بعد ذلك، بدأتُ أختلق الأعذار بيأسٍ كي أرتّب الموقف.
قلتُ أن دموع روسلا كانت بسبب المبلغ الكبير الذي قدّمته لها كدعم، و أنني لم أستطع الردّ على الطرق لأنني كنت منشغلةً بتهدئتها.
بدا أن الفرسان لا يصدقون تمامًا، لكنهم على ما يبدو رأوا أنهم لا يستطيعون استجواب أميرة، فاكتفوا بالموافقة وتراجعوا.
“آه، يا إلهي….”
وهكذا عدتُ إلى القصر الجانبي وأنا أرافق روسلا التي كانت لا تزال ثملةً بالمانا.
لم أستطع تركها وحدها وهي على تلك الحال. فقد كانت تبكي بلا توقّف، وفي النهاية أصابها الجفاف، و فقدت الوعي تقريبًا مع وصولنا إلى القصر الجانبي.
أرقدتُها فوق سريري، ثم انهرتُ أنا على الأريكة.
فسألتني ليرفبل، التي ساعدتني في نقل روسلا، وهي تلقي نظرةً على السرير،
“سموّ الأميرة، ماذا حدث بالضبط؟”
“الأمر هو….”
في العادة كنتُ سأقول أنه لا شيء مهم، لكنني كنتُ مرهقةً ذهنيًا، وكنتُ بحاجةٍ إلى رفيقةٍ أفضي لها.
فشرحتُ لها الوضع بإيجاز. وبما أن ليرفيل كانت تظنني نوعًا من ساحرة الظلام العظيمة، فقد تقبّلت الأمر بسهولة.
“إذًا….تلك السيدة روسلا في الحقيقة من عِرقٍ آخر، وقد اختلط عليها الأمر عندما رأت سموّك تستخدمين سحر الظلام؟”
“بالضبط.”
هزّت ليرفيل رأسها قائلةً أن مثل هذه المصادفات الغريبة تحدث فعلًا، ثم نظرت إلى وجه روسلا المغمض وتهامست بإعجاب،
“على ذكر ذلك، لم أتخيل أن لاعبةً في ساحة القتال تكون امرأةً جميلة إلى هذا الحد….”
“أهذا أدهشكِ أكثر من كونها من عِرقٍ آخر؟”
“أنا….هذه أول مرة أرى محاربةً امرأة في الواقع. لم أكن أراهن إلا في كتب الحكايات.”
صحيح، فبعكس عالم الشياطين حيث يُعدّ المرء محاربًا ما دام يمتلك مانا، كان هذا العالم أكثر تحفظًا في معاييره.
‘انتظر….الآن وقد فكّرت في الأمر، فرسان لوريل لم يبدوا متفاجئين برؤية وجه روسلا؟’
ما أدهشهم كان مشهدها وهي تتضرّع، لا كونها امرأة.
وفجأة تذكّرتُ ما قاله الفارس الأوسط سنًا حين سمح لي بدخول غرفة الاستراحة.
‘لن تخرج أقاويل، فلا تقلقي وادخلي.’
‘ردة الفعل تلك….كان يعلم أن روسلا امرأة.’
بالطبع، لم يكن ليعلم أنها جنية. حتى أنا لا أستطيع التمييز بين الإنسان والجنية من المظهر وحده.
لكن إن كان يعلم بجنسها، فهذا يعني أن رئيسه، لوريل، كان قد تنبّه إلى الأمر أيضًا.
‘ذلك الفتى الماكر….اقترح عليّ الرعاية وهو يعلم كل شيء.’
لابد أنه تظاهر بالجهل ليراقب ردّة فعلي. ولو أن لوريل، القادر على استشعار المانا، كان قد رافقني، لوقعت كارثة. حقاً، انشغاله أنقذني.
تنهدتُ بارتياحٍ وأنا غارقةٌ في أفكارٍ متشابكة، حينها، سمعتُ صوت روسلا من فوق السرير.
“أين أنا.…؟”
“هل استيقظتِ؟”
جلستُ على الكرسي بجانب السرير. ثم أمرتُ ليرفيل بالخروج، قائلةً أن لديّ حديثًا خاصًا على انفراد.
رفعت روسلا جسدها بوجهٍ ما زال غارقًا في النعاس.
‘جميلة….حقًا جميلة.’
رغم أن شعرها كان منفوشًا وعيناها منتفختين من البكاء، إلا أنها بقيت فاتنةً على نحوٍ غير واقعي.
الجمال الأخّاذ سمةٌ من سمات البابان شي، اللواتي يفتنّ الفرائس ليسلبن دماءهم.
“سيدتي.”
“قلتُ لكِ لا تناديني بذلك.”
زالت نوبة الهوس، لكن الذكريات بقيت. وما إن أنكرتُ فورًا، حتى تحدّثت روسلا بارتباك،
“لكنّكِ أسمودينا، أليس كذلك؟”
‘كما توقّعت، حتى اسمي تعرفه.’
كان يقينها راسخًا إلى درجة يصعب معها الإنكار، خصوصًا وأنها رأت هيئتي السابقة تحت تأثير المانا.
فالمانا هي جوهر الروح. وما رأته، وإن كان هلوسة، فهي أنا بلا شك. وقد بات من الصعب التراجع الآن.
‘لكن هذا غريب….لا أذكر أنني التقيتُ روسلا من قبل.’
كان لديّ عددٌ لا يُحصى من التابعين، لكن عدد البابان شي كان قليلًا، وكنتُ أحفظ وجوههن وأسماءهن جميعًا، ولم يكن اسم روسلا بينها.
“روسلا.”
“نعم.”
“دعينا نترك هويتي جانبًا الآن….من أين سمعتِ اسم أسمودينا؟ أنتِ لستِ من هناك أصلًا.”
بعد أن اتّضحت هويتها، سألتها بنبرةٍ خفيفة. فأومأت روسلا وكأن الأمر لا يستحق القلق.
“بالطبع، لم ألتقِ بالسيدة أسمودينا شخصيًا قط. لكن جدّتي حدّثتني عن إنجازاتها وهيئتها.”
“وما اسم جدّتك؟”
“ميهيلدا.”
‘إذًا هي حقًا من أتباعي.’
ميهيلدا….كان ذلك اسم أصغر البابان شي سنًا.
هل مرّ كل هذا الزمن منذ موتي؟ فاختلطت في صدري مشاعر الحنين والندم، حتى شعرتُ بالاختناق.
“إذًا لماذا يوجد أحفاد ميهيلدا في عالم البشر؟”
“عائلتنا هاجرت إلى عالم البشر في جيل جدّتي. أُصيبت والدتي بمرض المانا، فلم يعد بإمكانها العيش في عالم الشياطين.”
مرض المانا داءٌ عضال يضعف الجسد بسبب الإدمان على المانا، ويزداد سوءًا بمجرد استنشاق هواء عالم الشياطين.
قالت أن ميهيلدا انتقلت إلى عالم البشر حفاظًا على حياة ابنتها.
“لكن الشمس في عالم البشر كانت قويةً للغاية. إلى درجة أن الخروج إلى الخارج صار شبه مستحيل.”
“صحيح، فهذا نطاق قوة الشمس.”
شمس العالم العلوي كانت أقوى بعدة أضعافٍ من شمس عالم الشياطين. ولم يكن يكفي للمسنّين والضعفاء تجنّب ضوئها، بل كان عليهم الاختباء عميقًا تحت الأرض للبقاء أحياء.
“لذلك استقررنا في منجمٍ مهجور. ولحسن الحظ، كان باطن الأرض في عالم البشر غنياً بالموارد، فلم تكن المعيشة مشكلة. وكل ما نحتاجه كنتُ أصعد إلى عالم البشر لأجلبه.”
وبما أن روسلا وُلدت في عالم البشر، فقد امتلكت قدرًا من المناعة ضد الشمس.
كانت أضعف من مواليد عالم الشياطين، لكنها قادرةٌ على التحرّك في الخارج.
كانت حياتهم قاسية، لكنها سعيدة….إلى أن.
“ظهور البشر هو ما سبّب المشكلة، أليس كذلك؟”
“نعم، بالضبط.”
بعد ذلك، كان ما جرى هو تمامًا كما سمعته قبل قليل.
كان على بابان شي أن تُخفي كونها من مواليد عالم الشياطين، لذلك لم تستطع مجابهة البشر.
وفوق ذلك، كان من بين المجموعة التي عثرت على المنجم المهجور كاهنٌ أيضًا، فلم يكن أمامهم سوى أن يُساقوا بلا حولٍ ولا قوة.
‘عدم المقاومة كان خيارًا حكيمًا.’
فلو انكشف أنهم قادمون من عالم الشياطين، لما انتهى الأمر بالطرد فحسب.
فمهما بلغت قوة الشياطين، فإن مواجهة حشدٍ من البشر لم تكن بالأمر الهيّن.
“لحسن الحظ، تنكّرنا قبل أن يكتشفنا النبلاء، فلم تُكشف هوياتنا. وبهذا تجنبنا الفضيحة.”
“تنكّر؟”
“هكذا مثلًا.”
مسحت وجهها بيدها مسحةً عابرة، فتحوّل وجهها الجميل على نحو غريب إلى وجهٍ عادي بلا ملامح لافتة.
“كنت أعلم أن بابان شي بارعون في التنكّر….لكن هذا لم يكن سحرًا؟”
“نعم، إنها قدرةٌ جسدية من نوعٍ ما. غير أنني ما زلتُ غير متمرسة، فلا أستطيع الحفاظ عليها طويلًا. لذلك لم أنزع خوذتي.”
‘صحيح، لو انكشف ذلك المظهر لقامت الدنيا.’
بعد أن أعادت وجهها إلى هيئته الأصلية، نظرت إليّ مجددًا بعينين ممتلئتين بالإجلال.
“منذ صغري، نشأتُ وأنا أسمع من جدتي عن سيدتي أسمودينا. وزينة الأسد الأسود هذه صنعتها لي جدتي أيضًا. قالت أن سيدتي أسمودينا ستحميني.…”
“الحماية مبالغة. ما حدث كان مجرد مصادفة.”
لم تكن علاقتي بابان سب سوى علاقة مصلحة. كنتُ بحاجة إلى أتباع، وهم كانوا بحاجةٍ إلى ملجأ.
حين تهرّبتُ من الكلام، ابتسمت هي ابتسامةً مشرقة.
“حتى هذا بالضبط كما قالت جدتي. قالت أن سيدتي أسمودينا دائمًا ما تغيّر الموضوع حين تُمدَح.”
‘ميهيلدا، تلك الصغيرة.’
يبدو أنها نسجت شائعاتٍ غريبة في غيابي.
فتنحنحتُ وأعدتُ الحديث إلى مساره.
“على أي حال، فهمتُ ظروفكِ. إن فزتِ بالبطولة، سيتحرر بقية البابان شي، أليس كذلك؟”
“نعم. لكنني كنتُ أرتكب أخطاء في كل مباراة حاسمة.…”
ثم انحنت برأسها قائلةً أنها تشعر بالخجل.
“ليس مرةً أو مرتين، بل في كل مرة؟”
كانت هناك رائحة مريبة في الأمر. فعقدتُ ذراعيّ وغرقتُ في التفكير.
لم يعد خيار انتزاع زينة الشعار منها واردًا. فلم يكن من اللائق أن أستولي على شيءٍ أهدته لها جدتها.
وفوق ذلك، بما أنها حفيدة ميهيلدا تحديدًا، لم أستطع أن أكون قاسيةً معها.
‘ثم إن عائلتها محتجزةٌ كرهائن.’
كنتُ أرغب في الذهاب إلى ذلك المنجم المهجور لمساعدتهم، لكن قوتي لم تكن كافية. لا بصفتي أميرة، ولا بصفتي قائدة.
‘إذًا لم يبقَ سوى خيارٍ واحد.’
نظرتُ إلى روسلا، التي ما زال وجهها شاحبًا.
“روسلا، هل ترغبين حقًا في الفوز؟”
“نعم، بكل تأكيد.”
“قد تواجهين محنًا قاسيةً للغاية.”
“أنا مستعدةٌ لذلك.”
إن لم أستطع مساعدتها بنفسي، فلا بد من جعل روسلا تفوز لتحرير عائلتها.
ثم إن المساعدة كانت أهون على قلبي من التجاهل.
“إذًا سأساعدكِ في التدريب. سأجعلكِ تفوزين، مهما كان نوع العوائق.”
“أ-أحقًا؟”
“لماذا، ألا يعجبكِ؟”
“كلا! أن تتولى سيدة الحرب والمنقذة أسمودينا تدريبي! هذا شرفٌ عظيم!”
حين رأيتُ ملامحها توشك على البكاء، داهمني صداع. فلوّحتُ بيدي على عجل قبل أن يزداد تأثرها.
“لا، لا تناديني هكذا. في الأساس، أنا الآن لستُ أسمودينا.”
“ماذا؟ إذًا.…”
“أنا إنسانة. أسمودينا ماتت في الماضي البعيد، وأنا أعيش الآن حياةً ثانية. إنسانةٌ كاملة تُدعى ديانا.”
وبينما أضفتُ الشروح، طال الكلام أكثر مما ينبغي. فشعرتُ بالحرج وتنحنحتُ مختتمة.
“لذلك، ناديْني بالأميرة. مفهوم؟”
“آه-”
فصفّقت روسلا بيديها، ولخّصت الأمر بجملةٍ واحدة.
“إذًا هذا هو إعداد التخفّي؟”
“لا….هذا هو الواقع.”
يبدو أن الطريق لا يزال طويلًا بيني وبينها.
______________________
خساره كان ودي اشوف جمالها ذاه ليت رسامة الغلاف ترسم كل الشخصيات☹️
وليرفيل ذي حقليتها هطفه تجنن تصدق اي شي 😂
المهم يعني لوريل يدري ان روسلا مب انسان؟
مدري بس وناسه مدري ليه تذكرت ارييلا كذا سوالفهم اشتقت😔
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"