5
ما إن سلّمتُ الرسالة إلى إيما حتى توجّهت فورًا إلى القصر الرئيسي.
قالت أن بينها وبين الإداري في القصر معرفة، ولذلك ستصل الرسالة إلى الإمبراطور سريعًا.
‘كان ردّ فعلها غريبًا فأقلقني، لكن يبدو أنها أصغت إليّ جيدًا.’
تذكّرتُ كيف فاضت مشاعري دون وعي أثناء حديثي مع إيما.
ظننتُ لوهلةٍ أنني أخفتها، لكنها على العكس، لبّت طلبي بكل ترحاب دون أن تسأل عن السبب.
‘لا أدري إن كان عليّ أن أعدّ ذلك حظًا أم لا….’
على أي حال، وبفضل جهد إيما، وصل ردّ الإمبراطور خلال يومين.
المشكلة أن الشخص الذي جاء بالرد لم يكن متوقعًا إطلاقًا.
“تشرفتُ بلقائكِ، صاحبة السمو الأميرة. أنا لوريل ديلتشِز.”
تجمّدتُ في مكاني وأنا أرى الرجل الذي يقف أمام بوابة القصر الجانبي وينحني باحترام.
“ديلتشِز؟ أليس هذا اسم المستشار؟!”
مستشار الإمبراطورية، ورئيس مجلس النبلاء، المعروف بأنه يملك ثاني أقوى نفوذٍ بعد الإمبراطور.
لم يخطر ببالي قط أن يرسل بيت ديلتشِز شخصًا بنفسه.
بل ومن اسمه العائلي الواضح، كان جليًا أن لوريل أحد أبناء الدوق.
لا أعلم إن كان الوريث أم أحد الأبناء الأصغر، لكن في كل الأحوال لم يكن من المفترض أن يُكلَّف بمهمةٍ كهذه.
‘لكن لماذا؟ لا يمكن أن يكون الإمبراطور قد طلب هذا من بيت ديلتشِز.’
“صاحبة السمو؟”
“….تشرفتُ بلقائكَ، السيد لوريل. أنا ديانا ريفيون.”
تداركتُ دهشتي سريعًا ورددتُ التحية بأدب.
‘سأبحث عن السبب لاحقًا. الأهم الآن ألا أثير أي شكوك.’
رفع لوريل حاجبه قليلًا وكأنه متفاجئ، ثم أعاد ضبط تعابيره،
“على عكس الشائعات، تبدين بصحةٍ جيدة جدًا.”
“الشائعات تميل دائمًا إلى المبالغة.”
“قولٌ سديد.”
ابتسم لوريل ابتسامةً قصيرة، لكنها كانت أشبه بقناعٍ يخلو من أي صدق.
‘ومع ذلك….إنه لا يبدو كشخصٍ من الإمبراطورية.’
حينها فقط تأملتُ ملامحه جيدًا.
عيناه الداكنتان المائلتان إلى الحمرة كانتا لافتتين، لكن شعره الأسود الذي بدا وكأنه يبتلع الضوء ذكّرني بأعراق الشياطين.
و حاجباه المستقيمان اللذان يوحيان بالعناد، ونظرته الحادة، وجسده الصلب الذي يُستشعر حتى من خلف الملابس، كل ذلك كان يحمل خبرة محاربٍ مخضرم.
فشعرتُ بحنينٍ غريب، كأنني أنظر إلى جندي من عالم الشياطين.
‘كفى تحديقًا.’
قياس القدرة القتالية لشخصٍ ما فور لقائه تصرّفٌ فظ للغاية.
فكتمتُ عادة أسمادينا جانبًا، وقُدتُ لوريل.
“فلنتوجّه إلى الحديقة. حان وقت الشاي، وقد أعددنا بعض الضيافة.”
“إذًا، أستأذن.”
توجّهنا إلى حديقة القصر الجانبي. ورغم تسميته قصرًا، إلا أن حجمه لم يكن يتجاوز حجم قصرٍ صغير، لذا وصلنا إلى الحديقة سريعًا.
نظر لوريل إلى الحديقة وتردّد قبل أن يتحدّث،
“الحديقة….صغيرةٌ ولطيفة.”
كان واضحًا أنه يحاول اختلاق مجاملةٍ بأي شكلٍ لعدم إيجاده ما يقال.
“شكرًا على الإطراء.”
لم يكن مضطرًا لذلك، لكن إخلاصه بدا لطيفًا، فبادلته ابتسامة.
في الحقيقة، لم تكن حديقة القصر جميلة. كانت الأعشاب البرية تنمو بكثافة، والنافورة مهملةٌ تتسلّقها الكروم، أما هوية الحديقة فكانت تحددها أزهارٌ برية كثيفة في الوسط.
‘برأيي هذا كافٍ وأكثر.’
صحيحٌ أنها لا تضاهي حدائق القصر الرئيسي، لكنها كانت تملك سحرها الخاص.
جلسنا متقابلين إلى طاولةٍ صغيرة بجوار النافورة، وفي تلك اللحظة تقدّمت إيما وسكبت الشاي.
“حسنًا، سأبلّغكِ الآن بكلام جلالة الإمبراطور.”
“نعم.”
“يرغب جلالته في أن تتولّي تنظيم فعالية، بالتزامن مع الإعلان عن تعافي سموكِ.”
“فعالية؟”
“كلمة تهنئةٍ في احتفال نهاية العام.”
تنوّعت مهام العائلة الإمبراطورية. فإلى جانب الدبلوماسية والمالية، كان عليهم الظهور في الفعاليات التي تعزّز تماسك الإمبراطورية.
وكان مهرجان الحصاد واحتفال نهاية العام من أبرزها. و بدا أن الإمبراطور ينوي تكليفي بأحد فعاليات نهاية العام.
يريدني أن أنجح فيها لأثبت أنني بصحةٍ تسمح لي بالنشاط. وإن نجحتُ، فسيصبح العثور على خاطبٍ أسهل.
‘ربما سيعطونني فعاليةً لا بأس إن فشلت، فاحتفالات العاصمة كثيرة.’
لكن الجواب الذي عاد لم يكن كما توقعتُ.
“الفعالية ستُقام في ساحة الأرينا بالعاصمة. هل تعرفينها؟”
“….أعرفها.”
الأرينا. أو ما يُعرف بحلبة القتال، بطولةٌ قتالية للمحاربين.
لم أحضرها من قبل، لكنها تُعد أعظم حدثٍ في نظر شباب الإمبراطورية.
‘هذا العجوز اللعين.…’
ارتشفتُ الشاي بابتسامةٍ باهتة، بينما كان الغضب يغلي في صدري.
‘أن يكلّف أميرةً بالإشراف على حلبة قتال؟’
صحيحٌ أن تكليف أحد أفراد العائلة الإمبراطورية بفعاليةٍ تقليدية أمر شائع، لكن أن تُسند فعاليةٌ دامية إلى أميرة، فهذا لم أسمع به قط.
كنتُ أظن أنه سيكلّفني بمعرضٍ أو حفلِ موسيقي، لا بسفك الدماء.
‘من الواضح أنه يريد جعلي أضحوكة.’
أميرةٌ ملعونة، كما يُشاع، تتولى رعاية حلبة قتال. فتخيّلتُ نظرات الجمهور الباردة تتجه نحوي.
‘هل يريدني ألا أغادر هذا القصر الجانبي مجددًا؟’
وبينما كان الغضب يتصاعد بسبب نوايا الإمبراطور الغامضة، تحدّث لوريل،
“من المقرر إقامة المباريات الشهر القادم. ستُقام على مدار ثلاثة أيام، لذا أنصح سموكِ بإخلاء جدولكِ مسبقًا.”
حبستُ أنفاسي وكتمتُ تنهيدة، ثم أومأتُ برأسي.
ما دام الإمبراطور قد أصدر أمره بنفسه، فلم يكن لديّ أي مبررٍ للرفض.
“بدايةً، أظن أننا سنحتاج إلى تفقد موقع الفعالية ميدانيًا، لذا علينا أن نتجوّل في مكان الحدث معًا غدًا. هل هذا مناسب؟”
“لا بأس، لكن….لحظة واحدة، هل سيشارك السيد لوريل أيضًا؟”
“نعم. سموّ الأميرة لا تعرفين جغرافية ما خارج القصر الإمبراطوري، أليس كذلك؟ ستحتاجين إلى دليل.”
كان هذا صحيحًا، لكنني لم أكن أنوي اختيار ابن بيت المستشار ليكون ذلك الدليل.
فأخفيتُ ارتباكي وسألت،
“هل أمر الإمبراطور السيد لوريل بمساعدتي؟”
“نعم.”
“وأن يتطوّع ليكون دليلي، كأنه سكرتير؟”
“….نعم.”
أجاب، لكن تردّدًا خاطفًا تسلّل إلى صوته، وكأنه لم يكن هذا ما يريده أصلًا.
‘هل هو قرار المستشار؟ أم أن الإمبراطور يراقب بيت المستشار؟’
لم يكن لديّ يقينٌ بأي شيءٍ بعد.
ويبدو أن لوريل لم يشأ إعطائي أي تلميحاتٍ إضافية، فتحدّث بصوتٍ حازم،
“بالطبع، إن شعرتِ بعدم الارتياح، فسأطلب تعيين نائبٍ بدلًا مني.”
كانت نبرته توحي بتمنٍّ خفي بأن أطلب ذلك، لكنني رفضت.
“لا، لا بأس. وجود شخصٍ موثوقٍ مثلكَ إلى جانبي سيكون عونًا كبيرًا لي.”
“….إذًا.”
للحظة قصيرة، لمحتُ خيبة أملٍ في عيني لوريل. قد يظن أنه يخفيها جيدًا، لكن نفوره من المشاركة في هذا الأمر كان واضحًا.
أشعر بالأسف تجاهه، لكنني، وأنا بلا وصيفة واحدة، كنتُ بحاجةٍ إلى من يساعدني في الشؤون الخارجية.
‘إن كان من بيت المستشار، فمجرد مكانته الاجتماعية كافيةً لأن تُستغل.’
أخفيتُ أفكاري، ونظرتُ إليه بعينٍ توحي بالثقة، فردّ عليّ بابتسامةٍ تشبه القناع.
“إذًا سأوافي سموكِ بالتفاصيل الدقيقة للجدول غدًا.”
وبما أن الأمر انتهى، نهضنا لنفترق.
وبعد تبادل مجاملات الوداع وأنا أرافقه، خطر لي سؤالٌ فجأة.
‘بالمناسبة، أليس وريث بيت المستشار أكبر مني سنًا؟’
في طفولتي، سمعتُ خبرًا عن وريث بيت المستشار ونشاطه الواسع. وقد مرّ أكثر من عشر سنوات، فلا بد أن عمره الآن يقارب الثلاثين.
إن كان الأمر كذلك، فهل لوريل أخوه؟
و دون تفكير، وجّهتُ له السؤال،
“السيد لوريل، لديكَ أخ، أليس كذلك؟ كيف حاله؟”
“….آه.”
في تلك اللحظة، تصلّبت ملامح لوريل.
“ألم تكوني….على علم؟”
“نعم؟ علمٌ بماذا؟”
“أخي….مات.”
“….أوه.”
أدركتُ فورًا أنني لمستُ لغمًا.
وبعد لحظة ارتباك، حاولتُ أن أعتذر له بأي طريقة، لكن التغيّر الذي طرأ على جسده أفقدني القدرة على الكلام.
“ما هذا….دخان؟”
فجأة، بدأ دخانٌ غريب يتصاعد من كتف لوريل.
كان يبدو لزجًا كالوَحل، يزحف صعودًا فوق كتفه، ويتشكّل في هيئة مشوّهة.
[كيييي—]
ما لبث الدخان أن تحوّل إلى عنكبوتٍ له عشرات الأرجل.
و غير مدركٍ لما أواجهه من صدمة أمام الوحش المفاجئ، واصل لوريل حديثه بصوتٍ جامد،
“لقد فقد أخي حياته في حادثٍ أليم. وأنا الآن الوريث.”
بدا وكأنه لا يرى ذلك المخلوق. وكلما واصل الكلام، ازداد حجم الوحش الجاثم على كتفه.
“….و لهذا لم تكوني على علم. أفهم….ذلك.”
كبر الوحش حتى غطّى وجه لوريل، فلم يعد صوته يصلني بوضوح.
تجلٍّ خالص للشر لا يُرى بعين البشر. كنتُ أعرف تمامًا ماهيته.
‘لعنة.’
لا شك أن لوريل واقعٌ تحت لعنة شخص ما.
‘ما محفّزها؟ الحديث عن الأخ؟ عن الوراثة؟ أيًا يكن، لا يجب أن أتركه يواصل الكلام!’
هذا النوع من اللعنات يلتهم حيوية المصاب كلما ازداد حجمه. وبينما أحاول استكشاف طبيعتها….
“لذلك….أنا.”
[غررر.…]
ربما أدرك أنني أراقبه، إذ كشف الوحش عن أنيابه موجّهًا إياها نحوي، محاولًا دفع وجهه البشع في اتجاهي.
‘لا، لا….أنا أكره العناكب!’
كانت حقيقةً تذكّرتها الآن فقط، لكنني كنت أكره العناكب كراهيةً شديدة.
وحتى بعد عودة ذكريات أسمودينا، لم يتغيّر ذلك.
مجرد رؤية مخلوقٍ كثير الأرجل كانت تثير فيّ اشمئزازًا لا إراديًا.
“صاحبة السمو.…؟”
[كيااااك!]
لعل لوريل شعر أن ردّ فعلي غريب، فناداني بصوتٍ قلق، وفي اللحظة نفسها اقتربت أرجل العنكبوت.
“لا، لا تقترب!”
وفي النهاية، أغمضتُ عينيّ بقوة ووجّهتُ يدي نحو العنكبوت….
“آه.”
لكمةً قوية.
قبضةٌ مشبعة بالمانا سددتُ ضربةً عنيفة إلى وجه العنكبوت.
[كيييااااك—!]
بااانغ—!
فدوى انفجارٌ هائل، وانفجر العنكبوت بالكامل.
“…….”
و عندما فتحتُ عينيّ، رأيتُ لوريل يحدّق بي بذهول. لا، لم يكن ينظر إليّ تحديدًا.
كان يحدّق في قبضتي المتوقفة على بُعد شعرةٍ من أنفه.
تقطير—
وفي اللحظة نفسها، وبسبب موجة الصدمة الناتجة عن اندفاع قبضتي، سال الدم من أنفه.
_____________________
ضربته😭😭😭😭😭😭😭😭😭
أو كأنها ضربته؟
شسمه شكله البطل؟ واضح الامبراطور قتل اخوه وهم وابوه يبون ينتقمون وشكل الامبراطور بعد هو الي حاط اللعنه فيه
بس وناسه حسبته بياخذ فترة على بال مايطلع
المهم لقاءهم الاول حفله😂😂😂
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 5"