بعدَ صمتٍ طويلٍ أخيرًا، فتحت روسلا فمها بتلعثم.
“آه، قاتلٌ مأجور؟ ما معنى هذا.…؟”
أمّا الرجلُ الذي أُلقيَ القبضُ عليه، فكان يتمتمُ بكلماتٍ متلاحقةٍ مع نفسه.
“غيرُ معقول….كيف اكتشفتني؟ كان اختفائي كاملًا….كما في المرة السابقة….”
كان صوته مشبعًا بعدمِ التصديق.
الرجلُ الذي جُرَّ ليكون خصمَ تدريبٍ لم يكن يهمني أمره، لذا اكتفيتُ بشرحِ الموقف لروسلا بإيجاز.
“تسلّل فجأةً منذ هذا الصباح. ليس من جماعتنا، فلا داعي للمجاملة.”
كنتُ أراقبُ هذه الساحةَ الخاليةَ دائمًا، لكنّ ذلك الرجلَ كان دخيلًا ظهر اليوم فجأة.
“لكن….ألم تقولوا أنه يجب إخفاءُ قوتنا؟”
فهمستُ بصوتٍ خافتٍ كي لا يسمعه الرجل.
“لا بأس، لم أتحدث قط عن أصلي.”
“وماذا عن فنون السيف؟”
“أودّ إخفاءها أيضًا….لكنها ليست معلومةً خطيرةً كالأصل.”
ما دام القتلةُ المأجورون يأتون، فلم أكن أظن أن بإمكاني إخفاء مهارتي بالسيف إلى الأبد. لا بدّ أن تُكشف يومًا ما.
‘طبعًا، لكن ليس الآن.’
و تفحّصتُ الرجلَ بنظرةٍ باردة.
‘ثم إنّه لن يخرج من هنا حيًّا على أي حال.’
ولهذا تابعتُ التدريبَ أمام عينيه دون تردّد.
إن حاول العودة، كنتُ أنوي الإمساك بمؤخرةِ عنقه والتخلصَ منه قبل ذلك.
ولم أتعجل قتله فورًا فقط لأنني توقعتُ احتمالَ أن يأتي برفقةِ رفاقٍ له. و إن جاؤوا، كنتُ سأستجوبهم معًا.
“على أي حال، لا تقلقي. بعد انتهاء تدريبكِ، سأتولى الأمر.”
يبدو أن روسلا التقطت معنى كلمة “أتولى”، إذ اتخذت فجأةً تعبيرًا حازمًا.
“لا، سأفعلها أنا. لا داعي لأن تتسخ يدا سموّ الأميرة.”
“….إن كان هذا رأيكَ.”
“كلامٌ يبعث على الإعجاب.”
شعرتُ بإحساسٍ غريبٍ لسماعِ كلماتٍ مخلصةٍ كهذه بعد زمن، فضحكتُ بخفةٍ وربتُّ على كتف روسلا.
في المقابل، عبس القاتلُ المأجور الذي استشعر نيةَ القتل في روسلا ونظر إليّ بحدة.
“لا تقولا أنكما تناقشون مصيري؟”
“بلى.”
“سخيف. أتجرؤون عليّ؟”
“ومن تظنّ نفسكَ؟”
أُلقيَ القبضُ عليه خلال ثلاثِ ثوانٍ فقط، ومع ذلك يتحدث وكأنه أسطورةُ القتلة.
فاحمرّ وجهه الظاهرُ فوق القناع عند كلماتي.
“أنا….”
ثم بدا وكأنه سيقول شيئًا، لكنه أغلق فمه.
ظننتُ لوهلةٍ أنه سيبدأ بالتباهي بنفسه، لكنه لم يكن أحمقاً إلى هذا الحد. مع ذلك، أرى أن الوقوع في الأسر بهذه السهولة وحده كافٍ لاعتباره فاشلًا كقاتلٍ مأجور.
‘كان عليه أن يعضّ لسانه فور أَسره. قتلةُ عالم البشر ضعفاء فعلًا. في عالم الشياطين، هذا أمرٌ لا يُتخيَّل….آه، كفى.’
الاستغراقُ في تذكّر عالم الشياطين عادةٌ سيئة.
فهززتُ رأسي بخفة.
“روسلا هي من ستقرر مصيركَ. حاول أن تصمد.”
“هاه، تلك المرأة الجميلة فقط ستقتلني؟ مضحك.”
لم يُظهر أي رهبةٍ أمام جمال روسلا اللافت. و ذلك اليقين بالنصر أثار غيظها، فعضّت شفتها.
“لا بأس، روسلا. هو أقوى منكِ قليلًا، لكنكِ قادرةٌ على الفوز.”
“قليلًا؟ لا تضحكيني.”
في النهاية، يبدو أنه لم يعد قادرًا على التحمل، فرمى خنجره نحوي. لعلّه ظنّ أنني منشغلةٌ بروسلا.
“.…!”
لكن ذلك لم يجدِ نفعًا معي. فقد التقطتُ الخناجرَ الأربعةَ كلها بيدٍ واحدة. وبالنظر إلى أن كل خنجرٍ مغطّى بسمٍّ مختلف، بدا أنه قاتلٌ مأجورٌ دقيقٌ في عمله.
“لا تتجاوز حدّكَ. أستطيع قتلكَ الآن إن شئتُ.”
“غخ.…!”
إذ أدرك أن الخناجر لن تنجح، اندفع نحوي بكل جسده. فحاولت روسلا منعه بفزع، لكنني أبعدتها.
يبدو أنه كان عليّ ترويضه قبل بدء التدريب.
“كيسُ الملاكمة لا يحتاج إلى لسان.”
“كح!”
قبل أن يُخرج سلاحًا آخر، اندفعتُ إليه ووجّهتُ لكمةً إلى جذعه. و أضفتُ قدرًا ضئيلًا جدًا من المانا، لكنه كافٍ ليُشعر الإنسان العادي بألمٍ لا يُحتمل.
فجلس على الأرض وهو يتقيأ جافًا. وبفضل ذلك، انزلق قناعه، فكشف عن وجهٍ وسيمٍ على نحوٍ لافت.
شعرٌ أحمرُ داكن، عينانِ بنيتان، وندبةٌ طويلةٌ على خده تركت انطباعًا قويًا.
“اسمع جيدًا، أيها القاتل. ليس أمامكَ سوى خيارين.”
جلستُ القرفصاء أمامه ورفعتُ إصبعي.
“الأول، أن تموت على يدي سريعًا. الثاني، أن تصبح خصمَ تدريبٍ لروسلا، وتموتَ عند المساء.”
“هَه….هذا….كلاهما….موت.…”
“بالطبع. هل ظننتُ أنني سأطلق سراح قاتلٍ جاء وهو يبثّ نيةَ القتل؟”
لو كان جاسوسًا جاء لجمع المعلومات، لترددتُ في قتله. ففي القصرِ المنفصل كان أمثالُهم كُثرًا.
لكن من عزم على القتل، فالأمر مختلف.
فنظرتُ مباشرةً في عينيه،
“منذ اللحظة التي قررتَ فيها قتلَ شخصٍ ما، كان عليكَ أن تعتبر نفسكَ في ساحةِ حرب.”
“…..!”
ربما تسرّبت المانا، إذ بدأ جسده يرتجف بعنف.
‘الآن لن يجرؤ على التهوّر مجددًا.’
أدرتُ ظهري له وعدتُ نحو روسلا. و كنتُ على وشك أن أُصدر تعليماتٍ باستئناف التدريب حالما يستعيد وعيه.
“انتظري….لحظة. دعينا نعقد صفقة.”
ثم أوقفني الرجلُ وهو يناديني.
“يبدو أنكَ لم تفهم، فالمقايضة مع شخصٍ ميتٍ لا معنى لها أصلًا-”
“أنا مجردُ أداةٍ مُستأجَرة. إن فزتُ، فسأصبح حارسَكِ الشخصي.”
“وما هذا الهراء أيضًا؟”
نظرتُ إليه باستغراب، فردّ بنظرةٍ جادّة.
“سأُثبتُ أنني أفضلُ من تلك المرأة. وحينها، قُومي بتوظيفي.”
“وبماذا تريدني أن أثق؟”
“أنا من اليد السوداء للإمبراطورية. نحن لا نكذب أبدًا فيما يخص العقود. سأقسم إن شئتِ.”
اسم اليد السوداء لم يكن غريبًا عليّ. منظمة اغتيالٍ شرسةٌ من الماضي السحيق، تتناقلها حكاياتُ الإمبراطورية كأنها أسطورة.
“لا أحتاج إلى المال. سأخدمكِ بدلًا عن ثمن حياتي. بالطبع لا أستطيع كشف معلوماتٍ عن ربّ عملي السابق، لكنكِ ستحصلين بالمقابل على تابعٍ متميّز-”
واصل تفوّهه، فقطعتُ كلامه.
“كيف تطلب مني تصديق كلام شخصٍ يقتل الناسَ مقابل عمله؟”
“ذ، ذلك.…”
“يبدو أنكَ تفخر كثيرًا بانتمائكُ لليد السوداء، لكن قتل الناس من أجل المال فعلٌ دنيءٌ للغاية. أفق لنفسكَ.”
“د، دنيء.…”
فتح فمه على مصراعيه، وكأنه لم يتوقع سماع مثل هذا الكلام قط.
“كما قلت، لا خيارات أمامكَ. بدل إضاعة الكلام، وفّر طاقتكَ.”
“تبًا! فكّري بالأمر جيدًا! ستضمّين أفضل قاتلٍ مأجور في الإمبراطورية إلى صفوفكِ!”
وقد بدا أنه يأس من إقناعي، فرفع صوته فجأة.
“ستندمين! أنا رغم هذا أعدّ أنجح قاتلٍ في اليد السوداء! هل تعلمين كم من النبلاء يرتجفون لمجرد سماع سجلّ إنجازاتي؟”
“وما هو سجلّكَ هذا؟”
“ذ، ذلك لا أستطيع قوله!”
هل خرجت طبيعته الحقيقية حين ضاق به الأمر؟ فقد اختفى الوقار، وبدأ يتصرّف كطفلٍ مدلّلٍ يلحّ بعناد.
‘لا….إذا دققتُ النظر، يبدو صغيرَ السن فعلًا.’
لم ألحظ ذلك من قبل بسبب عبوسه، لكن وجهه بدا شابًا على غير المتوقع. كأنه بلغ سنّ الرشد حديثًا.
“هل تعلمين كم أنا ملمٌّ بتضاريس القصر الإمبراطوري؟ حتى القصر الرئيسي-”
“آه، يبدو ذلك. أنتَ من كان مختبئًا ملتصقًا بسقف الدفيئة، أليس كذلك؟”
“آه، كنتِ تعرفين؟”
فتح فمه بدهشةٍ مرةً أخرى.
كانت بنيته وحركاته مطابقةً تمامًا لذلك المتسلّل حينها، فكان من الطبيعي أن أتعرف عليه.
فعضّ أظافره وهو يتمتم، وكأنه لم يتخيل أن يُكشف أمره إلى هذا الحد.
“العثور عليّ حينها كان مستحيلًا أصلًا، ولم أتوقع أبدًا أن يُكشف أنني الشخص نفسه.…”
عندها سألتني روسلا بحذر.
“سموّ الأميرة، إذًا هذا هو الشخص الذي كان نِدًّا لحرس الإمبراطورة في المرة الماضية؟”
“نعم. وربما يكون أقوى قليلًا.”
“إذًا قولكِ أنني أستطيع هزيمته يعني.…”
“سأقولها بصدق. كما ذكرتُ، الفارق بينكِ وبينه ليس كبيرًا، وليس إلى حدٍّ يستحيل معه الفوز.”
غرقت روسلا في تفكيرٍ قصير، ثم ردّت وكأنها عقدت عزمها.
“سموّ الأميرة، لديّ طلب.”
“هم؟”
“ألا يمكنكِ قبول هذا الرجل تابعًا لكِ؟”
“ماذا؟ ولماذا؟”
اقتربت روسلا من أذني وهمست.
“أنتِ بحاجةٍ إلى أتباع، سموّ الأميرة. أنا وليرفيل وحدنا لا نكفي.”
“هذا صحيح، لكن.…”
“قاتلٌ قادرٌ على خداع عيون الإمبراطورة سيكون مصدرَ معلوماتٍ ممتازًا. وقد شعرتُ بذلك سابقًا، سموّ الأميرة تفتقر إلى المعلومات كثيرًا.”
يبدو أن روسلا خرجت بالكثير من الاستنتاجات من حديثي مع الإمبراطورة.
صحيحٌ أننا انتهينا بالتعاون معها نوعًا ما، لكن خطأٌ واحد كان كفيلًا بإعادتي إلى العزل مجددًا.
لو امتلكتُ المعلومات، لما وصلت الأمور إلى ذلك الحد.
“لكن.…”
كان في كلام روسلا منطق، ومع ذلك لم أستطع الوثوق تمامًا بالرجل أمامي.
“ه، هل ضعفتُ؟ لا يمكن….أنا من أكثر القتلة الواعدين….”
كيف لي أن أثق بشخصٍ يهمهم بكلماتٍ غريبةٍ وقد أصابته الصدمة؟
عندها أضافت روسلا مطمئنةً.
“سموّ الأميرة، هل نسيتم عِرقي؟”
“عرق روسلا….آه!”
عندها فقط تذكرت.
عرق روسلا، بابان شي. قدراتهم الأبرز هي امتصاص الدم، والتنكّر، و….
‘القدرة على غسل الدماغ.’
و في الجيوش، كان بابان شي يُعدّون محقّقين بارعين.
‘لحظة، أليس هذا تصرّفًا شيطانيًا أكثر من اللازم؟’
غسلُ دماغ جاسوسٍ من جيش العدو. راودني حينها شعورٌ غريب، كأنني عدتُ إلى وطني القديم.
___________________
طيب عادي يعني تفطسين عشان ماتسوين شي شيطاني؟ لا خليس جريئة!
المهم شكله هو المتلطم الي في المقدمة؟ يومه يقول نحط توابل؟ طلعت متفجرات✨ ياناس على الرقه🤏🏻
وشكله اصغر منها يعني مب البطل لأنه مافيه تصنيف بطل اصغر🙂↔️
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"