“بالطبع، بقدرتي لا يمكن فرضُ ولاءٍ كامل. على الأرجح لن يتعدّى الأمر منعه من الكذب أمام سموّكِ، وزرع إيحاءٍ يمنعه من تسريب المعلومات-”
“هذا يكفيني.”
ومع ذلك، شعرتُ بنفورٍ من فكرة إبقاء شخصٍ آخر إلى جانبي، غير روسلا التابعة لي، وليرفيل الطيبة.
فكيف إذا كان ذلك الشخص قاتلًا مأجورًا حاول قتلي؟
‘لو كان ذلك في زمن أسمودينا، لما تحاورتُ معه أصلًا وقتلته فورًا.’
لكنني الآن إنسانة. وكان الصواب أن أتصرف بعقلية البشر، لا بعقلية الشياطين.
‘حتى لو خانني لاحقًا، فلن يُلحق ضررًا كبيرًا إن استُخدم كمصدرِ معلوماتٍ فحسب. فهو لا يعرف حقيقتي، كما أن إيحاءات بابان شي لا يمكن للبشر فكّها. بل لعلّ ضمَّه تابعًا ثم استمالته تدريجيًا لاستخراج معلوماتِ من يقف خلفه…’
ازدادت أفكاري تعقيدًا. فشبكتُ ذراعيّ وأطلقتُ زفرةً عميقة.
“….أعتذر، سموّ الأميرة. إن كنتُ قد تجاوزتُ حدّي، فيمكنكِ تجاهل كلامي….”
“لا، روسلا. لا تعتذري. أعلم أنكِ قلتِ هذا من أجلي.”
بل كانت تستحق الثناء. فلو كنتُ مكانها، لتصرفتُ بغرائز الشياطين دون تردد.
‘فكّري فيه كمرتزقٍ اشتريتِه بالمال.’
رغم النفور من معاملة البشر كأدواتٍ بلا مشاعر، إلا أن ذلك كان استعدادًا لا بدّ منه للعيش كأميرة.
‘إن كان قادرًا على خداع الإمبراطورة، فلا بدّ أن يكون نافعًا.’
وبعد أن حسمتُ أمري، سألتُ روسلا.
“لكن، روسلا، أنتِ تعلمين أن لقدرتكِ شروطًا، أليس كذلك؟”
“نعم، بالطبع.”
قدرات بابان شي قوية، لكن سبب ازدرائهم في عالم الشياطين كجنياتٍ ضعيفاتٍ كان واضحًا.
لتفعيل القدرة، لا بدّ من مواجهةٍ عادلةٍ تكسر إرادة الخصم القتالية. لا يهم شكل التحدي، المهم أن يعترف الخصم بالهزيمة من أعماقه.
وفي عالمٍ يكون فيه القتال أمرًا يوميًا، كان ذلك شرطًا بالغ الصعوبة على بابان شي ضعيفي القتال.
‘إن صحّ التعبير، فهي أقرب إلى الإغواء منها إلى غسل الدماغ.’
“إن خسرتِ، يُلغى هذا الطلب. وإن أصبح الموقف خطرًا حقًا، سأتدخل.”
“بالطبع. إن حدث ذلك، فلن أُثقل كاهل سموّكِ أكثر.”
‘لم أقصدها بهذا المعنى.’
وما المشكلة في أن تخسر أمام قاتلٍ مأجور؟ يمكنها أن تتدرب مجددًا وتزداد قوة.
لكن الحزم الذي شعرتُ به من روسلا كان شديدًا، لدرجة أنني لم أشأ التدخل، فتراجعتُ خطوة.
“أنتَ هناك، أيها القاتل.”
“ها؟”
“سأقبل صفقتكَ. لكن بشروط.”
تلألأ الأمل في عينيه، وكأن الحياة عادت إليهما.
“قوليها!”
“أولًا، أن تخوض المبارزة بكل جدية. ثانيًا، إن هُزمتَ، تتقبّل مصيركَ بصمت.”
“هاه؟ هذا أمرٌ بديهي.”
“ثالثًا، إن هُزمتَ، ستُفصح عن كل ما تعرفه.”
“…….”
أطبق فمه بإحكام. و في عينيه تصميمٌ على الصمت حتى الموت، فطمأنته،
“لا أطلب منكَ كشف معلومات موكّلكَ. بل معلوماتكَ أنتَ—اسمكَ، عمركَ، وما شابه.”
“….ولمَ تحتاجين إلى ذلك؟”
“لأنني لا أحب العمل مع شخصٍ لا أعرف حتى اسمه.”
كانت كذبةً بالطبع. كان ذلك مجرد وسيلةٍ لفتح قلبه، لتتمكن روسلا من استخدام قدرتها بسهولة.
و بعد تفكيرٍ طويل، أومأ موافقًا.
‘يحفظ معلومات موكّله كأنها أغلى من حياته، لكنه يكشف أمره الشخصي بسهولة.’
كان ذلك أمرًا محبّبًا. يبدو أن للقتلة المأجورين أخلاقياتٍ مهنيةً خاصة بهم.
“إذًا استعد. سنبدأ فورًا.”
“حسنًا.”
ابتعدتُ قليلًا لأقوم بدور الحكم. وقبل أن تبدأ المبارزة، تحدّثتُ لروسلا،
“روسلا، نصيحةٌ أخيرة. لا تنسي الفرق بين المبارز والقاتل.”
“مفهوم.”
بدت وكأنها لم تفهم تمامًا، لكنها أومأت عازمةً على الأخذ بها.
وقف الاثنان وجهًا لوجه، وكلٌّ منهما قابضٌ على سلاحه. وكما هو متوقع، كانا كلاهما بسيوفٍ حقيقية.
أمسك الرجل بسلاحه الخاص، بينما أمسكت روسلا بسيف الجندي الذي كنتُ قد جهزته مسبقًا.
“حسنًا، إذًا—”
رفعتُ يدي وهتفتُ،
“ابدأوا.”
وتصادمت السيوف في اللحظة نفسها.
***
وهي تتصدى بصعوبةٍ لسيلِ ضربات الرجل المتلاحقة، فكّرت روسلا،
‘هذا القاتل….ليس خصمًا سهلًا.’
قالت ديانا أن الفارق بين مهارتهما ليس كبيرًا. لكن روسلا شعرت أن ذلك لم يكن سوى كذبةٍ بيضاء قيلت لمواساتها. فالفجوة بينهما كانت أوسع مما يمكن وصفه.
“كخ.…!”
“هاه! ضعيفة! وتسمّين نفسكِ مبارزة؟”
صرخ الرجل بثقةٍ وهو يدفع روسلا إلى الخلف بلا رحمة.
كان قويًا إلى درجة أن روسلا كانت تحتاج إلى اثنتين مثلها لمجاراته. والشيء الوحيد المطمئن هو أن قوة روسلا المدعومة بالمانا كانت أعلى.
حتى إن خسرَت في السرعة، فعند اشتباك السيوف كانت قادرةً على تجنب الإصابة. لكن إن استمر الوضع على هذا النحو، فسقوط روسلا كان مسألةً وقت.
وبينما كانت تبحث يائسةً عن طريقةٍ للفوز، مرّ طيفُ ديانا أمام عينيها. نظرةٌ لا تحمل أدنى شكٍ في انتصارها.
‘سموّ الأميرة تؤمن بي.’
منذ متى لم ينتظر أحدٌ منها شيئًا؟
حتى بين أبناء بابان شي، كانت روسلا تُعدّ ضعيفة. يعود ذلك جزئيًا إلى ولادتها في عالم البشر لا في عالم الشياطين، وإلى أن أسلافها كانوا محاربين أقوياء خاضوا الحروب بعكسها.
لذلك، حين استولى البشر على المنجم المهجور، قالت لها عائلتها: “اذهبي. أنتِ الأقرب بيننا إلى البشر. يمكنكِ أن تعيشي وحدكِ تحت الشمس.”
كان ذلك نفيًا رقيقًا، دعوةً لتترك عِرق بابان شي وتعيش حياتها الخاصة، لكنه كان جرحًا عميقًا في قلب روسلا.
فالعائلة، وكأنها كانت تعلم أنها ستفشل، لم تعلّق عليها أي أمل.
‘أعلم ذلك. أعلم أن السبب هو ضعفي.’
لكنها كانت تريد سماع كلمةٍ واحدة. “نحن نثق بك. أنتِ قادرةٌ على النجاح.”
كانت تريد من يدفعها من الخلف، لا من يبعدها.
حتى حين غادرت المنجم المهجور، أوصتها عائلتها بالفرار. أن تتخلى عن اسمها، وعن عِرقها، وتعيش في العاصمة كمواطنةٍ إمبراطورية.
هم الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل حرية العِرق، لم يوصوا ابنتهم الضعيفة إلا بالهروب.
وكان ذلك يؤلمها. كانت تندم لأنها جعلتهم يقولون مثل هذا الكلام.
‘لذلك هذه المرة….يجب أن أرقى إلى مستوى التوقعات.’
للتخلص من شعور الهزيمة المُهين هذا، ولتنال اعترافها كبنتٍ لبابان شي، كان عليها أن تسقط القاتل المأجور أمامها.
‘بابان شي الذين أعرفهم لا يستسلمون. ولا يخفضون رؤوسهم لأعداءٍ يسعون لطردهم. إنهم محاربون عظام.’
كي لا تُخيّب أمل ديانا، التي انتشلتها من هوة اليأس. وكي تغيّر ذاتها المليئة بالهزائم، خطوةً بعد خطوة.
“هااااه!”
“أوغ.…!”
بدأت قوة روسلا تتعاظم تدريجيًا. لقد بدأت تعتاد على القوة التي تمنحها المانا.
و تفاجأ الرجل بتغير زخمها المفاجئ، فتراجع خطوةً إلى الوراء.
“مـ، ما هذا؟!”
لكن الرجل لم يكن ليتلقى الضربات بصمت. وكما كان لدى روسلا سببٌ لا بدّ أن تنتصر من أجله، كان لديه هو الآخر سببٌ يجبره على الفوز.
‘إن كنتُ إلى جانب تلك الأميرة، فسأرفع مكانة اليد السوداء حتمًا.’
بالطبع، كانت حياته ثمينة، لكن نهضة التنظيم لم تكن أقل أهمية.
اليد السوداء تنظيمٌ انهار مرةً في الماضي البعيد، ثم عاد إلى الوجود بشقّ الأنفس.
ولهذا، وعلى عكس منظمات الاغتيال والاستخبارات الأخرى، لم يكن يملك سوى الاسم والسمعة، بينما كان صغير الحجم ضعيف النفوذ.
وعلى عكس ما تبجّح به أمام ديانا، كان مستقبل اليد السوداء نفسه معلقًا بوجوده.
المهمات التي تصلهم كانت شديدة الخطورة، زهيدة العائد. وإن استمر الحال هكذا، فستختفي اليد السوداء مجددًا في غياهب التاريخ.
لذلك، كان بحاجة إلى سيّدٍ حكيم. قائدٍ يتمتع بالكاريزما، والقوة، وقادرٍ على إدارة اليد السوداء بكفاءة.
“منذ اللحظة التي قررتَ فيها قتلَ شخصٍ ما، كان عليكَ أن تعتبر نفسكَ في ساحة حرب.”
في اللحظة التي رآها فيها تنظر إلى عينيه وتحكم عليه بالموت كقائدٍ في ميدان القتال، أيقن.
‘بقية أفراد العائلة الإمبراطورية فاسدون، لكن تلك الأميرة مختلفة.’
وأيقن أن ديانا ستكون الشخص الذي يُطلق العاصفة القادمة.
وأن الركوب على هذه العاصفة لا يكون إلا بالوقوف إلى جانبها.
‘حدسي لا يخطئ!’
ولهذا، كان عليه أن ينتصر في هذه المبارزة. ليثبت نفعه لديانا، وينفض عنه وصمة المهنة الدنيئة، ويعيد بناء اليد السوداء.
‘بهذا….تنتهي!’
أطلق عشرات، بل مئات الاشتباكات المتلاحقة. وفي النهاية، كان الرجل هو من وجد فسحةً من الهدوء.
وبينما سددت روسلا ضربةً قوية كشفت عن ثغرة، شدّ الرجل ذراعه استعدادًا لتوجيه ضربته نحوها.
كان سيفه أقصر من سيف روسلا. وفي الوضع الطبيعي، لم تكن المسافة لتكفي….لكن—
‘لأن تخصصي ليس المبارزة بالسيف!’
لم يلوّح بسيفه، بل رماه نحو روسلا. فقد تجلّت موهبته الحقيقية في الرمي. ذلك الرمي الحاد الذي وُجّه سابقاً نحو ديانا، اندفع الآن باتجاه روسلا.
أدركت روسلا بغريزتها أنها لن تستطيع صدّ هذا الهجوم بسيفها. وفي تلك اللحظة.
“سأعطيكِ نصيحةً أخيرة. لا تنسي الفرق بين المبارز والقاتل.”
المبارز لا يترك سيفه. والقاتل معتادٌ على رمي سلاحه.
‘كما توقعت….إنها سيدتي.’
مرّت نصيحة ديانا في ذهنها كوميض.
ومن ينصت للنصيحة بصدق، لا بدّ أن تحين له فرصته يومًا ما.
____________________
حبيت ذا القاتل بسرعه وش اسمك
و روسلا تحزن مع اهلها☹️ هم يشوفون انهم انقذوها وهي تشوف انها انطردت😔
اما ديانا يحظها ذا القاتل فاز ولا خسر بيجي معها😂
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"