد، كان سجلّه في المباراة التدريبية كارثيًا.
يفوز ثلاث مراتٍ من كل عشر تقريبًا، أما حين يخسر فكان يُهان ويُتلاعب به.
مشهد سيفه يتدحرج على الأرض، ودرعه يسقط وينقلب بهيئةٍ بائسة، جعل رأسي يؤلمني.
‘لماذا يقاتل بتلك الطريقة السخيفة، وهو يملك هذا القدر من القدرة؟’
و كان الغضب يغلي في داخلي.
لو كنتُ أسمودينا، لصحتُ به أن يستقيم، وأعدتُ تدريبه من جديد.
“صاحبة السمو؟ هل يشغلكِ أمرٌ ما؟”
“لا….لا شيء.”
عاجزةً عن كشف ما في داخلي للوريل، هززتُ رأسي مبتسمةً ابتسامةً مصطنعة.
ولم أفعل سوى أن أقبض يدي بقوة، وأنا أشاهد متشاجر الخوذة يُهزم مرةً أخرى بلا رحمة.
ومع ذلك، لم يبدُ عليه الغضب حتى وهو يخسر.
‘هو يحمل شعاري….بتلك المهارة التي لا تُغتفر.’
أنا إنسانة. لست من الشياطين.
واصلتُ ترديد هذه الحقيقة في ذهني، لكن تلك المهارة البائسة كانت أمرًا لا يمكن الصفح عنه.
بسبب هذا المتدرب الضعيف الملقب بمتشاجر الخوذة، طفَت إلى ذهني ذكريات المدرب، القائد.
‘قائد الكتيبة خائب الأمل بكم.’
كانت الروح العسكرية في داخلي، روح أسمودينا، تصرخ بشراسةٍ مطالبةً بتدريب ذلك الوغد.
______________________
اك غصباً عليه يصير حبيب دامه ماصاد شي بس ماودك تعلمنا عاد كيف فطس اخوك؟
المهم ديانا جسمها قده ينكسر بس تضحك هي الشيطانه بتجيب العيد شكلها😂
ايه صح راعي الخوذه ذاه بعد من الي بتساعدهم؟ يمكنه المتلطم
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"