ما إن خرجتُ إلى الخارج حتى التحقتُ بليرفيل وروسلا اللتين كانتا تنتظران.
“أميرتي! قبل قليل مرّ من هناك شخصان مريبان.…”
“اتركيهما، لا شأن لنا بذلك.”
كنتُ أستطيع تخمين الجهة التي تقف خلف الجاسوس، لكن لا حاجة لشرح الأمر.
وبما أن هواء الليل كان باردًا، حثثتُهما على العودة سريعًا إلى القصر المنفصل.
“هل انتهى الأمر على خير؟”
في طريق العودة، سألت روسلا بحذر.
كانت تجهل الكثير عن القصر الإمبراطوري، ولذلك كان كل شيءٍ يثير فضولها.
“نعم، لم تحدث مشكلةٌ كبيرة. اتفقتُ مع الإمبراطورة على التعاون.”
“حقًا؟”
على عكسها، مالت ليرفيل برأسها بقلق. فهي تعرف الشائعات عني داخل القصر، والجميع يعلم أن علاقتي بالعائلة الإمبراطورية لم تكن جيدة.
فربّتُّ على كتفها مُطمئنة.
“توافقَت المصالح فحسب.”
ثم لخّصتُ لهما ما دار في اللقاء. و بعد أن سمعتا كل شيء، فتحت ليرفيل فمها بدهشة، بينما راحت روسلا تهزّ رأسها مرارًا وهي تتمتم: “كما توقعت.…”
“لماذا كل هذا الذهول؟”
“لا، أعني….أدركتُ أن الأميرات حقًا مختلفات….حتى سموكِ عظيمةٌ فعلًا.”
تمتمت ليرفيل بكلماتٍ غامضة.
“آه! إذًا ستنفصلين عن السيد لوريل؟ ألم تكن العلاقة بينكما جيدة؟”
“أنا؟ مع السيد لوريل؟”
فتحتُ عينيّ دهشة، فهزّت ليرفيل رأسها مرتبكة.
“كنتما تتبادلان نظراتٍ ذات معنى.…”
“ذلك.…”
هل ظنّت أن نظرات الحذر ومحاولة استكشاف النوايا كانت إعجابًا؟
ترددتُ لحظةً وأنا أبحث عن طريقةٍ للشرح، ثم تنهدتُ.
“لسنا على هذا النحو. لا تقولي مثل هذا الكلام في مكانٍ آخر، قد يُساء فهمه.”
“آه، نعم!”
لكي أربط جينا بلوريل، كان لا بد من تجنّب أي شائعةٍ غير ضرورية.
ثم هدّأتُ ليرفيل، التي راحت تعِدني مرارًا بالحذر في الكلام، وتوجّهنا إلى القصر المنفصل.
***
“المتسلل؟”
على عكس ظلام الخارج، كانت الدفيئة غارقةً في نورٍ ساطعٍ من الإضاءة السحرية.
تحدّثت الإمبراطورة تشيرسيل لحارسها الواقف في ظلّها،
“لا تقُل أنكَ لم تتمكن من الإمساك به؟”
“….أعتذر.”
انحنى الحارس المقنّع بالسواد بعمقٍ وهو يقدّم اعتذاره.
كان على جسده خدشٌ صغير. فنظرت الإمبراطورة إليه ببرودٍ ثم تنهدت.
“عديم الكفاءة. ربما كان عليّ إحضار أخيكَ بدلًا منكَ.”
“…….”
“غضّ الطرف عن إفلاته، لكن لماذا لم تنتبه أصلًا لوجود متسلل؟”
“لم أتوقع أن يكون قد تسلل إلى داخل الدفيئة مسبقًا. كان خطئي.”
“لا تفتح فمكِ إلا بالاعتذارات.”
نظرت الإمبراطورة إلى فنجان الشاي الفارغ. و كان الفنجان الذي أفرغته ديانا حتى آخر قطرة.
“احتمال أن يكون الجاسوس تابعًا للأميرة ديانا….ضعيف، أليس كذلك؟”
“نعم، لا سبب يدفعها لكشف هويته.”
لو لم تُشر ديانا إليه، لما شعروا بوجوده أصلًا.
“هل كانت تمثّل لتترك لنا دينًا؟”
“سأراقب القصر المنفصل. إن عاد المتسلل إلى هناك.…”
“لا، يكفي. لا أظن أن له علاقةً بتلك الفتاة.”
كان حدسًا. لم ترَ الإمبراطورة في ديانا شخصًا يستخدم حيلًا سطحيةً كهذه.
مدّت إصبعها إلى فنجانها الذي لم تشرب منه رشفةً واحدة، وحرّكت الشاي الفاتر ببطء، وهي تستحضر وجه ديانا في ذهنها.
“كانت جريئة….”
طفلةٌ غريبة، نزعت قناع الابتسامة منها وصدمتها بالصدق فورًا.
طوال عقودٍ في القصر الإمبراطوري، لم تقابل أحدًا مثلها.
كانت ديانا مختلفةً تمامًا عن جينا الحساسة دائمًا، أو عن الأمراء الساذجين.
‘لم أشعر وكأنني أنظر إلى ابنة….بل إلى فردٍ من العائلة الإمبراطورية في مرتبةٍ مساوية….’
أسلوبها كان ليبدو وقحًا، لكنه لم يكن متعجرفًا. بل إن ثقتها بدت راقيةً على نحوٍ غريب.
على عكس ديانا الماضية، التي كانت تخفض رأسها دومًا وتجلب الشؤم معها.
‘هل كان كل ما سبق تمثيلًا، أم أنها تغيّرت بعد تعافي جسدها….’
لو كان الأول، لكان التعامل أسهل. فالكذب يعني وجود رغبةٍ مخفية، والإمبراطورة خبيرةٌ بمثل هؤلاء.
أما إن كان الثاني، فالأمر معقّد.
‘سأضطر إلى تغيير كل الخطط التي أعددتُها لها.’
منذ الخطوة الأولى، خطتها لإفشال عودة ديانا الاجتماعية بشكلٍ فاضح بدأت تنحرف.
يبدو أنها ستضطر إلى السماح لها بالوقوف على المسرح ذاته.
‘لا حاجة لذلك….’
لم ترغب بوجود شمسٍ صغيرة لا تطيعها، وقد تتألق أكثر منها.
دفعت الإمبراطورة فنجان الشاي، فانسكب السائل على الطاولة البيضاء، وسألت الحارس وهي تحدّق في القماش الملطخ،
“هل لديكَ أي فكرةٌ عن سبب انتباه الأميرة ديانا للمتسلل؟”
“لا، أعتذر.”
“هل لأنها قويةٌ على نحوٍ غير متوقّع؟ أم لأن لديها حليفًا يفوق الخيال؟ أم أنها مجرد مصادفة….أيها تظن؟”
تردد الحارس قليلًا ثم،
“أرجّح الثانية. لو كان هناك خبيرٌ أخبرها بوجود المتسلل قبل دخول الدفيئة….فهذا ممكن.”
“لا تقصد فارس المصارعة ذاك؟”
“لا أظن. رأيته عدة مراتٍ في ساحة القتال، لكنه لا يقارن بي قيد أنملة.”
بدت نبرة ثقته بنفسه لطيفة، فابتسمت الإمبراطورة بلا صوت.
“إذًا، من الأفضل أن نفترض وجود حليفٍ لا نراه.”
“في أسوأ الأحوال، نعم.”
“يا عزيزي، كلمة ’الأسوأ‘ لا تُستخدم هنا.”
نهضت الإمبراطورة، فألبسها الحارس المعطف الذي كان معلقًا على الكرسي.
“أسوأ سيناريو لنا….هو أن تكون الأميرة ديانا قويةً حقًا.”
“هذا مستحيل….لا أشعر بأي قوةٍ تصدر عنها.”
رفض الحارس الفكرة فورًا. لكنها هزّت رأسها.
“لهذا هو الأسوأ.”
ثم ألقت نظرةً على المخرج الذي غادرت منه ديانا، وتابعت،
“قد تكون كيانًا يملك قوةً شاذة مخفية، كما تقول الشائعات. وذلك….أمرٌ مقزّز.”
تمتمت الإمبراطورة وكأنها تريد محو صورة عيني ديانا الذهبيتين القذرتين من ذاكرتها،
“كان يجب أن نترك ابنة اللعنة تموت، قبل أن تلوّث قصري الإمبراطوري.”
وبتلك الكلمات، غادرت الدفيئة.
***
بعد ذلك، استطعتُ التركيز على تدريب روسلا.
فقد ألقيتُ معظم الأعمال الثانوية الخاصة بساحة القتال على عاتق جانب الإمبراطورة.
بالطبع، كل شيءٍ أُقيم باسمي. حتى لو نجح الحدث، فلن تحصد الإمبراطورة أي فائدةٍ منه.
‘كما توقعت….لا بد من المواجهة المباشرة.’
بالفعل، كان الاشتباك المباشر مع كشف النوايا أريح على القلب بكثيرٍ من الأحاديث النبيلة المليئة بشتى أنواع الاستعارات والتلميحات.
‘دعينا نرَ….إذا واصلنا التدريب على هذا النحو لأسبوعٍ آخر، ثم أجرينا الفحص الأخير في ساحة القتال، وبعد انطلاق المباريات أرفع تقريرًا إلى القصر الرئيسي….’
“آااخ!”
وبينما كنتُ غارقةً في التفكير، أعادني صراخٌ حادّ يقرع الأذنين إلى الواقع.
“آه!”
وحينها أدركتُ الأمر، فأرخيتُ قبضتي، ورأيتُ روسلا مطروحةً على الأرض تتلوّى.
“آسفة، كنتُ شاردة الذهن قليلًا….هل أنتِ بخير؟”
“نـ، نعم….بخير.”
كنتُ أنوي صدّ الهجوم فقط، لكن يبدو أنني رددتُه بلا وعي.
ضغطت روسلا على كتفها الذي اصطدم بسيفي الخشبي، وابتسمت ابتسامةً متعبة.
كانت تقول أنها بخير، لكن يدها كانت ترتجف بشدة، ما يدل على أن الألم لم يكن هيّنًا.
“لنسترح قليلًا. لقد مرّت ساعتان بالفعل.”
“نعم.”
بما أنها لم تعترض، فلا بد أنها كانت مرهقةً فعلًا.
و شعرتُ بوخزٍ من الذنب، فسندتُها وأنا أقودها إلى ظل شجرةٍ كبيرة.
أسندت ظهرها إلى جذع الشجرة وأخذت تلتقط أنفاسها بعمق، ثم رمقتني بنظرةٍ خاطفة.
“أميرتي.”
“ماذا؟”
“هل….هل أنا أتحسّن فعلًا؟”
أدرتُ رأسي نحوها مستفسرة، فتابعتُ بصوتٍ خافت يفتقر إلى الثقة،
“لم أنجح حتى الآن في توجيه ضربةٍ واحدة. أخشى أن أكون مجرد عبء عليكِ….”
يبدو أن تكرار الهزائم كسر معنوياتها.
الحفاظ على كرامة المتدرّب جزءٌ من واجب المدرّب، وكان هذا تقصيري.
“صحيح….لم تنتصري ولو مرةً واحدة. في مثل هذه الحالة، من الأفضل أن تجربي القتال ضد خصمٍ آخر….”
لكي يشعر المرء بتقدّمه، لا بد أن يواجه خصمًا قريب المستوى.
فحتى لو كان تدريبًا، فإن الخسارة المتواصلة كفيلةٌ بأن تُضعف المهارة بدل أن تطوّرها.
وبينما كنتُ أفكر في الحل.
“آه، هناك ذاك الشخص.”
خطر لي فجأةً خصمٌ مناسب.
“حسنًا، لنجرّب تدريبًا جديدًا.”
“……؟”
طلبتُ من روسلا أن تنتظر قليلًا، ثم توجّهتُ إلى الغابة خلف القصر المنفصل.
‘يبدو أنه هنا تقريبًا….’
“وجدتكَ.”
ثم عثرتُ على شخصٍ مختبئ في الظلام خلف الأشجار.
“هوب!”
“……!”
لعل المفاجأة كانت أكبر من أن تُستوعَب، إذ سمح الرجل المختبئ لي بالإمساك بياقته بسهولةٍ مذهلة.
سحبتُ الرجل المذهول وعدتُ به إلى الساحة المفتوحة، ثم ألقيتُه أمام روسلا التي كانت تحدّق وفمها مفتوح.
“هنا، هذا خصمكِ.”
“خصم.…؟”
“قاتلٌ مأجورٌ جاء ليستهدفني. هذا هو خصمكِ التالي.”
فعجز كلٌّ من روسلا والرجل عن النطق بكلمة.
__________________
مجنونه😭😭😭😭
ضحكت يالتبلّد جايبته كأنه كيس لقته طايح😂
مره عاجبتني تذكرني بأرييلا بس يارب مايجيها تطبيل اوفر وكذا ☹️
المهم ابي غلاف ثاني فيه ديانا و روسلا وليرفيل و لوريل ابي اشوفهم
بعدها ابي غلاف ثالث لديانا والبطل اي واحد اهم شي البطل
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"