4
شعرت إيما، رئيسة خادمات القصر المنفصل، بحدسٍ قويٍ بأن أجواء القصر قد تغيّرت.
كانت وجوه الخدم الذين اعتادوا التراخي متصلّبةً على نحوٍ غير مألوف. وكان معظمهم من الموفدين من القصر الرئيسي، وإيما، العارفة بحقيقتهم وغاياتهم، أدركت سريعًا سبب هذا التوتر.
‘اغتيال، إذًا. هل حسم أحدهم أمره أخيرًا؟’
كثيرون كانوا يتمنّون موت ديانا.
الإمبراطور الذي يعدّها وصمة عارٍ مخزية، أو بعض إخوتها الذين يقدّسون شرف العائلة الإمبراطورية، أو نبلاء كبار يسعون لاستغلال موتها.
ويبدو أن أحدهم أصدر الأمر أخيرًا، وأن بعض الخدم شرعوا في التنفيذ.
‘يبدو أن هذه الحياة ستنتهي في النهاية.’
اجتاح إيما شعورٌ غريب. فقد سبق لها، في وقتٍ ما، أن علّقت آمالًا خاصة على ديانا، لكنها تحوّلت منذ زمنٍ بعيدٍ إلى خيبة أمل.
لأن ديانا، خلافًا لتوقعاتها، لم تكن سوى أميرةٍ حمقاء تعيش منتظرةً موتها.
خاسرةٌ تخلّت حتى عن الكفاح، و ابتلعت السم بصمت.
بالنسبة لإيما، لم تكن ديانا أكثر من مسكنٍ مريحٍ يتيح لها العمل داخل القصر الإمبراطوري، لا أكثر ولا أقل. ولهذا، حتى لو أقدم الجواسيس على اغتيالها، لم يخطر ببالها أن تمنعهم.
لكن حين استشعرت موت ديانا الوشيك، تسلّل إلى قلبها إحساسٌ غامض. لم تعرف أكان شفقةً، أم تأنيب ضميرٍ لعجزها عن التدخل.
و على الأقل، فكّرت أن تضع زهرةً واحدة على قبرها بعد موتها.
وبينما كانت تتهيأ لإنهاء آخر مهامها بهذا التفكير.
“سيدتي رئيسة الخادمات! الأميرة تناديكِ!”
كانت الخادمة الجديدة، ليرفيل، قد جاءت للبحث عنها.
‘لا تقولي إن الاغتيال فشل؟’
أيعقل أن يعجز قاتلٌ عن قتل ديانا التي لا تستطيع حتى النهوض من سريرها؟
وبعد لحظةٍ قصيرة من الارتباك، تبعت إيما ليرفيل متجهةً إلى غرفة النوم.
كانت تتوقّع إلى حدٍّ ما سبب استدعائها.
‘لا بد أنها تطلب المساعدة.’
من المؤكد أن ديانا، بعد أن اكتشفت القاتل، تحاول طلب الحماية، وإيما كانت الشخص الوحيد الجدير بالثقة بين خدم القصر المنفصل.
وبينما كانت تفكّر كيف ترفض، فتحت إيما باب غرفة النوم.
“اجلسي، يا رئيسة الخادمات إيما. لديّ ما أود قوله.”
وفي اللحظة التي رأت فيها ديانا، تجمّدت في مكانها.
كانت ديانا جالسةً على كرسيٍ قرب النافذة، بملابس أنيقة، تنظر إليها بهدوء. و الضوء المتسلّل من شمس الصباح خلفها منحها هالةً مختلفة تمامًا عن الأمس.
لا تزال أطرافها نحيلة، لكن عينيها الذهبيتين المتلألئتين ووضعيتها المسترخية كانتا تبعثان هيبةً غريبة.
“….هل استعدتِ صحتكِ؟”
“إلى حدٍّ ما. أليست هذه أول مرةٍ ترينني بهذا المظهر السليم؟”
حين رأت إيما ديانا أول مرة، كانت بالكاد قادرةً على الحركة، لذا كان هذا الوجه المشرق أمرًا لم تشهده من قبل.
فأخفت إيما ارتباكها بصعوبة، وقدّمت تهنئتها على شفائها.
‘كيف استعادت صحتها؟ من المستحيل أن تكون قد شُفيت من السم في ليلةٍ واحدة. هل كانت تتظاهر بالمرض طوال هذا الوقت؟ أم أنها استخدمت فعلًا سحرًا محرّمًا؟’
تسللت إلى ذهنها شائعة ديانا الشيطانية التي كانت تتداول في القصر الإمبراطوري.
‘لا، هذا مستحيل.’
ثم هزّت إيما رأسها ونفت هذا الافتراض السخيف من عقلها.
‘إذًا، ما الغاية من استدعائي؟’
وقبل أن تتمكّن من قراءة نوايا ديانا، كشفت هي الموضوع مباشرة، وكأنها كانت تنتظر.
“يا رئيسة الخادمات، في الحقيقة، كدتُ أُغتال اليوم.”
ثم دار الحوار الذي توقّعته إيما. تصرّفت بلا مبالاة، موحيةً بأنها تستطيع استدعاء أشخاصٍ آخرين، لكنها شخصيًا لن تساعد.
فاكتفت ديانا بالإيماء بهدوء.
“لا بأس. اعتبري أنكِ لم تسمعي شيئًا. سأجد الأدلة بنفسي. لكن أريدكِ أن تذهبي إلى القصر الرئيسي.”
“وما طبيعة المهمة؟”
قالت ديانا أنها مجرد نقل رسالة، لكن من الواضح أن وراءها نيةً أخرى.
وحين رمقتها إيما بنظرة شك، ابتسمت ديانا ابتسامةً مشرقة.
“سأضع إعلانًا للبحث عن خطيب. لا أرغب في الزواج، لكنني أصبحتُ بحاجةٍ إلى زوج.”
“..…؟”
من شدة غرابة الكلام، فرغ عقلها تمامًا.
لكن إيما كانت امرأةً خبِرت دهاليز السياسة الإمبراطورية طويلًا، ففهمت مقصد ديانا على الفور.
“هل تنوين الخروج إلى المجتمع الراقي؟”
“بالضبط. كما توقّعتُ منكِ يا إيما.”
قالت ديانا ذلك وهي تميل برأسها بإعجاب.
وأمام هذا الهدوء، شعرت إيما وكأنها لا تواجه الأميرة ديانا التي تعرفها.
الصوت نفسه، وطريقة الكلام نفسها، ومع ذلك كان هناك شيء مختلف. كأنها تقف أمام كيانٍ يتجاوز السلطة ذاتها….
‘الشكوك غير المجدية لا فائدة منها. الأهم هو فهم هدفها من دخول المجتمع.’
بادئ ذي بدء، كان موضوع الخطوبة مرتبطًا حتمًا بالظهور الاجتماعي.
في الإمبراطورية، كان يُنظر إلى إدخال الأبناء إلى المجتمع الراقي والانخراط في الزواج بوصفه واجبًا، بغضّ النظر عن ظروف الأسرة.
تقليدٌ متحجّر يرى الزواج مسؤوليةً على عاتق النبلاء.
وكان هذا التقليد أشدّ صرامةً كلما ارتفعت المكانة، لا سيما بين أفراد العائلة الإمبراطورية.
‘حتى الإمبراطور نفسه أجبر الأميرة ديانا في الماضي على الظهور الاجتماعي، لكن صحتها المتدهورة وسوء حظها أدّيا في النهاية إلى فشل الأمر.’
بل وقيل أن حادثًا كبيرًا وقع يوم ظهورها الأول، إذ سقطت ثريّا ضخمة، وكان ذلك من أكبر الأسباب التي جعلت الإمبراطور يتخلى عنها.
والآن، ديانا التي استعادت صحتها فجأة، تسعى لدخول المجتمع بحجة الخطوبة.
وكان السبب واضحًا.
‘من أجل الحرية.’
كان الإمبراطور نفسه هو من نفى ديانا إلى القصر المنفصل بحجة أنها تخلّت عن واجباتها كأميرةٍ من الأسرة الإمبراطورية. لذا، إن أعلنت الآن أنها استعادت صحتها وتعتزم أداء واجباتها، فلن يملك مبررًا يمنعها.
“….لكن أليس ذلك أمرًا لا يمكن تحقيقه دون وجود طرفٍ مقابل؟”
وعلى السؤال الذي خرج دون تفكير، أمالت ديانا رأسها بخفة.
“لا تقلقي.حتى لو لم يوجد شخصٌ مناسب للخطوبة، فسيتكفّل الطرف الآخر بتجهيز المرشحين.”
“والطرف الآخر تقصدين به؟”
“مجلس النبلاء.أليس هناك كثيرون يرغبون في استغلال شعري وعينيّ؟”
“….بالفعل.”
كان جوابًا قصيرًا لكنه كافٍ.
بالنسبة لمجلس النبلاء المعارض للإمبراطور، كانت ديانا حليفًا مغريًا. سماتٌ تناقض الأسرة الإمبراطورية، أصلٌ غامض، وموقفٌ معادٍ للإمبراطور….عناصر قابلة للاستغلال بكثرة.
أي أنها ستطلب العودة إلى المجتمع الراقي، لكن دون نيةٍ للتحالف مع الإمبراطور.
‘ذكية.’
بل أكثر من اللازم. حكمةٌ لا يمكن تخيّلها من ديانا التي كانت حتى الأمس تتجرّع السم دون مقاومة.
وبينما كانت إيما تتساءل عن سبب هذا التغيّر، خطر خاطرٌ في بالها فجأة.
‘انتظري….صحتها عادت، هذا أمرٌ ثانوي.ماذا عن الاغتيال؟لا بد أن القاتل جاء.’
نظرت حولها على عجل.لم تجد أي أثرٍ للقاتل. و بدلًا من ذلك، لفت نظرها سجّادٌ مجعّد.
لا شك أن الاغتيال فشل.إذًا، ما مصير القاتل.…؟
انساب عرقٌ بارد على طول عمودها الفقري. في تلك اللحظة، لم تعد ديانا تبدو كأميرةٍ مريضة، بل كصاحبة سلطة تخفي قوةً مجهولة.
‘لا بد أن لديها سرًا غير عادي.’
شدّت إيما قبضتها دون وعي.
ربما كانت ديانا تحمل لها الفرصة التي انتظرتها طويلًا. وربما كانت هذه الرسالة هي الخطوة الأولى.
فابتلعت إيما ريقها بصمت، ثم أجابت بحذر.
“….فهمت قصد سموّكِ.سأنقل الرسالة. لكن، هل تسمحين لي بسؤالٍ واحد إضافي؟”
“تفضّلي.”
“ما هو هدفكِ، سموّ الأميرة؟بعد أن تنالي حريتكِ وتجلسي على مقعد الصراع السياسي، ماذا تريدين أن تفعلي؟”
بدا السؤال غير متوقّع، فترددت ديانا لحظةً قبل أن تجيب.
“….ولِمَ يهمّكِ ذلك؟”
“مجرد فضولٍ صغير.”
“وهل سيتغيّر موقفكِ بحسب إجابتي؟”
“غالبًا نعم.”
وبعد صمتٍ طويل، فتحت ديانا فمها من جديد.
“إيما، هل تعرفين متعة أن تتحرّك ساقاكِ؟”
“ما الذي تقصدينه؟”
“أنا يا إيما، فقدتُ الإحساس بنصف جسدي السفلي وأنا صغيرة.وحين بلغت، صرتُ عاجزةً حتى عن حمل كوبٍ ثقيل.”
كانت إيما تعرف ذلك.لا أحد في هذا القصر يجهل سوء حظ ديانا وإعاقتها.
ثم مدّت ديانا يدها، وأمسكت بيد إيما.
“ولهذا، هذا الإحساس يسعدني.”
“…..؟”
“أن أشعر بحرارة جسد إنسان، أن أمشي بقدميّ، أن أتكلّم دون أن يؤلمني حلقي….كل ذلك يفرحني. أنا سعيدةٌ إلى حدّ أن الدموع تكاد تنهمر الآن.”
كانت يد ديانا التي طالما كانت باردة دافئةً على غير العادة.
وإزاء هذا الصدق المؤلم الذي زعزع حتى تماسكها المعتاد، همّت إيما بالتعبير عن تعاطفها، لكن—
“ولهذا لا أريد أن تُسلب مني هذا السعادة. ومن أجل حمايتها، أستطيع فعل أي شيء.”
تبدّل جوّ ديانا فجأة.
“لا يكفي أن أبقى على قيد الحياة فقط. أريد مستقبلًا مضمونًا، وأمانًا، وسكينة. ولأجل ذلك….قد تكون هناك حاجةٌ إلى قدرٍ من الانتقام.”
في تلك اللحظة، نهضت حول ديانا هالةٌ مريبة. و أمام هذه الهيبة التي تشبه القتل، ارتجف جسد إيما.
كان الأمر أشبه بالوقوف أمام وحشٍ هائل، كأن أنيابه ستنغرس في عنقها في أي لحظة.
‘إنها ليست الأميرة ديانا.’
وأدركت ذلك حدسًا.
على الأقل، المرأة التي تقف أمامها الآن ليست ديانا التي عرفتها حتى الأمس.
سواء أكان ذلك تغيّرًا في القلب، أو نضجًا، أو حقيقةً أخفتها طويلًا….لم يعد ذلك مهمًا.
المهم بالنسبة لإيما الآن هو أن ديانا قد تغيّرت. لم تعد خاسرةً تنتظر الموت، بل وريثةً تسعى لتغيير كل شيء.
وذلك بالضبط هو القائد الذي لطالما رغبت به إيما.
كتمت إيما ارتفاع زاوية فمها قسرًا، وعزمت في نفسها.
‘سألبّي طلبها.’
سأراقب ديانا المتغيّرة عن قرب.
‘وسأسمح لنفسي بأن أعلّق الأمل مرةً أخرى، على الكيان القادر على تحقيق أمنيتها.’
_______________________
معلش لإيما شكيت فيها طلعت كفو واو ذكيه حتى من الحين درت انها مب انسان😂
بس صدق وش يحسون به وهم مخلينها مشلوله من يومها بزر؟ وجع يارب تنتقم زين عاد من ذا الحيوان
وامها بعد يارب تصفقها عشان تعرف ليه مسويه نفسها مب امها
بعدين معقوله محد في عايلتهم نفس لون شعرها وعيونها؟ اجل امها خاينه ابوها روحوها اقتلوها ادعم
التعليقات لهذا الفصل " 4"