بدأت المباراة فورًا. وعلى عكس مخاوفي من أنها بالكاد وصلت إلى مستوى المنافسة على اللقب، واصلت روسلا تحقيق الانتصارات بسلاسة.
‘قالوا إن المباراة قد تمتد حتى أربعة أيام إن دخلت وقتًا إضافيًا….لكن بهذا المستوى، ستنتهي خلال ثلاثة أيامٍ على الأكثر.’
فالمباريات التي تلت لم تكن تستحق حتى مناقشة مصير الفوز، ناهيك عن الوصول إلى وقتٍ إضافي.
“يا إلهي! اللاعبة رامية السيف! هذا الأداء لا يمت بصلةٍ إلى سجلها السابق! إنها تطيح بكل من تواجهه!”
كانت معظم مباريات روسلا، رامية السيف، تُحسم بضربةٍ واحدة.
فإذا بادر الخصم بالهجوم، اندفعت إلى داخل نطاقه وضربت نقاطه الحيوية لتحسم النزال، وإن حاول الخصم التباعد والمراوغة، ألقت سيفها لتصنع ثغرةً وتنقض.
كان ذلك أسلوب قتالٍ بالغ الكفاءة، نتاج التدريب الذي تلقته مني، ونتيجة منازلاتها مع إيفان.
‘مستوى اللاعبين أقل مما توقعت.’
وهي تفوز بهذه السهولة، شعرتُ بالذنب تجاه روسلا دون داعٍ. حتى خطر ببالي أنني لو علمتُ أن الأمر سيكون بهذه السهولة، لما أرهقتها بتدريباتٍ قاسية إلى هذا الحد.
“نعم، انتهت المباراة! وبذلك يُختتم اليوم الأول من مباريات الحلبة!”
وهكذا انتهى اليوم الأول.
بلغ عدد اللاعبين المسجلين رسميًا في البطولة ثمانية، من ضمنهم روسلا، وقد تأهلوا جميعًا بطبيعة الحال إلى الأدوار العليا.
كما تأهل أربعةٌ وعشرون مشاركًا من العامة، ليكتمل جدول المنافسات باثنين وثلاثين متنافسًا.
‘يقولون اثنان وثلاثون، لكن المشاركين من العامة مجرد إضافات.’
كان واضحًا من جدول المواجهات أنهم حرصوا على ألا يُقصى جميع المشاركين من العامة دفعةً واحدة.
ومن الآن فصاعدًا ستختلط المواجهات، وبحلول نصف النهائي تقريبًا، لن يبقى سوى اللاعبين المحترفين.
“هيا، لنعد أدراجنا.”
“نعم، صاحبة السمو!”
نهضتُ من مقعدي برفقة الموظفين وتحت إرشاد ليرفيل. وبينما كنا نغادر ساحة القتال، شعرتُ فجأةً بهالةٍ غريبة فتوقفت.
‘ما هذا؟ الآن تحديدًا؟’
أدرتُ رأسي أبحث حولي، لكن بسبب ضجيج الجمهور المتجمع حول اللاعبين، تلاشت تلك الهالة في لحظة.
‘كانت هالةً شديدة الشؤم….ومقززة.’
شعورٌ يشبه المرور بجانب مجرى مياهٍ عادمة تفوح منه رائحة القاذورات.
لكن ما وقع عليه بصري لم يكن سوى الحشود الكثيفة والعربات التي تنقل معدات اللاعبين.
“….هل كان مجرد وهم؟”
يبدو أن ليرفيل سمعت همستي، فاقتربت مني.
“هل هناك ما يزعجكِ، صاحبة السمو؟”
“لا شيء. لنعد.”
“نعم! أظن أنه من الأفضل أن نخرج من الجهة الأخرى.”
“ولِمَ؟”
“هناك عند هذا المخرج….أحم، أحد أبناء العائلات النبيلة القبيحين يثير جلبة. الطريق مزدحم، فلنذهب من مكانٍ آخر.”
‘كانت على وشك أن تلحقها بكلمة ’ذلك الوغد‘، أليس كذلك؟’
لا بد أنه أحد أولئك النبلاء الذين سخروا مني سابقًا. فتجاهلت الأمر وتابعت السير.
وفي اليوم التالي، اليوم الثاني من مباريات الحلبة. الأدوار النهائية التي سيبقى فيها أربعة لاعبين فقط.
واصلت روسلا في أولى مباريات اليوم زحفها المنتصر.
كان خصمها هذه المرة قويًا إلى حدٍ ما، فلم تُحسم المباراة بضربةٍ واحدة، وإن لم يصمد لأكثر من دقيقة.
“يا، يا إلهي! لا أحد يستطيع إيقافها، رامية السيف! تنتزع النصر من حامل لقب البطولة السابقة! هل ستُختتم مسيرتها التي امتدت لعقودٍ في الحلبة بلقب اليوم؟ إنه حقًا ظهورٌ ذهبي!”
يبدو أن المذيع هو الآخر اندمج تمامًا مع رامية السيف، فراح يصنع لها حكايةً ملحمية من تلقاء نفسه.
‘يعجبني هذا. سأسامحه على وقاحته بالأمس.’
ولم أكن الوحيدة التي فكرت بذلك. فقد هزّت ليرفيل، الواقفة خلفي، رأسها وهمست،
“تستحق ختمًا واحدًا.”
أي ختم تقصد؟ و لم أرغب في السؤال.
‘لكن الأمر غريب. إن كان مستوى اللاعبين بهذا الضعف، فكان من المفترض أن تفوز روسلا مرةً واحدة على الأقل.’
فاللاعبون المسجلون في الحلبة لا يشاركون في كل بطولة. إذ تُقام أكثر من عشر بطولاتٍ كبيرة وصغيرةٍ في السنة، فيتناوبون المشاركة.
وكان مستوى روسلا سابقًا دون المتوسط بقليل. فلو كانت البطولة مليئةً بالمشاركين من العامة، لكان بإمكانها، مهما كانت ضعيفة، أن تحرز اللقب مرةً واحدة على الأقل….هذا ما ظننته.
ومع ذلك، لم تفز روسلا قط. ومهما كان مستواها متواضعًا، لم تكن ضعيفةً إلى هذا الحد.
‘لا بد أن هناك فخًا ما….’
لكن من غير المعقول أن ينصبوا فخًا واضحًا أمام أعين أميرةٍ إمبراطورية.
وبينما أتابع المباراة وأنا غارقةٌ في هذه الأفكار.
‘….ها هي مجددًا، هذه الهالة.’
الهالة المقززة التي شعرت بها عند خروجي بالأمس اندفعت من مكانٍ ما.
كانت القشعريرة شديدةً إلى درجة أن جلد ذراعي داخل المعطف انتفض.
“ليرفيل.”
وبسبب الغطاء الذي يضيق مجال رؤيتي، ناديت ليرفيل.
“نعم، صاحبة السمو؟”
“هل تلاحظين أي شيءٍ غريبٍ حولنا؟ متسلل، أو غرضٌ مريب….”
وبعد لحظة، أجابتني ليرفيل بصوتٍ متردد.
“لا أرى شيئًا من هذا القبيل. هل أستدعي أحد الموظفين؟”
“لا، لا داعي.”
ساورني شعورٌ سيئ. فأعدتُ ليرفيل خطوةً إلى الخلف، ثم تفحصت الساحة مجددًا.
‘الناس كُثرٌ جدًا….من الصعب تحديد المصدر. أين أنتَ بالضبط؟’
وبينما كنتُ أتنقل ببصري بتركيز.
“حسنًا! إذًا، أولى مباريات دور الستة عشر! رامية السيف تدخل الساحة!”
‘….لماذا؟’
ومع ظهور روسلا، اتضح لي مصدر تلك الهالة.
‘لماذا تحملين ذلك؟’
روسلا، التي كانت تقدم أداءً مثاليًا حتى المباراة السابقة، دخلت الساحة مترنحة، وكأنها ثملة.
كان الناس يتهامسون ظنًا منهم أن قواها البدنية قد نفدت، لكنني كنتُ أعرف السبب.
‘إنها مشبعة بقوة مقدسة.’
السيف الذي كانت تمسكه بيدها كان يرشح بقوةٍ مقدسة.
وعندما دققتُ النظر، لم يكن السيف وحده. فالدرع، والحذاء، والدرع الواقي، كلها كانت على الحال ذاته.
حقيقة تلك الهالة المقززة التي شعرت بها كانت هي المعدات التي تحملها روسلا.
‘كلها معداتٌ تُعطى من قِبل الحلبة.’
حرصًا على العدالة، تستخدم الحلبة معداتٍ متطابقة للجميع، وبالطبع هي من توفرها.
عندها فقط أدركت أن مصدر الهالة التي شعرت بها أمس كان العربة التي تحمل تلك المعدات.
‘لماذا؟ لماذا يعطونها فجأةً أسلحةً كهذه؟ بهذا الشكل، لن يتمكن شخصٌ مثل روسلا من استخدام قوته….’
في تلك اللحظة، مرّ في ذهني الحوار الذي دار بيني وبين روسلا.
“قالوا أنه إن تخلت عن الفوز، فسيغيرون العقد إلى عقدٍ آخر.”
“وأي عقدٍ هذا؟”
“لا أعلم على وجه الدقة….قال أن له رئيسًا، وعليّ أن أصبح تابعةً له.”
عقدٌ غريب عُقد في منجمٍ مهجور، بلا هدفٍ واضح. كبرياء روسلا الذي كان ينكسر مع تتابع الإخفاقات.
وقدرات بابان شي كانت، امتصاص الدم، التنكر، والسيطرة على العقول.
عددٌ لا يُحصى من الخيوط اندفع ليتشابك في رأسي.
‘كيف لم أدرك هذا حتى الآن.’
اطمأننتُ لأننا في عالم البشر. كان خطئي أنني افترضتُ أن البشر لا يشعرون بالطاقة السحرية، وبالتالي لن يميزوا غير البشريين.
وكان خطئي أنني اعتقدتُ أن النبيل الذي عرض هذا العقد لا بد أن يكون “إنسانًا”.
‘كنتُ أفكر فقط في ضرورة إخفاء حقيقة روسلا. لكن العكس هو الصحيح. كان الأهم هو كشف هوية الطرف الآخر.’
وبمجرد أن انحلت عقدةٌ واحدة، بدأت قطع اللغز تتطابق تباعًا.
كيف استطاع ذلك النبيل أن يستهدف بدقةٍ المنجم المهجور الذي يعيشون فيه بابان شي ويشتريه؟
خصائص البابان شي، الذين يعيشون تحت الأرض، أمرٌ يستحيل على البشر معرفته، ناهيك عن تحديد مواقع اختبائهم السرية.
احتمال أن يكون هذا مجرد صدفةٍ ضعيفٌ إلى حد الاستحالة.
ولِمَ عقد شرط “إن أردتِ الاستسلام فكوني تابعة”؟
لو كان يحتاج تابعًا حقًا، لكان من الأسهل تهديدها بأخذ عائلتها رهينةً بدل هذا الالتفاف المرهق.
كانت العملية كلها توحي وكأنه يتعمد زرع شعور الهزيمة في الهدف.
وعندما ربطتُ كل تلك الشكوك والقرائن، كان الطرف الأكثر منطقيةً ليكون صاحب العقد هو….لا، ليس شيطانتً. بل بابان شي.
من نفس الفصيلة التي تنتمي إليها روسلا.
بابان شي يعرف موقع المخبأ، ويدرك خصائص العِرق، ويسعى إلى غسل دماغ روسلا بتحقيق شرط “زرع الهزيمة”.
إنه فردٌ من العِرق نفسه يحاول استعباد فردٍ من بني جنسه.
كان من الممكن ملاحظة الأمر منذ وقتٍ مبكر. لو وُجدت إشارةٌ واحدة فقط، ضئيلةٌ جدًا، لكنتُ كشفتُ هذا السر.
‘لو أنني فكرتُ قليلًا فقط في سبب تعرض بابان شي للهجوم.…!’
عضضتُ شفتي.
وكأن همومي لا تعني شيئًا، بدأ خصم روسلا يضغط عليها بثقة.
“آه—! هل تسقط رامية السيف؟! أيمكن أن تكون هذه النهاية ذاتها هذا العام أيضًا؟! عادتها المؤسفة في الانهيار عند كل مباراةٍ حاسمة.…!”
‘لا. هذه مباراةٌ يجب على روسلا أن تفوز بها.’
هذا ليس مستوى روسلا الحقيقي. أنا، من علمتها، أعرف ذلك أكثر من أي أحد.
ولأنها لم تخض حرب عالم الشياطين، ولم تتعرض من قبل للقوة المقدسة، فهي تظن ببساطةٍ أنها تخسر لأنها غير كفؤة.
حتى أنها كانت ترتكب أخطاء غير مفهومة كلما وصلت إلى مباراةٍ مهمة.
‘ليس الأمر كذلك. هزيمتكِ مُدبَّرة.’
سال الدم من شفتي التي كنتُ أعضها. وفي اللحظة نفسها، رأيت قطراتٍ شفافة تتساقط تحت خوذة روسلا.
إنها تخسر مرةً أخرى. الهزيمة ذاتها التي تكررت لعقود.
تسقط دون أن ترد جميل من ساعدها.
‘لا. لا يمكنني السماح بنهايةٍ كهذه.’
من يتوق بصدق، يجب أن تُمنح له الفرصة. ومن بذل الجهد، يجب أن يُجازى.
ولأجل إثبات هذه المسلّمة بنفسي، اخترتُ أن أعيش كإنسانة. لذلك، لن أقف متفرجةً على هزيمة أحد أتباعي.
“ليرفيل.”
“نعم؟”
“حضّري مناديل. أكبر عددٍ ممكن.”
تركتُ ليرفيل بعينيها الممتلئتين بعلامات الاستفهام، وبدأت أتمتم بالتعويذة ببطء.
[أيتها الظلال.]
كان الهدف هو الحلبة بأكملها.
كان لا بد من إثارة فوضى كبيرة كفايةٍ لإيقاف المباراة.
بعد زمنٍ طويل، بدأت طاقتي السحرية تتدفق، والظل تحت قدمي ينتظر أوامري.
[اقلبوا كل شيء.]
وانقضّ الظل على الحلبة.
_____________________
وناسه بتفوزها بالواسطه✨
بس صدق ماتوقعت الي جاي ياخذ اهل روسلا نفسهم؟ طيب ليه اصلا؟ وهم بعد مايقدرون يحسون بالي نفس جنسهم؟ غريبه
المهم يوم قالت لليرفيل جهزي منديل متجهزه البنت للدم😭
التعليقات لهذا الفصل " 19"