“….لا أفهم عمّا تتحدثين.”
استعادت الإمبراطورة سريعًا ملامحها المشرقة، لكنني كنتُ قد أيقنت بما تُخفيه في داخلها.
‘يبدو أن الإمبراطورة كانت قد وضعت السيد لوريل خطيبًا مناسبًا لجينا.’
بحسب ما سمعته، فإن لوريل اعتلى منصب وريث العائلة فجأةً بعد وفاة أخيه المبكرة، ولذلك لم يحظَ بعدُ بخطيبةٍ لائقة.
في المقابل، كانت أختي الصغرى جينا غارقةً في المرشحين.
فبينما لم أحصل أنا حتى على شريكٍ في حفل الظهور الاجتماعي، كانت هي قادرةٌ على اختيار شريكٍ في أي وقتٍ تشاء إن أرادت.
‘لكن جينا فتاةٌ متفوقة إلى حدٍ بعيد، فلا بد أن الإمبراطورة لن ترضى بمرشحٍ عادي.’
كنتُ أعلم جيدًا مدى تفضيل الإمبراطورة لجينا. فالمرأة التي لم تكلّف نفسها يومًا بكلمةٍ لي في طفولتي، كانت تحتفي بجينا كأنها جوهرةٌ ثمينة.
وعلى أي حال، فقد ظهر أمام تلك الإمبراطورة وريث عائلة المستشار، لوريل.
غطّيتُ فمي بيدي مبتسمةً كي لا أبدو وقحة، وتحدّثتُ للإمبراطورة،
“أنا أيضًا أظن أن جينا والسيد لوريل يبدوان مناسبين لبعضهما.”
“ما الذي تعنينه بـ.…”
“لا داعي لأن تحذريني، يا ’أمي‘. فأنا أختٌ قادرةٌ على أن تتمنى سعادة أختها الصغرى على الأقل.”
“…….”
اختفت الابتسامة عن وجه الإمبراطورة. وكان ذلك الوجه الخالي من التعبير، الذي أراه للمرة الأولى، كأنه يبثّ برودةً في الدفيئة الدافئة.
“منذ قليلٍ وأنا أشعر بالحيرة. أودّ حقًا أن أعرف ما الذي تفكرين به، وما الذي تُخفينه خلف كلماتكِ يا أميرة ديانا.”
“أنتِ قلقةٌ من أن أرتبط بالسيد لوريل، أليس كذلك؟ مع أنه الشخص الذي اخترتِه أصلًا خطيبًا لجينا.”
“لا أفهم لماذا تُقحمين جينا في الحديث من الأساس.”
كنتُ أتوقع سؤالًا من قبيل: لماذا تظنين أنني أستهدف لوريل؟ لكن الذي عاد إليّ كان سؤالًا مباشرًا على نحوٍ مفاجئ.
فداعبتُ فنجان الشاي الذي بدأ يبرد، ورتّبت أفكاري قبل أن أتكلم.
“لأن الأمر سيكون إشكاليًا إن لم يكن هذا كله من أجل جينا.”
“……؟”
“هذه الوضعية من تخطيط جلالة الإمبراطور. فهو من أمر السيد لوريل بمساعدتي. وعلى الأرجح أن قصده كان….”
ارتشفتُ جرعةً من الشاي وأكملتُ،
“أن يربطني بالسيد لوريل بعد عودتي الناجحة إلى المجتمع.”
لم تنفِ الإمبراطورة ذلك. فالنبلاء العطشى للإشاعات كانوا سيضخمون تعاون رجلٍ وامرأة بلا خطوبةٍ إلى قصصٍ لا حصر لها.
ولم يكن الإمبراطور، المتمرّس في الصراعات السياسية، ليغفل عن ذلك.
‘من وجهة نظر الإمبراطور، سيكون قد اصطاد عصفورين بحجرٍ واحد. يزرع فردًا من العائلة الإمبراطورية داخل بيت خصمٍ سياسي، ويمنح ابنةً كان يعدّها ورقةً خاسرة قيمةً جديدة.’
كان سبب دهشتي عندما جاءني لوريل في البداية هو أنني لم أتخيل قط أنه بلا زوجة.
وبعد أن علمتُ بعزوبيته، بات هدف الإمبراطور واضحًا تمامًا.
‘بالطبع، لم يكن يظن حقًا أنني ولوريل سننتهي معًا. إن نجح الأمر فحسنًا، وإن فشل فسيقصيني دون تردد.’
“لكن جلالة الإمبراطورة حاولتِ فصل السيد لوريل عني. رغم أن ذلك قد يبدو عصيانًا لإرادة جلالة الإمبراطور.”
“…….”
“لا بد أنكِ فكرتِ في المخاطرة إن كُشف الأمر….ولذلك أعددتِ عذرًا مناسبًا.”
‘سببٌ مبررٌ اضطررتِ من أجله للتدخل في مخطط الإمبراطور.’
وكان الجواب واضحًا.
‘فشل أميرةٍ يمكن تعويضه بنجاح أميرةٍ أخرى.’
تبريرٌ مناسب لرجلٍ يرى البشر أدواتٍ تُستهلك لا أكثر.
ومن دون بديلٍ منطقي، كان الإمبراطور سيتخلى بلا ترددٍ حتى عن الإمبراطورة إن رآها عائقًا أمام خطته.
“نحن خمسة أشقاء: ثلاثة أبناء وابنتان. إن لم أكن أنا، فمن الطبيعي أن تتولى جينا ذلك الدور.”
مثل هذا العذر، كان كفيلًا بإقناع الإمبراطور. بل لعلّه كان يفضّل نجاح جينا المؤكد على نجاحي غير المضمون.
“ولهذا رأيتُ أن جلالة الإمبراطورة اقتربت مني من أجل جينا. فغير ذلك، لا يوجد عذرٌ قد يقنع جلالة الإمبراطور.”
“….وهل هناك غير ذلك؟”
“همم، أيضًا من المريب أنكِ كنتِ تنادين السبد لوريل بـ’لوريل‘ بنبرةٍ ودودة. كأنكِ تتعمدين إظهار القرب. كما أن استدعائي في هذا الوقت المتأخر كان غريبًا.”
“ولِمَ الوقت بالتحديد؟”
“لأن من يطلب لقاءً مفاجئًا للتفاوض، تكون نيته واحدةً من اثنتين.”
رفعتُ السبابة والوسطى و أكملتُ،
“إما أنه مستعجل، أو يريد أن يجعل الطرف الآخر مستعجلًا.”
“….وأيّهما أنا؟”
“الثانية على الأرجح. فلا سبب يجعل جلالة الإمبراطورة، التي لا ينقصها شيء، في عجلةٍ من أمرها.”
ووجود مثل هذه النية يعني أيضًا أن في هذا التفاوض أمرًا مريبًا.
‘من لا يشك في ذلك، فهو أحمق.’
أنهيتُ ما تبقى من الشاي ونظرتُ إلى الإمبراطورة.
كان وجهها باردًا بلا ابتسامة، لكنني شعرتُ براحةٍ أكبر من ذي قبل.
لم أكن أجيد التحدث مبتسمةً مع من قد يصبح عدوًا لي. بل كان من الأفضل أن نواجه بعضنا بهذه الجدية.
“لذلك يا جلالة الإمبراطورة، لا داعي لإخفاء شيءٍ عني. فمصلحتنا واحدة.”
“وما الذي هو واحد؟”
“أنا أريد العودة إلى المجتمع، لكنني لا أرغب بالارتباط بالسيد لوريل.”
ارتجفت عينا الإمبراطورة ارتجافًا خفيفًا، وكأنها لا تصدق.
‘السيد لوريل، من حيث المكانة، هو عريسٌ مثالي. لكنني أخطأتُ منذ الخطوة الأولى معه.’
فهو يشك في أنني من الشياطين. وبالتالي، لا احتمال إطلاقًا لأن تتطور علاقتنا إلى خطوبة.
ثم إن ما أريده هو الحرية التي تُمنح بذريعة الخطوبة، لا زوجًا حقيقيًا.
“إن رغبتِ جلالة الإمبراطورة، فسأتنحى عن السيد لوريل بكل طيب خاطر.”
“تريدين رفض السيد لوريل، وتلقي مساعدتي بدلًا من ذلك؟”
“نعم. يمكنني أن أقول أن لديّ ظروفًا خاصة. كما أنني أرى أن مساعدة جلالة الإمبراطورة ستكون أكبر فائدةٍ لي.”
آه، وأضفتُ كي لا أنسى،
“لا أقصد تلك المساعدة عديمة الجدوى التي ذكرتِها قبل قليل، بل المساعدة التي أحتاجها فعلًا.”
‘وبما أنكِ الشمس الكبرى في المجتمع، فلا بد أن ذلك ممكنٌ بسهولة.’
صمتت الإمبراطورة لحظة، ثم ارتفع طرف فمها.
“….ها.”
ضحكت ضحكةً قصيرة، لا يُدرى أهي سخريةٌ أم دهشة.
ثم أسندت ذراعها إلى الطاولة وأسندت ذقنها إلى يدها.
“لم أتخيل أن الأميرة ديانا بهذه الفطنة. كنتُ أظن أنني أتقنتُ التمثيل، فهل كنتُ مليئةً بالثغرات إلى هذا الحد؟”
“مجرد مصادفة. أنا كثيرة الشك، لا أكثر.”
“مصادفة، هه….”
ضيّقت عينيها.
“لو كنتُ أعلم منذ البداية أن الأميرة ديانا بهذا النوع من الأشخاص، لكنتُ تصرّفتُ قبل دخولكِ القصر المنفصل.”
‘هل كانت تعني أنه كان ينبغي التخلص مني مسبقًا، أم أنها تأسف لأنها لم تحاول ضمّي إلى صفّها؟’
و لم أكلّف نفسي عناء السؤال.
“حسنًا، سأقبل بذلك. فهذا المسار يبدو كفيلًا بتجنّب غضب جلالة الإمبراطور أيضًا.”
أنا، الورقة المهملة، أعود أميرةً من جديد، وجينا تنال لوريل، عريسًا ممتازًا.
بالنسبة للإمبراطور، سيكون هذا أفضل ختامٍ ممكن، ولذلك لم يكن لدى الإمبراطورة سببٌ للرفض.
“إذًا، ما نوع المساعدة التي تحتاجينها يا أميرة ديانا؟”
“في البداية…”
شرحتُ بإيجازٍ ما أحتاجه. و بدت الإمبراطورة غير راضية عن بعض النقاط، لكنها في النهاية وافقت على جميعها.
“بما أنني أنا من حاول خداع الأميرة ديانا أولًا، فسأتحمّل الخسارة هذه المرة.”
“أشكركِ على كرمكِ.”
استغرق استنتاج أوراق بعضنا عشرات الدقائق، لكن إنهاء التفاوض تمّ في لحظة.
أنهينا الصفقة، ونهضنا من مقاعدنا بملامح راضية.
في تلك اللحظة، سألت الإمبراطورة وكأنها تذكرت أمرًا متأخرًا،
“بالمناسبة، هل يمكنني أن أسأل سؤالًا أخيرًا؟”
“نعم؟”
“على ما يبدو، لو أظهرتُ صدقي منذ البداية، لكنتِ قبلتِ العرض بسرور….لماذا؟ ألا تكرهينني؟ ألا تكرهيننا يا أميرة ديانا؟”
فأجبتُ من دون أدنى تردد،
“أكرهكم. كيف لا؟”
“…….”
“لكنني احتجتُ إلى هذا فحسب، لأعيش بصفتي ’الأميرة ديانا‘.”
لو تخلّيتُ عن لقب الأميرة، وتخلّيتُ عن ديانا، لربما عشتُ حياةً أسهل. لكنني اخترتُ البقاء في القصر الإمبراطوري.
ولأجل ذلك، كان عليّ أن أحني رأسي أمام شمسيّ الإمبراطورية.
عجزت الإمبراطورة عن الكلام، بينما مددتُ يدي إلى مقبض الباب لأغادر الدفيئة.
“….آه، بما أنني سُئلت، هل تسمحين لي أن أطرح سؤالًا واحدًا بدوري يا جلالة الإمبراطورة؟”
“تفضّلي.”
“الشخص الموجود فوق الشجرة في زاوية الدفيئة، هو فارس الحراسة، أليس كذلك؟”
فارتبكت الإمبراطورة للحظة.
بالنسبة لي، كان ذلك مستوى تخفٍّ يكاد لا يُذكر، لكن المهم لم يكن ذلك الشخص.
“نعم. لكن كيف عرفتِ.…؟”
“إذًا، الشخص الملتصق بسقف الدفيئة كالعنكبوت، ليس من الحرس، صحيح؟”
“….ماذا؟”
في تلك اللحظة، رأيت فارس الحراسة الذي كان فوق الشجرة ينطلق نحو السقف. لكن الشخص المختبئ كالعنكبوت لم يكن غبيًا؛ فما إن انتهت كلماتي حتى فرّ عبر النافذة.
‘يبدو أن جاسوس السقف أقوى مهارة.’
أثنيتُ في داخلي على خفّة حركته السريعة، ثم تركتُ الإمبراطورة واقفةً بفمٍ مفتوحٍ وغادرتُ الدفيئة.
“إلى اللقاء في المرة القادمة، يا جلالة الإمبراطورة.”
لكنها لم تُعِد التحية.
_______________________
اوه واو كان فيه واحد قاعد يتسمّع؟ و ناسه
اشوا كشفت لها وجهها احسن من التمثيل والمجاملات والغباء وحالتنا حاله
ودي اعرف بعد اجل من امها؟ ماقد جابت طاريها
المهم ماظني لوريل بيوافق على ذا الجلسه ومدري ليه احس ذا الي انحاش جاي من طرفه✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"