2
أنا، ديانا ريفيون، كنتُ أميرةً إمبراطورية في هذا الإمبراطورية.
كنتُ الثانية بين الأميرات، والرابعة بين أبناء الإمبراطور، ترتيبًا ملتبسًا لا يميّز ولا يُقصي.
وبما أنّني امرأة، وبعيدة عن حقّ الخلافة، فقد وُلدتُ ولادةً مباركة تسمح لي أن أعيش عمري كلّه كنبتةٍ محميّةٍ داخل دفيئة.
لو أنّني فقط لم أولد بتلك العينين الملعونتين.
“إنّها لعنة، لقد حلّت عليها لعنة!”
وُلدتُ بشعرٍ أزرق داكن، وعينين صفراوين. وكان ذلك نقيضًا صارخًا لرموز العائلة الإمبراطورية: الشعر البلاتيني والعيون الزرقاء.
ولهذا السبب، أشار إليّ الكهنة وأفراد الأسرة الإمبراطورية على أنّني طفلةٌ ملعونة.
لو كان الاختلاف في المظهر وحده، لانتهى الأمر باضطهادٍ عابر. لكن طفولتي التي تلت ذلك كانت سلسلةً متواصلةً من النحس، وكأنّ لعنةً حقيقية قد حلّت عليّ.
“هل سمعتِ؟ مربية سموّ الأميرة شنقت نفسها!”
“وفي حفل الظهور الاجتماعي سقطت الثريّا.…”
“صبيّ اللعب وُجد في بحيرة الحديقة! في مكانٍ عميقٍ لا يمكن لطفلٍ أن يصل إليه!”
“هذا القدر من سوء الحظ المتتابع….لا بدّ أنّها تجسيدٌ للشيطان!”
كانت المصائب مجهولة السبب تحوم حولي دائمًا.
في البداية كنتُ أبرّر وأقول أنّ الأمر ليس خطئي، لكنني كففتُ عن ذلك بعد أن تجاوزتُ العاشرة. فكلّ من كان يصغي إلى قصّتي، إمّا مات واحدًا تلو الآخر، أو غادرني بعدما عجز عن قهر خوفه.
وحين مات صبيّ اللعب الذي كنتُ أفضي إليه بقلبي، لم تعد الدموع تخرج من عينيّ.
حتى صحّتي لم تسلم من تلك اللعنة، فكنتُ أزداد وهنًا يومًا بعد يوم.
وقبل أن أبلغ سنّ الرشد، سلبتني اللعنة حتى حريّة المشي.
وحين انتشرت شائعاتي في أرجاء الإمبراطورية، نبذني أبي….الإمبراطور.
“قبيحة. لا تظهري أمامي مجدّدًا.”
أرسلني إلى قصرٍ منفصل بعيدٍ عن القصر الرئيسي بحجّة النقاهة. لكنّه كان نفيًا لا يختلف عن السجن.
إمبراطورٌ تخلّى عنّي، وإمبراطورةٌ تعتبرني ابنةً غير موجودة، وإخوةٌ يديرون ظهورهم لي.
تركتُ كلّ ذلك خلفي، وعشتُ وحيدةً في القصر المنفصل.
‘يا لها من حياةٍ بشعة.’
وحين كنتُ أُجبر على حضور مناسبات الإمبراطورية على كرسيّ متحرّك، كانوا يتجاهلونني كعشبٍ نابت على الجدار، ويكيلون لي الإهانات.
ومع تكرار ذلك، صار حتى خدم القصر المنفصل يستخفّون بي.
وبلغ بي الأمر أن أفكّر: أليس الموت السريع أرحم؟
وحين بلغتُ الرشد، اختفت حتى رغبتي في الاستمرار بالحياة.
‘يبدو أنّ الجميع يريدونني أن أموت سريعًا.’
ومنذ وقتٍ ما، بدأتُ ألاحظ وجود سمّ في طعامي.
وبعد أكثر من عشر سنوات من المراقبة، كان من السهل أن أعرف من الفاعل. فشعرتُ بالخيانة، لكنّ ذلك لم يدم طويلًا.
وقد تقبّلتُ السمّ الحلو المموّه بشتى أنواع التوابل في صمت.
‘ففي كلّ الأحوال، إن لم آكل سأموت جوعًا….لا خيار آخر.’
ومضى الوقت، حتى جاء يومٌ لم أعد فيه قادرةً لا على الخروج، ولا حتى على النهوض من السرير وحدي.
‘إذًا، هذه النهاية حقًّا.’
شعرتُ أنّ السمّ في الطعام أقوى من ذي قبل.
ويبدو أنّ من تمنّوا موتي قد قرّروا أخيرًا سبب وفاتي.
“….شكرًا على الطعام.”
ابتلعتُ غضبي وظلمي مع الوجبة. ثم ارتديتُ أنظف ثياب نومي، ووضعتُ عطرًا على شعري بعد انقطاعٍ طويل، واستلقيتُ على السرير.
تمنّيتُ فقط ألا تُصيب اللعنة من سيقوم بالتخلّص من جثّتي، ورفعتُ أمنيةً صادقةً قبل أن أنام.
ثم أغمضتُ عينيّ، وألقيتُ وعيي المتلاشي بعيدًا، إلى ما وراء مستنقع الموت.
وفي اللحظة التي ظننتُ فيها أنّ هذه الحياة الحقيرة الخالية من الأمل توشك أن تنتهي.
[حقًّا؟]
سمعتُ همسًا.
[أحقًّا لا تملكين أيّ ندم؟]
كنتُ أموت….لا، كنتُ قد متُّ بالفعل، ولم أكن قادرةً على الإجابة.
لكنّ صوتًا ما بدأ يعبّر عن مشاعري من تلقاء نفسه.
[أنا أكره ذلك. أن يموت إنسانٌ كان ينبغي له أن يكون سعيدًا بهذه التعاسة….أمرٌ فظيع. والأسوأ أنّكِ استسلمتِ بهذه السهولة، هذا لا يشبهكِ.]
قال الصوت ذلك، مطلقًا ضحكةً غريبة.
[لا يجوز أن تنتهي الأمور هكذا يا ديانا. أنتِ، أنا، نحن….لا نريد نهايةً كهذه. في الحقيقة، أنتِ تريدين أن تعيشي أكثر، أليس كذلك؟ تريدين أن تصبحي سعيدة، أليس كذلك؟]
وأيّ إنسانٍ هذا الذي يريد الموت؟ كان سؤالًا لا يحتاج إلى جواب.
[أنا أريد أن أعيش أكثر. لا أريد التخلّي عن كوني إنسانة. أنا أحبّ البشر.]
كان الحوار متناقضًا. كأنّ الصوت يصغي إلى صرخة روحي، ثم يغيّر الموضوع كيفما شاء.
حتى نبرته كانت غريبة، كأنّها كائنٌ من عالمٍ آخر تعلّم لغة البشر حديثًا.
[إذًا فلنمسك بفرصةٍ أخرى. لا بأس، فأنا هنا.]
هل كان يريد مساعدتي؟ أم الاستيلاء على جسدي؟
كرهتُ الفكرة الأخيرة، لكنّ الصوت أجاب مجدّدًا دون أن أنتظر.
[لا، لقد أسأتِ الفهم. أنتِ وأنا واحد، وهذا ليس استيلاءً ولا مساعدة.]
إذًا ما هو؟
[إنّه تذكّر. تذكّرُ ذكرياتكِ حين كنتِ أنا. حين كانت ديانا البشرية هي أسمودينا من عِرق الشياطين. حين كنتِ شيطانةً تحبّ البشر.]
وفي تلك اللحظة، فتحتُ عينيّ.
***
“…..!”
أوّل ما شعرتُ به فور فتح عينيّ، هو أنّهما جافتان وكأنّ أحدهم نثر فيهما الرمل.
كنتُ أرمش بعنفٍ لأستدرّ الدموع، وحينها فقط أدركتُ متأخّرةً أنّ شيئًا ما تغيّر في جسدي.
‘يا إلهي….لا أشعر بالألم؟’
أحشائي التي كانت تؤلمني دائمًا وكأنني ابتلعتُ أشواكًا، ورئتَيّ وحلقي اللذان كانا يثقلان أنفاسي حتى ألهث مع كلّ شهيق، وأطرافي التي كانت ثقيلةً كأنّها مربوطة بأثقال….كلّها أصبحت خفيفة.
مرّ وقتٌ طويلٌ إلى درجة أنّ الإحساس بعدم الألم بدا لي غريبًا ومريبًا.
لكن فرحتي لم تدم طويلًا، فمع اجتياح عشرات بل مئات السنين من الذكريات رأسي، شعرتُ بدوارٍ حادّ وأغمضتُ عينيّ بإحكام من جديد.
‘أسمودينا.’
اسمُ الصوت الذي خاطبني عند حافة الموت….لا، اسمي أنا في الماضي.
عندها فقط أدركتُ أنّ كلّ هذه الذكريات تعود إلى حياةٍ سابقة.
ابنةُ ملك الشياطين، قائدةُ طليعة عالم الشياطين التي حصدت الانتصار في عشرات الحروب، والمنبوذة التي أحبّت البشر.
‘يا إلهي….أكنتُ فعلًا تجسيد الشيطان؟’
تلك التهمة التي أنكرتها دائمًا واعتبرتها إشاعةً سخيفة، صارت حقيقةً ماثلة.
انهالت ذكريات الحياة السابقة عليّ فجأةً حتى فقدتُ توازني الذهني.
و لم يكن الأمر أنّ هويّتي اهتزّت، فكلتانا متشابهتان في الطبع. المشكلة كانت في الكمّ الهائل من الذكريات.
كأنّني أُجبرتُ على حفظ عشرات، بل مئات الكتب دفعةً واحدة.
وكان الأسوأ ذوقها الغريب.
‘يبدو أنّني في الماضي كنتُ أحبّ البشر كثيرًا.’
كونها وُلدت في عالمٍ شيطاني لا يعرف الفردية جعلها شذوذًا، ولذلك كانت مولعةً بحكايات البشر.
الأبطال البشر، قصص الحبّ العابرة للطبقات، الفنّانون الذين ينتصرون على الشدائد….حتى أنّها سُمعت تقول يومًا إنّها قد تتزوّج إنسانًا.
ماضٍ لا يليق بحياة ديانا التي خانها البشر.
لكن بما أنّنا كنّا الشخص ذاته، امتزج حبّ أسمودينا للبشر مع تجارب ديانا المؤلمة، فشعرت بالغثيان.
مشاعر متناقضة؛ أحبّ، لكنني أريد أن أكره.
وفيما كنتُ أحاول تهدئة قلبي وكبح تلك العواطف الماضية.
“…قلتُ لكِ!”
“آآه!”
صدر ضجيجٌ مزعجٌ شقّ أذنيّ.
‘هل يوجد أحدٌ في غرفة نومي؟’
أردتُ التركيز على ترتيب ذكرياتي، لكن الصوت كان أعلى من أن أتجاهله.
مهما كنتُ أميرةً مُهمَلة، ما الذي يفعلونه في غرفة نوم غيرهم؟
وفي النهاية، لم أتمالك نفسي وفتحتُ فمي.
“اخرسوا لقد أزعجتموني.”
الكلمة التي نطقتها بعد زمنٍ طويل خرجت أسلس وألين ممّا توقّعت.
فرحتُ قليلًا لأنّ صدري لم يعد يؤلمني حين أتكلّم، لكنني أخفيتُ ذلك ونهضتُ من مكاني.
أردتُ أن أرى بعينيّ ما الذي يثير كلّ هذا الضجيج.
“ما هذه الفوضى في غرفة نوم غيركم؟”
وهناك، واجهتُ مشهدًا غير متوقّع فأصابني الارتباك.
رجلٌ وامرأة يتشابكان. أحدهما كان الخادم هانز الذي كنتُ أراه أحيانًا خارج النافذة، والآخر الخادمة ليرفيل التي تنظّف غرفتي.
‘ليست….فضيحة عاطفية، أليس كذلك؟’
لكنّ رؤية ليرفيل تتخبّط وقد أُمسك بياقتها، ووجه هانز المشحون بالقتل، أوضحت أنّ الأمر أخطر من ذلك.
“مستحيل….مستحيل! لقد قتلتُها بالتأكيد!”
بدأ هانز يهذي بكلماتٍ غير مفهومة. وكان رأسي مزدحمًا بما يكفي، فلم أفهم شيئًا، ولوّحتُ بيديّ،
“لا أعرف ما الذي يحدث….لكن أفلِتْ عنق تلك الفتاة أولًا.”
“كما توقّعت، أنتِ من جماعتهم!”
وبدل أن يهدأ، زاد غضب هانز، ولوّح بالخنجر نحو ليرفيل.
فزعتُ، ومددتُ يدي اليمنى إلى الأمام دون تفكير. كان تصرّفًا لا واعيًا، لكنّ قوّة الشياطين الساكنة في جسدي لبّت رغبة صاحبتها بإخلاص.
‘الظلّ.’
خيّل إليّ أنّ صوتي القديم تردّد خلفي.
وفي اللحظة نفسها، تحوّل ظلّ أرضية غرفة النوم إلى مسامير حادّة، واخترقت ذراع هانز.
“آآه!”
سقط هانز يتلوّى على الأرض.
وبينما كنتُ أحدّق فيه بذهول، نظرت ليرفيل، التي تحرّرت، إليّ بوجهٍ مصدوم،
“سـ، سحرٌ أسود؟”
“أوه لا.”
كان يجب أن أستخدم سحرًا لا يلفت الانتباه!
هممتُ بتبريرٍ متسرّع، لكنّ ليرفيل سبقتني.
“واو….هذا رائعٌ جدًّا!”
كان إعجابًا صافيًا، كإعجاب طفلٍ أمسك بخنفساءٍ عملاقة لأوّل مرّة.
فتفاجأتُ بردّة فعلها غير المتوقّعة، ولم أجد سوى أن أرمش بعينيّ بذهول.
______________________
سرد الروايه يجنن وناسه
امها وع شكل من كثر انها سافهتها ماجا طاريها الا في كلمتين
وابوها وعين عسا فيه اجل يوم ابو شعر اسود يقول خل نذبحه✨
المهم لو تلاحظون اسم ديانا ماخوذ من اسمودينا بس غريبه توها تتذكر ذكرياتها ذلحين عاد
وليرفيل ذي تجنن بغت تنطعن قبل شوي بس عنها مستانسه عشانها شافت شي يعجبها😂
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 2"