“لا أعرف على وجه اليقين. صاحبة السمو تقول إنها بخير، لكن….كيف يمكن أن يكون هذا طبيعيًا وهي تنزف كل هذا الدم؟”
نظرت ليرفيل بوجه كئيب إلى المناديل الملقاة. و كان مقدار الدم يكفي لملء ثلاثة أو أربعة أكوابٍ بسهولة.
كم بذلت ديانا من جهدٍ لتتخلص من هذه المناديل دون أن يلاحظ أحد، ولتمنع الدم من أن يلطخ فستانها؟
‘ربما لهذا السبب لا تستخدم السحر في العادة.’
“الآن وقد فكرتُ في الأمر….لم أرَ صاحبة السمو تستخدم السحر من قبل.”
صحيحٌ أنها كشفت عن طاقتها السحرية وأظهرت حقيقتها، لكن ذلك لم يكن استخدامًا للسحر.
‘ظننتُ أنها منعت نفسها من استعماله بسبب قرارها العيش كإنسانة، لكن يبدو أنني كنتُ مخطئةً تمامًا.’
“إذًا….هل نزفت كل هذا الدم بسببي؟”
“ليس بسببكِ وحدكِ.”
هزّت ليرفيل رأسها وكأنها تطلب منها ألا تشعر بالذنب.
“صاحبة السمو لا تحب تمجيد أفعالها. كانت هكذا دائمًا.”
“كانت هكذا؟”
و أكملت ليرفيل بـ”على سبيل المثال.” ثم بدأت تحكي ما حدث في القصر المنفصل.
“هناك صبيان يعملون بالخارج ويأتون لإنجاز بعض الأعمال. في الشتاء يتولون توصيل الغسيل، لكن فجأةً قلّ غسيل القصر كثيرًا. لأن عدد الخدم فيه انخفض فجأة.”
وأضافت أن ذلك حدث لأن من شعروا بالذنب بعد عودة ديانا إلى الحياة تركوا العمل.
“لكن هؤلاء الأطفال لا يتقاضون أجورهم إن لم يكن هناك عمل. ومعظمهم يعيشون في ظروفٍ صعبة، وكانوا على وشك أن يقضوا الشتاء جائعين. عندها ظهرت صاحبة السمو.”
“هل تصدقت عليهم؟”
هل يعني هذا أنها منحتهم المال؟
هزّت ليرفيل رأسها نافية.
“لا، بالعكس. وفّرت لهم عملاً. أعلنت فجأةً أنها ستقيم حملة تنظيفٍ كبرى في القصر، وأمرت بغسل السجاد والستائر والأغطية كلها.”
وبفضل أكوام الغسيل التي كانت تذهب وتعود من المغاسل، تمكن الأطفال من كسب ما يكفيهم لتجاوز الشتاء.
“وعندما قلتُ لصاحبة السمو أن ما فعلته عظيم، ابتسمت بمرارةٍ وقالت لي، ‘لو كنتُ إنسانةً صالحةً حقًا، لبعتُ ممتلكاتي وساعدتُهم. ما فعلته ليس إلا نفاقًا لإرضاء نفسي. لا شيء عظيمٌ في الأمر’.”
كانت تقول أنها ليست طيبة، بل فقط قدّمت قدرًا ضئيلًا من الخير بجبنٍ ثم رضيت عن نفسها.
“….هذا يشبه صاحبة السمو فعلًا.”
“أليس كذلك؟”
أسلوب ديانا المعتاد، تنكر الخير حتى على نفسها.
“مثل هذه الأمور تكررت كثيرًا خلال الشهر الماضي. لذلك قررتُ أن أبقى إلى جانب صاحبة السمو دائمًا. لن أجد سيدةً ألطف منها.”
ثم نظرت ليرفيل إلى الدم العالق بيديها،
“لذا لا تشعري بالذنب. بدل ذلك، ساعدي صاحبة السمو بقدر ما تلقيتِ منها. هذا ما ستريده هي أيضًا.”
“….نعم.”
بعد سماع ذلك، حسمت روسلا أمرها بشأن ما ينبغي عليها فعله.
و ابتسمت ابتسامةً خفيفة بوجه ديانا.
سيدةٌ تضحي بهذا الشكل من أجل تابعةٍ لم يمضِ على لقائها شهر حتى. سيدةٌ بهذا اللطف….لا بد أن تكون فريدةً في هذا العالم.
“ليرفيل.”
“نعم؟”
“هناك مكانٌ أود الذهاب إليه. بعد انتهاء مباريات اليوم، هلّا تساعدينني؟”
“إن كان باستطاعتي المساعدة، فسأفعل بكل سرور. لكن….إلى أين تريدين الذهاب؟”
“إلى مكانٍ يجعلني جميلة.”
“….ماذا؟”
ردّت روسلا بثقةٍ تشبه ديانا.
“عرّفيني على الشخص الذي يعرف كيف يجعلني في أجمل صورة.”
***
استؤنفت المباراة. كانت المواجهة المتوقفة من دور الستة عشر، وبفوزي في مباراتين فقط، تنتهي مباريات اليوم.
أي أن لدي فرصتين كاملتين للتألق اليوم.
“ها هي رامية السيف تعود إلى الساحة! ترى أي هزيمةٍ ستتذوقها هذه المرة؟”
يبدو أن المذيع كان قد حسم أمر هزيمة روسلا سلفًا. وبالنظر إلى مجريات المباراة، لم يكن ذلك غريبًا.
‘تعليقٌ لا يعجبني. يجب أن أرفع الشتائم مرةً أخرى.’
ربما لأن أسلوب ليرفيل علق في لساني، ابتسمتُ بخفةٍ تحت الخوذة، ووقفتُ على أرض الساحة المدمرة جزئيًا أواجه خصمي.
“ظننتكِ ستهربين، لكنكِ عدتِ. هل أردتِ أن تُظهري لنا هزيمةً أكثر بؤسًا؟”
“.……”
كان خصمي واثقًا بنفسه إلى حد الغرور.
لكن بدل الرد على استفزازه، كنتُ أفكر في كيفية الفوز.
‘الفوز بضربة واحدة ليس مناسبًا، أليس كذلك؟ يجب أن أفوز بصعوبة، حتى يغيظ أولئك الذين يستهدفون روسلا.’
لا بد أنهم يعتقدون جازمين أنني سأسقط في هذه المباراة أيضًا.
‘إذًا، الطريقة الأنسب هي….’
في تلك اللحظة، خطرت لي فكرةٌ واحدة. كانت طريقةً ساذجة بعض الشيء، لكن في مثل هذه الأمور، البساطة هي الأفضل.
“حسنًا— تبدأ المباراة!”
ما إن دقّ المذيع الجرس، حتى اندفع الخصم نحوي بثقةٍ ولوّح بسيفه.
هجومٌ مبتدئ، يمكن تفاديه حتى والعينان مغمضتان. حتى روسلا في أفضل حالاتها كانت ستتفاداه بسهولة.
لكنني….
بووغ!
“آه! رامية السيف! يبدو أنها لا تملك القوة لتفادي الهجوم! تتلقى الضربات بلا مقاومة!”
تلقيتُ الضربة عمدًا. لم أراوغ ولم أصدّ.
شعرتُ بالدرع ينحني تحت ضربةٍ قاطعة قوية، ضربةٍ كانت كفيلةً بكسر أضلاع إنسان عادي.
خصري، كتفي، رأسي، ساقي….سيفه كان يضربني كأنني دمية قش.
كان الدرع يتحطم تدريجيًا، لكنني لم أبالِ. فجسدي كان مغطى بالمانا.
لم أشعر إلا وكأن كتلاً قطنيةً تضغط عليّ.
“كح!”
ومع ذلك، كنتُ أستخدم المانا فعلًا، لذا تقيأت الدم بين الحين والآخر. و سال الدم من تحت الخوذة، فكان المشهد واقعيًا للغاية.
….وهكذا استمرت تلك الضربات العبثية والسعال الدموي لمدة نصف ساعةٍ كاملة.
“ألن تموت بهذا الشكل؟”
“لماذا لا تسقط فحسب؟ لماذا تصر على الصمود هكذا.…؟”
بدأ الجمهور يهمس، وقد شعروا أن الأمر لم يعد طبيعيًا.
سواءً فعلوا أم لم يفعلوا، تلقيتُ الهجمات بثباتٍ ووضوح. وبالطبع، لم أشن أي هجومٍ مضادٍ ولو مرةً واحدة.
في نظرهم، لا بد أنني بدوتُ كمحاربةٍ صلبٍ يتحمّل الألم ويقف بإرادته وحدها.
“ههك، هَـهُـك! أيتها المجنونة، فقط قولي أنكِ خسرتِ! إن واصلتِ هذا ستموتين فعلًا!”
‘ربما يكون في الحقيقة شخصًا طيبًا.’
فبالرغم من نبرته المتعجرفة، كان قلقه عليّ صادقًا إلى حدٍّ ما. ففتحتُ فمي لأقول له أن يكفّ عن القلق ويواصل القتال.
“لم….أخسر بعد.”
لكن الصوت الذي خرج كان بائسًا. فقد التصق الدم بحلقي.
وبفضله ازداد وجه الرجل شحوبًا.
“مـ، ما قيمة الفوز في بطولةٍ كهذه….ستكون هناك فرصةٌ أخرى!”
“….اهجم.”
“إي، إيع! حسنًا! لم أعد أعرف! إن متِّ فليست مسؤوليتي!”
يبدو أنه أيقن أن الإقناع لن يجدي، فلوّح بسيفه بكل قوته ليُنهي الأمر.
‘يبدو أن الوقت قد حان.’
انتهزتُ الفرصة وأمسكتُ بالسيف. وفي اللحظة التي كان فيها سيفه يهبط ليضرب رأسي.
“أحسنتَ.”
“……!”
ألقيتُ مديحاً قصيراً، ثم ضربتُ ذقنه بالسيف.
وبما أن نصل السيف غير حاد، لم يترك جرحًا. لكن الصدمة العنيفة التي هزّت رأسه أسقطته أرضًا فورًا.
ولمن يفتقرون إلى المهارة، لا بد أن الأمر بدا وكأنه سقط من تلقاء نفسه.
“آ، آاه! اللاعب يسقط فجأة!”
بعد صراخ المذيع، اقترب الحكم ليتأكد من حياة الخصم. وحين تبيّن أنه فاقدٌ للوعي، أعلن فوزي.
“ا، الفوز! لصاحبة الخوذة!”
يبدو أنهم لم يتوقعوا أن يُحسم النزال بهذه البساطة، فلم يعلُ أي هتافٍ من المدرجات.
وبشيءٍ من الحرج، رفعتُ يدًا واحدةً ولوّحت بها على استحياء لأؤدي احتفالًا ما.
‘الوقوف طوال هذا الوقت أنهكني.’
وعلى عكس نيتي في التحرك بقوة، تدلّت ذراعي بلا حيلة.
وفي تلك اللحظة، وقعت عيناي على الأميرة الإمبراطورية، روسلا، الجالسة في مقصورة المنظمين.
كانت تنظر إليّ وهي جالسةٌ بهدوء، لكن يديها الموضوعتين على ركبتيها كانتا ترتجفان بعنف.
كانت تقبض عليهما بقوةٍ حتى أن أصابعها بدت شديدة البياض.
أما ليرفيل، الواقفة إلى جوارها، فبدت على وشك البكاء.
‘ما بهما هاتان الاثنتان مرةً أخرى؟’
هل كانتا تظنان حقًا أنني سأخسر؟ فلوّحتُ بيدي مرةً أخرى لأطمئنهما، لكن.
“…….”
ازدادت ملامحهما كآبةً فحسب.
‘بهذه الطريقة، إن فزتُ مرةً أخرى ستنتهي مباريات اليوم….لا بأس، أليس كذلك؟’
آملًا ألا يُساء فهم الأمر، غادرتُ ساحة القتال.
“صا، صاحبة الخوذة! انتصارٌ آخر مغمورٌ بالدماء! أي عزيمةٍ هذه التي انتشلتها من حافة الموت وأعادتها إلى الحلبة؟ الساحة غارقةٌ بالدماء، ومع ذلك فهي لا تسقط!”
وكما هو متوقع، كررتُ الاستراتيجية نفسها في المباراة الثانية أيضًا، بينما ازداد وجه ليرفيل و روسلا شحوبًا أكثر فأكثر.
وأنا التي لم أفهم سبب ذلك، لم أفعل سوى التلويح بذراعي مجددًا، بينما أراقب هتافات الجمهور.
التعليقات لهذا الفصل " 21"