وبما أن الحديث قد جاء على ذكر ذلك، أخذتُ روسلا مباشرةً إلى الجهة الخلفية من القصر الفرعي.
كان المكان في الماضي يضم إسطبلًا ومسارًا للتنزّه، لكنه تُرك بلا عنايةٍ فتحوّل إلى ساحةٍ خالية.
وقد بدت روسلا مذهولةً من وجود مكانٍ كهذا داخل القصر الإمبراطوري.
“لكن الأرستقراطي الذي اشترى منجمًا مهجورًا غريب الأطوار حقًا. هل تُرى تخفي الأرض جواهر ما؟”
“لا. إنه منجمٌ قاحل لا ذهب فيه ولا جواهر. كما أنه يقع في منطقةٍ حيادية خارج أراضي الإمبراطورية. و لهذا استقررنا فيه.”
“هممم….”
حين فكّرتُ بالأمر، وجدتُ نقاطًا كثيرةً تثير الشبهة.
فمع أن استيلاء النبلاء على أراضي السكان الأصليين في المناطق الحيادية كان أمرًا شائعًا، إلا أن شراء أرضٍ عديمة الجدوى كمنجمٍ مهجور كان نادرًا.
‘وفوق ذلك، يقول أنه سيعيد الأرض إذا فازت في ساحة القتال. كان الأجدر به أن يطلب المال مباشرة.”
صحيحٌ أن جائزة ساحة القتال كانت كبيرة، لكنها لم تكن كافيةً لشراء الأراضي وبيعها.
“هل هم يريدون ميدالية الفوز، أم الجائزة المالية؟”
“على الأرجح الجائزة.”
“على الأرجح؟”
نظرتُ إلى روسلا نظرةَ امتعاضٍ لجوابها غير الواثق. فخفضت كتفيها بخجل،
“لم يكن الوضع يسمح بطرح الأسئلة. قال أنهم سيطردوننا فورًا إن لم أوافق، فقبلتُ على عجل….”
في الحقيقة، لم يكن أمام روسلا أي خيارٍ آخر. فلو رفضت الصفقة، لكانت عائلتها ستُقتل.
“لا أظن أنهم سيفعلون كل هذا من أجل ميداليةٍ واحدة.لا أفهم الأمر.”
كانت الأدلة قليلةً جدًا، فلا مجال للاستنتاج.
نقرتُ لساني بضيقٍ وطرحت آخر سؤال.
“ألم تسمعي شيئًا آخر أثناء الصفقة؟”
ترددت روسلا قليلًا ثم،
“آه، قالوا أنه إن تخليتُ عن السعي للفوز، فسيبدّل العقد بآخر.”
“أي عقد؟”
“لا أعلم التفاصيل….لكنه قال أن له رئيسًا، و أن عليّ أن أصبح تابعةً له.”
قالت أنها لا تعرف من يكون ذلك الرئيس. فتنهدتُ أمام مسألةٍ لا تزال بلا نتيجة.
عندها ابتسمت روسلا ابتسامةً مُرّة،
“في الحقيقة، إن لم أفز هذا العام أيضًا، كنتُ أنوي قبول ذلك العرض. يبدو أنني لا أملك موهبةً في المبارزة.”
“….هل قلتِ هذا لميهيلدا أيضًا؟”
“لا.”
“لحسن الحظ.لو سمعَت ذلك، لبكت دمًا.”
“….ماذا؟”
“روسلا، رغم أنكِ سمعتِ عن أي محاربةٍ كانت ميهيلدا، ستستسلمين بسهولةٍ هكذا؟”
التقطتُ غصنًا ملقى في الساحة ولوّحت به باعتدال. لحسن الحظ، حتى دون استخدام السحر، كان بإمكاني إظهار أساسيات المبارزة بسهولة.
“البابان شي كانوا أضعف سلالةٍ بين الشياطين. امتلكوا قدرًا كبيرًا من السحر، لكن أجسادهم كانت واهنة.”
ومهما قيل أنهم أقوى من البشر، فالجنيات يبقون جنيات. وبسبب حدودهم الفطرية، كان البابان شي دائمًا فريسةً للشياطين.
لكنهم لم يستسلموا. من أجل حرية العِرق وسلامه، عقدوا الصفقات مع جيش الشياطين، وخاضوا المعارك غير آبهين بالموت.
“البابان شي الذين أعرفهم لا يستسلمون. ولا يخفضون رؤوسهم لأعداءٍ يسعون لطردهم. لأنهم محاربون عظماء.”
“…….”
“لكن أنتِ مختلفةٌ يا روسلا.”
أنتِ لستِ محاربة.
فهمت روسلا المعنى، فتشوّهت ملامحها.
ثم تنهدتُ وأشرتُ إليها بطرف الغصن.
“كنتُ أنوي مساعدتكِ فقط بقدرٍ يضمن لكِ الفوز….لكنني غيّرتُ رأيي.”
لم أستطع الوقوف متفرجةً على سقوط سلالة ميهيلدا في هذا اليأس.
وفوق ذلك، بدت روسلا كأنها صورتي العاجزة التي تقبلت الموت قبل أيام. وكان ذلك يثير غضبي بشدة.
“حتى من أجل ميهيلدا، سأعيد تشكيل عقلكِ.”
أشرتُ بذقني إلى غصنٍ آخر ملقى على الأرض.
“احمليه.لنبدأ.”
“نبدأ؟ نبدأ ماذا….”
“التدريب، بالطبع.”
فحملت روسلا الغصن بوجه مذهول.
“إن تألمتِ فقولي. أنا لا أجيد سحر الشفاء، فإذا أُصبتِ بعاهة، همم، أعتذر مسبقًا.”
“….تعتذرين؟”
كان الشرح فوضويًا، لكن روسلا فهمت المقصود على ما يبدو.
ففي اللحظة التي شحب فيها وجهها….
طَخ-!
انقضّ غصني على قمة رأسها.
“أول تدريب. لا تزيحي نظركِ عن سلاح الخصم.”
“لكن، الغصن ليس سيفًا….”
“ثانيًا، لا تجادلي المدرب.”
طَخ-!
“آآه!”
وهكذا بدأ تدريب الجنود بعد غيابٍ طويل.
***
“….ولهذا انتهى بها الحال على هذه الصورة.”
“آه، أجل.”
تفاديتُ نظري قليلًا أمام صوت ليرفيل المذهول.
كان المساء قد حل، وكنتُ أنا و ليرفيل نتفقد روسلا الممددة على السرير.
كانت فاقدةً للوعي، بوجهٍ شاحب بلا أي لون. فقد اندفعتُ بحماسةٍ زائدة، وفشلتُ في ضبط قوتي.
‘لم أكن أعلم أنها ضعيفةٌ إلى هذا الحد.’
كان تدريبي قائمًا بالكامل على القتال الحقيقي. وبسبب ضيق الوقت، لم يكن هناك مجالٌ لتدريب اللياقة، فكررتُ المبارزات لزيادة خبرتها.
وبما أن لياقتي أنا أيضًا ليست ممتازة، كنتُ أحسم المواجهات بسرعة….
“لا قوة في ساقيكِ. أعيدي.”
“هذه المرة لا قوة في يديكِ. هل أنتِ متلهفةٌ لإسقاط السيف؟ أعيدي.”
“ارفعي رأسكِ. هل سقط مالٌ على الأرض؟ أعيدي.”
….وهكذا واصلت الضغط عليها بلا رحمة.
سواءً أكان ارتباكها من التوبيخات المتلاحقة، أم لأن هذه كانت المرة الأولى التي تتلقى فيها تدريبًا حقيقيًا، فإن روسلا في النهاية فقدت الوعي بعد خمس ساعاتٍ فقط.
“كان من الأفضل أن تراعِيها قليلًا أثناء التدريب.…”
قالت ليرفيل ذلك وهي تمسح وجه روسلا بمنشفةٍ مبللة. وبشيءٍ من الحرج، قلتُ كمن يبرر نفسه،
“لم يكن تدريبًا شاقًا أصلًا. في الأساس، أنا لم أتحرك خطوةً واحدة.”
كادت عبارة أن الخطأ ليس عليّ بل على روسلا التي لم تترك لي حتى مجالًا للتحرك، أن تبلغ طرف لساني.
لكنني كتمتها، إذ لم يكن من اللائق قول ذلك أمام شخصٍ فاقدٍ للوعي.
بعد أن انتهت ليرفيل من تنظيف وجه روسلا، وضعت المنشفة في الماء،
“إذًا، ما رأيكِ بإمكاناتها؟ هل يجب حقًا أن تفوز؟”
“نعم. ليست عديمة الموهبة. إن عانت على هذا النحو لمدة أسبوعٍ تقريبًا، فسيكون الفوز مضمونًا.”
عند قولي ذلك، نظرت إليّ بدهشةٍ واضحة.
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
“لأنكِ مذهلة. هل كنتِ في الأصل فارسةً يا صاحبة السمو؟”
كانت تظنني ساحرةً سوداء تُخفي قوتها، لذا بدا لها إتقاني للمبارزة أمرًا مُدهشًا.
“إنها مجرد حيلٍ بسيطة.”
لم أستطع أن أقول أنني في الحقيقة أثق بسيفي أكثر من سحري.
بدت عينا ليرفيل وكأنهما تلمعان ترقبًا لسرٍ عظيم، لكنني تجنبتُ نظرتها وأغلقت فمي. فلم يحن الوقت بعد لإخبارها عن الشياطين.
“على أي حال، سنبدأ التدريب من صباح الغد، لذا احرصي على أن تتناول روسلا الطعام أيضًا.…”
وبينما كنتُ أشرح لليرفيل برنامج الغد، طُرق الباب فجأة.
“صاحبة السمو، أنا إيما.”
“ما الأمر؟”
ما إن فُتح الباب حتى دخلت كبيرة الخادمات إيما، وانحنت معلنةً سبب حضورها.
و منذ حديثنا الأخير، أصبحت معاملتها مهذبةً إلى حدٍ يبعث على العبء.
“هناك ضيفٌ جاء لزيارتكِ.”
“ضيف؟”
“من عائلة المستشار….”
“آه، السيد لوريل.”
لم يكن عليّ سماع المزيد لأعرف من المقصود، كما توقعتُ سبب مجيئه على نحوٍ تقريبي.
أمرتُ إيما بأن ترافقه إلى غرفة الاستقبال، ثم تحدّثتُ لليرفيل
“اعتني بروسلا جيدًا، وإن استفاقت فأخبريها أن تراجع جيدًا ما تعلمته اليوم.”
“نعم!”
ثم تحركتُ على الفور.
كان لوريل، الذي التقيتُ به أخيرًا، يستقبلني بابتسامةٍ باهتة تشبه القناع كما في السابق.
“أعتذر عن زيارتكِ المفاجئة، صاحبة السمو، إضافةً إلى أنني لم أتمكن من تفقد ساحة القتال معكِ.…”
“لا بأس. سمعتُ أنكَ مشغول.”
أجبتُه بابتسامةٍ مماثلة.
“أرسلتُ بدلًا من ذلك فارسًا أثق به ليكون حارسًا، وأخشى ألا يكون في ذلك أي إساءة.”
“كانوا جديرين بالثقة. وبدا مستواهم عاليًا أيضًا.”
رغم أن الحوار كان شكليًا، فإن كلامي لم يكن مجاملةً فارغة. ففرسانه كانوا يتفوقون بوضوحٍ على الجنود والفرسان الذين يطوفون حول القصر الفرعي.
إلى درجة أنني فكرتُ أنه لو حاولوا اغتيالي، فسيكون صدهم أمرًا بالغ الصعوبة.
“كما سمعتُ أنكِ أدخلتِ مقاتل الساحة إلى القصر الفرعي.”
“صحيح. لم يكن لديها مكانٌ مناسب للتدريب، فقررتُ إعارتها ساحة التدريب. لكن ما الذي جاء بكَ إلى القصر الفرعي تحديدًا.…؟”
كان سؤالي يعني أنه لم يأتِ لمجرد تبادل هذا الحديث السطحي. و فهم لوريل المقصود فورًا، وكشف سبب زيارته مباشرة.
“يبدو أن خروجكِ أصبح حديث الناس. وقد وصلتنا دعوةٌ عبر عائلتنا.”
“لكنني لم أعد بعدُ إلى المجتمع، ولن أتمكن من حضور مناسباتٍ أخرى.”
“ليست دعوةً إلى مأدبة. بل مجرد طلب زيارةٍ من شخصٍ ما.”
أملتُ رأسي متسائلةً عمّن يكون، فمحا ابتسامته وتحدّث بوجهٍ متصلب،
“إنها جلالة الإمبراطورة.”
“….جلالة الإمبراطورة تطلب رؤيتي؟”
الإمبراطورة تشيرسيل. اسمٌ لم يخطر ببالي قط.
‘لماذا تبحث عني تلك الإمبراطورة التي لم تُبدِ يومًا أي اهتمامٍ بي؟’
كنتُ الابنة الوحيدة للإمبراطور التي لم تكن من صلب الإمبراطورة تشيرسيل، ولذلك نادرًا ما تبادلنا حديثًا حقيقيًا.
وحين عجزتُ عن الرد من هول الخبر المفاجئ، بدأ لوريل يشرح بهدوء،
“كان مضمون الدعوة بسيطًا. قالت أنها تستطيع تقديم العون لصاحبة السمو، وطلبت أن تحضري حتمًا.”
“لكن لماذا أُرسلت الرسالة إلى السيد لوريل تحديدًا.…؟”
“من أجل إخفائها، على الأرجح.”
إخفائها عن مَن؟ لم يكن السؤال ضروريًا.
فالشخص الوحيد الذي لا يمكن التعمية عليه إلا عبر عائلة المستشار هو واحد لا غير.
‘الإمبراطور.’
إن كان الأمر كذلك، فهل يعني هذا أن الإمبراطورة تعصي إرادة الإمبراطور؟
____________________
ويت حسبتها بنت الامبراطوره🤨 اجل بنت محظية؟
المهم الله يعين روسلا😭😭😭
وديانا تضحك تقول ماتحرّكت وقاعده تدرب روسلا ومستغربه ليه هي لحالها اغمى عليها اجل؟😂
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"