مرّ الوقت سريعًا، وبسلاسة.
ولحسن الحظ، ارتفع مستوى روسلا حتى بلغ الدرجة التي كنتُ أعدّها ضمن دائرة الفوز. و بهذا المستوى، ما لم تواجه خصمًا فائق المهارة، ففوزها كان شبه محسوم.
حتى القاتل إيفان، بعدما رأى مهارة روسلا تحدّث،
“هذا مستوى يؤهّل للفوز؟ لقد جعلتِها في مستوى فرسان الحرس تقريبًا.…”
في نظري ما زال ينقصها الكثير، لكن بعين البشر بدا الأمر أكثر من كافٍ.
وهكذا، وبعد انتهاء التدريب، أعدتُ روسلا إلى ساحة القتال، على أن تركز في ما تبقى من الوقت على تدريب التحمل، وعلى تثبيت عزيمتها.
وقبل أن تغادر القصر المنفصل، تحدّثت بوجهٍ يكاد يبكي،
“سأعود حتمًا وأنا أحمل ميدالية الفوز.”
“آه، أ- أجل.”
في الحقيقة، كنتُ أنوي أن أقول لها أنه إن فازت فبإمكانها العودة إلى حيث عائلتها، لكن لساني لم يطاوعني.
ومن ناحيتي، لم يكن سيئًا أن أحصل على تابعةٍ يمكن الاعتماد عليها.
أما الإمبراطورة، التي ساعدت في هذا الحدث من وراء الكواليس، أرسلت إشارةً عبر إحدى الوصيفات، قائلةً أن الوقت قد حان للوفاء بالوعد.
‘بعد انتهاء الحدث، في مأدبة رأس السنة، قفي إلى جانبي لا إلى جانب السيد لوريل….أليس هذا ما قيل؟’
ومن المرجح أنها تخطط لوضع لوريل إلى جانب جينا.
وبما أنها أرسلت وصيفةً بنفسها، بدا أن الوضع وصل إلى مرحلةٍ لا حاجة فيها لمراعاة نظر الإمبراطور.
أي أن الإمبراطور يوافق ضمنيًا على خطة الإمبراطورة.
‘كنتُ أظن أن لوريل سيحاول الاقتراب مرةً واحدة على الأقل، لكن على غير المتوقع، كان هادئًا جدًا.’
في ذلك اليوم الذي ذكرتُ فيه اليد السوداء، وقبيل الوداع، تحدّث وهو يحييني،
“أتمنى أن تتاح لنا لقاءاتٌ متكررة، يا صاحبة السمو.”
“ألم تقل أنكَ مشغول؟”
“أنا لا أحب الاستسلام.”
أي أنه لن يتخلى عن الشك، هذا ما كان يعنيه.
فلوّحت له بيدي وكأن الأمر لا يعنيني، و ابتسم ابتسامةً عريضةً وغادر.
وللعلم، فإن ليرفيل، التي رأت المشهد، كانت في غاية الحماس.
“كما توقعت! لا بد أنه يحب سمو الأميرة! آآه! يقول أنه لا يستطيع الاستسلام!”
و حاولتُ أن أشرح لها أن المعنى ليس كذلك، لكن عقلها كان قد غرق بالفعل في حديقةٍ من الزهور.
ومن المؤكد أنها كانت تتخيل “حبًا قدريًا بين ساحرةٍ سوداء ونبيلٍ ذو شعرٍ أسود”.
على أي حال، مضى الوقت سريعًا، وأشرق أخيرًا صباح يوم إقامة ساحة القتال.
كان الجو باردًا، لكن الشمس مشرقة، طقسٌ مثاليٌ لافتتاح الحدث.
توجهتُ إلى ساحة القتال مرتديةً حجابًا يغطي عيني. و لم أرتده عبثًا، بل كي لا أزيد من عناء موظفي الساحة.
“يا إلهي، أهذه هي تلك الأميرة؟”
“لا تنظروا في عينيها. يقولون أنكم ستُلعنون….”
لو كشفتُ عينيّ بلا مبالاة، لاضطر الموظفون المكلّفون بتنظيم الجمهور إلى بذل جهدٍ مضاعفٍ لكبح من يطلقون عباراتٍ تقترب من إهانة العائلة الإمبراطورية.
فالعيون الذهبية في الإمبراطورية كانت تُعد رمزًا للشيطان.
كلّ النبلاء الجالسيو قرب مقاعد المنظمين، والعامة في المقاعد البعيدة، كانوا منشغلين جميعًا بمراقبتي.
منهم من كان يقلق بجديةٍ من أن صاعقةً قد تهبط من السماء، ومنهم من كان يبكي خوفًا من أن يُصاب بلعنةٍ ويتحوّل إلى وحش.
‘أشعر وكأنني مصابةٌ بوباء ما.’
هذا القدر من النفور كان يثير الدهشة.
في طفولتي، كان هذا يؤلمني، أما الآن فلم أعد أبالي كثيرًا.
“سمو الأميرة لا تُنزل مثل هذه اللعنات….”
لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك إلا بالنسبة لي. فليرفيل، التي كانت تتبعني من الخلف، أمسكت بطرف تنورتها بإحكامٍ وتمتمت بصوتٍ يكاد يبكي.
و شعرتُ بالامتنان لها لأنها تفكر بي، فابتسمتُ لها.
“خرجتِ مرتديةً ثوبًا جميلًا، فارفعي رأسكِ.”
مع أنها خادمة، فقد ارتدت فستان خروجٍ لائقًا كي لا تخجل وهي تخدمني.
“لكن….”
“قلت لكِ لا بأس.”
هدّأتها ثم جلست في مقعد المنظمين، وهو مقعدٌ فخم يطل على ساحة القتال كاملة. وكانت زخارف المقاعد تحمل شعار العائلة الإمبراطورية.
‘قيل أن أفراد العائلة الإمبراطورية يتولون دائمًا دور المنظم في المباريات الكبرى، كرأس السنة أو النهائي.’
وبما أن هذه الرياضة كانت الأكثر شعبيةً في الإمبراطورية، فلم يكن ذلك مستغربًا.
مع أن تولّي أميرةٍ لهذا الدور كان سابقةً هذه المرة.
“حسنًا، فلنبدأ أخيرًا انطلاق ساحة رأس السنة!”
وبينما كنتُ أتفقد الأرجاء، بدأ الحدث. وسط هتاف الجمهور الصاخب، بينما اقترب أحد الموظفين المسؤولين عن منصة التنظيم وتحدّث بحذر،
“كما أُبلغنا، سيُعزف النشيد الإمبراطوري قريبًا، وبعد ذلك-”
“أتذكر ترتيب الفقرات كاملًا، فلا حاجة لشرحه.”
“نعم، نعم!”
كان يرتجف وهو يشرح، ما أثار شيئًا من الشفقة. فابتسمتُ له ابتسامةً خفيفة،
“لا بد أنكَ تعبتَ كثيرًا بسبب الشائعات. بعد الانتهاء، خذ قسطًا وافرًا من الراحة. وقد أعددنا لكَ مكافأةً اليوم، فاحرص على استلامها.”
“شكرًا جزيلاً.”
فتح عينيه بدهشة، كأنه لم يتوقع أن ينال مثل هذا الثناء. ثم استعاد وعيه، وأخذ يومئ برأسه مرارًا وهو يغادر.
وقرب المخرج، بدا عليه الحماس وهو يتحدث مع زملائه، وكأنه يخبرهم بشأن المكافأة.
‘مع أن المال ليس من جيبي.’
بل كان مالًا وعدت الإمبراطورة بتقديمه. فأين لي بالمال أصلًا؟
‘لحظة، بالمناسبة، كنتُ قد استدنتُ مالًا من لوريل أيضًا.’
لم أسدد بعد المال الذي اقترضته لدعم روسلا.
‘حسنًا، يمكنني سداده يومًا ما.’
وبما أنه قرضٌ بلا فوائد، فلم يكن مدعاةً لقلقٍ كبير.
وبينما كنتُ غارقةً في هذه الأفكار، حان دوري لإلقاء الكلمة الافتتاحية.
كان اللاعبون قد اصطفوا في وسط الساحة ينظرون نحوي، وفي آخر الصف رأيت روسلا ترتدي درعًا أساسيًا بسيطًا ومهترئًا.
“حسنًا، إذاً، المنظِّمة لهذا الموسم من الساحة هي، أ- أُمم— سمو الأميرة ديانا ريفيون!”
تردد المذيع قليلًا، وكأنه يفكر طويلًا إن كان يجوز له نطق الاسم، ثم ناداني. و كان التلعثم في اسم أحد أفراد العائلة الإمبراطورية تصرّفًا فظًا للغاية، لكنني لم آبه.
غير أنني حفظتُ اسمه.
‘كان المذيع ابن أسرةٍ نبيلة، أليس كذلك؟ قيل أنه من بيت كونتٍ مهووسٍ بالترفيه….سنرى لاحقًا.’
نهضتُ ببطءٍ من مقعدي، وفتحتُ فمي مخاطبةً الجمهور.
“أود أولًا أن أرفع خالص الشكر والامتنان إلى شمس الإمبراطورية، جلالة الإمبراطور برنارد، على إتاحة هذا المقام. وقبل انطلاق هذا الحدث…”
توالت كلمةٌ افتتاحية تقليدية ومملة. و كنتُ أعلم أن لا أحد يهتم، لذا هممتُ بإنهائها على عجل.
“حتى أنها جاءت وهي تضع حجابًا، لا تعرف معنى الخجل.”
“وماذا عساها تفعل؟ إن تسببت بحادثٍ آخر وأُصيب أحدٌ ما.…”
“فُه، كعههه.”
من جهة مقاعد النبلاء بدأت السخرية والهمس اللاذع يتسربان.
ومن النظرة الأولى كان واضحًا أنهم أبناء نبلاء كبار. لا يجرؤون على سبّ الإمبراطور أو بيت الوزير، لكن أميرةٌ ملعونة؟ تلك منزلةٌ يمكن النيل منها همسًا دون عقاب، تمامًا هذا النوع من الوقاحة.
تابعتُ دوري كمُنظِّمةٍ متجاهلةً الأمر، غير أن ضحكاتهم أخذت تنتشر في أرجاء المدرجات.
“آه، يالها من قشعريرة….أظنني لمحتُ للتو عينيها الصفراوين.”
“ولِمَ هذا الفستان البائس؟ موضةٌ قبل عشرين عامًا. قديمٌ لدرجة أنها تبدو كالجدة.”
الانتقادات الممزوجة بالمزاح كانت تنتشر كالوباء. وسرعان ما غُمرت كلماتي في ساحة القتال، وحلّت محلها الضحكات الساخرة.
‘طفوليون.’
السخرية من فردٍ من العائلة الإمبراطورية جريمةٌ كبرى تستوجب السجن في الأحوال العادية، لكن في مناسبةٍ احتفالية كرأس السنة لم يكن ممكنًا فعل ذلك.
‘وفوق ذلك، حتى الجنود الذين أعارتهم الإمبراطورة من القصر الإمبراطوري يقفون صامتين.’
العامة الذين كانوا يراقبون الموقف تجرؤوا بدورهم، إذ رأوا الجنود لا يُبدون أي رد فعل، فارتسمت الابتسامات على شفاههم. وكأن القصر نفسه منح الإذن بأن السخرية بهذا القدر ليست ذنبًا.
كنتُ أرى بوضوحٍ أي نبلاءٍ أشعلوا هذا الجو، لكن لم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا.
حتى بات وضعي، العاجزة عن الرد رغم هذا الاستخفاف، مثيرًا للسخرية بحد ذاته.
‘فلننتهِ بسرعة.’
هذه الأحكام ستزول يومًا ما، لذا لم أشعر بغضبٍ شديد.
واصلتُ الكلام متجاهلةً الأمر، وعندها وقعت عيناي على روسلا.
“….…”
كانت تنظر إليّ وهي تقبض على قبضتيها بقوة. و كانت هالتها العدائية شديدةً إلى حد أنني شعرتُ بها رغم المسافة. أما اللاعب الواقف إلى جوارها فكان يرتجف رعبًا.
‘ليس هذا هو المكان الصائب لتبديد طاقتكِ.’
ومع ذلك، أن يغضب أحدٌ من أجلي كان أمرًا مفرحًا بحق.
وقد شعرتُ بهذا الفرح من خلفي أيضًا، وإن كان ممزوجًا بقليلٍ من الرعب.
“أوغادٌ ملعونون.”
“.……”
“سأحفظ وجوهكم جميعًا. لا، لقد حفظتها فعلًا.”
يبدو أن غضب ليرفيل تجاوز حدوده، إذ كانت تطحن أسنانها وتتمتم بالشتائم.
كانت تلك الشتائم، بلهجتها الفظة والقاسية، أشد فتكًا من أن تُوصف بالكلمات، حتى أن ظهري اقشعر وتصبب منه العرق البارد، وأنا التي لم أتحرك حتى أمام قاتل.
لو كان هناك سحر لعناتٍ يُلقى بالشتم، لكان هذا هو بعينه.
“سأمزقهم إربًا.”
تظاهرتُ بتجاهل ليرفيل.
وبطريقة ما أنهيتُ الكلمة الافتتاحية، وأعلنتُ بدء الحدث.
“…تحت الشمس، أتمنى أن تكون المنافسات آمنةً وممتعة.”
“نعم، نعم—! شكرًا على الكلمة الافتتاحية!”
لحسن الحظ، بدا أن المذيع كان فطنًا، فسارع إلى تهدئة الفوضى في القاعة ومتابعة سير الحفل.
_____________________
ليرفيل تجنن 😭😭😭 شخصيتها لا تحولت حلوه
اما لوريل واضح يكره العايلة الامبراطوريه فشف ديانا منفصله عنهم خذها معك😔
وروسلا دامس معصبه فوزي حل ندعسهم! قوووووه
المهم ابي لوريل يرفض يوقف مع جينا ويرفش عرض الامبراطوره ويزرح مع ديانا ✨ وينقهرون ✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"