وفوق ذلك، حتى لو كان هو من سلّم الرسالة، لم أستطع الوثوق بلوريل ثقةً عمياء. ففي شأن ساحة القتال نحن حلفاء، أما سياسيًا، فبيت المستشار كان عدوًا للأسرة الإمبراطورية.
أومأ لوريل بخفة، وكأنه توقع الرفض. ثم قال أن ذلك قد يفيدني، وقدّم لي معلوماتٍ موجزة عن الإمبراطورة.
وحين نظرتُ إليه متسائلةً عن سبب تعاونه إلى هذا الحد، أضاف،
“في المقابل، سأكون ممتنًا لو أخبرتِني بما دار بينكما من حديث.”
لم يكن عرضًا سيئًا بالنسبة لي، فوافقت.
بعدها قال أن مهمته انتهت، ونهض ليستأذن بالمغادرة.
وقبيل خروجه من القصر الفرعي، سأل وكأنه تذكر الأمر للتو،
“بالمناسبة، من الذي يتولى تدريب مقاتل الساحة؟”
“تتدرب وحدها.”
“حقًا؟”
“….نعم.”
نظر إليّ. و كان وجهه ما يزال كقناع، لكن عينيه أظهرتا مشاعره بوضوح.
وكأنه يقول: هل تتوقعين أن أصدق؟
فابتسمتُ وأضفتُ مازحة،
“إذًا، هل أساعدها أنا، وأنا الضعيفة؟”
“….…”
‘أظنه كتم ضحكةً ساخرة للتو.’
ثم غادر لوريل القصر الفرعي دون كلمةٍ أخرى.
***
منتصف الليل، حديقة القصر الرئيسي. ومع اقتراب نهاية العام، بلغ برد الإمبراطورية ذروته.
لففتُ معطفًا سميكًا حول جسدي، وتوجهتُ إلى الدفيئة داخل الحديقة.
“صاحبة السمو.”
“إن كان البرد شديدًا، يمكنكِ العودة أولًا.”
“لا! سأنتظر هنا!”
قالت ليرفيل أن هذا البرد لا يُذكر مقارنةً بموطنها، و وعدت بمرافقتي حتى النهاية.
ثم ألقيتُ نظرةً جانبية على روسلا التي كانت تقف خلفها.
كانت قد أفاقت في وقتٍ متأخرٍ من المساء، وارتدت خوذتها وجاءت تزعم حمايتي.
“لن أسمح بدخول أي شخصٍ على الإطلاق.”
نظرتُ إليها بنظرةٍ معقدة وهي تشحذ عزيمتها.
قلتُ لها أن تراجع نتائج التدريب، لكن يبدو أن ما ازداد هو ولاؤها فقط.
“لا، لا داعي لأن تكوني متشددةً إلى هذا الحد. هذا هو القصر الرئيسي، إنه آمن.”
“لكن من أجل صاحبة السمو….”
“روسلا، أنتِ ضعيفة، فقط ابقي هنا.”
“….نعم.”
عندها فقط خمد حماسها. فربّتُّ على كتفها ودخلتُ الدفيئة.
‘إنه دافئ.’
على عكس الخارج حيث تعصف الرياح الجليدية، كان الداخل كأن الربيع قد حلّ.
ومن الإحساس الخفيف بالمانا، بدا واضحًا أن القصر الإمبراطوري قد استخدم تعاويذ باهظة الثمن.
“من هنا، سموّ الأميرة ديانا.”
و في وسط الدفيئة، كانت هناك امرأةٌ تجلس أمام طاولةٍ وتنتظرني.
“تشرفتُ بلقاء جلالة الإمبراطورة.”
تقدمتُ بهدوء، ووقفت أمامها وقدمتُ تحيةً رسمية. فضحكت الإمبراطورة وقالت أن لا حاجة لكل هذا التكلف.
“نحن أمٌ وابنة، أليس كذلك؟ ناديني براحتكِ.”
“….نعم.”
ارتبكتُ للحظة. فهذه المرأة لم تنادني ابنتها يومًا، وها هي تتحدث فجأةً عن علاقة أمومة.
لكن دون اكتراث، أجلسَتني الإمبراطورة وبدأت تصب لي الشاي بنفسها.
امتلأ فنجاني بشايٍ أسود قويٍ لا يليق بوقتٍ متأخر كهذا.
‘هذا لطفٌ مبالغٌ فيه.’
وعندما نظرتُ جيدًا، أدركتُ أن الضيافة على الطاولة ليست عادية.
حلوى كأنها خرجت للتو من الفرن، وبريوشٌ لامع، وزبدةٌ ذائبة على نحو مثالي….لدرجة أن المكان بدا أقرب إلى صالون استقبالٍ إمبراطوري لا إلى دفيئة.
مثلتُ الهدوء وبدأت أراقب الإمبراطورة.
كانت تشيرسيل، بابتسامتها المشرقة، شابةٌ وجميلة إلى حد يصعب معه تصديق أنها أنجبت أربعة أبناء.
الشعر الأشقر البلاتيني رمز العائلة الإمبراطورية، والعينان الصافيتان المستديرتان بلون الياقوت، والشعر المضفور بعناية، وفستان السهرة المرصع بالجواهر.
كما في السابق، كانت شخصًا يشع كالشمس. ولهذا بالذات، شعرتُ بثقلٍ كبير. ففضلُ أشخاصٍ كهؤلاء لا يأتي أبدًا بلا ثمن.
“سمعتِ ما قاله لوريل، أليس كذلك؟”
‘….لوريل؟’
كانت تسميتُها له غريبةً بعض الشيء.
أومأتُ برأسي وأجبت،
“نعم، قال أن جلالة الإمبراطورة تريد مساعدتي.…”
“صحيح. أنا أريد أن أرعى الأميرة ديانا.”
شبكت يديها معًا وتابعت حديثها.
“سمعتُ أن صحتكِ تعافتِ وتولّيتِ تنظيم ساحة القتال. لا تتصورين كم كنتُ سعيدة!”
مهما يكن، كنتُ واثقةً أن قولها أنها سعيدةٌ كان كذبًا. فلم تكن علاقتي بالإمبراطورة يومًا قريبةً ولو لمرةٍ واحدة.
“كتهنئة، أودّ أن أساعد الأميرة ديانا على العودة الآمنة إلى المجتمع. ولهذا استدعيتكِ.”
“أقدّر مشاعركِ، لكن….العرض مفاجئٌ بعض الشيء، لذا أشعر بالحيرة.”
“لا تحمّلي الأمر أكبر من حجمه! أنا أفعل هذا لأنني أرغب بذلك.”
‘لو رآنا أحدٌ لظن أنني ابنتها الحقيقية.’
كان الأمر مثيرًا للسخرية، لكنني ابتسمتُ دون أن أُظهر شيئًا. فقد كنتُ بحاجةٍ إلى مسايرة الحوار لأفهم ما الذي تُخفيه.
التعليقات لهذا الفصل " 12"