كان من السهل السيطرة على “رومان” الذي استولى عليه الرعب والألم.
فقد ضغط “كواناش ” فورًا على مؤخرة عنقه بذراعه ليطرحه أرضًا ممددًا على بطنه. وبينما كان كواناش يثبّت رومان ويكبته إلى الأرض، جاء أحد الفرسان ممسكًا بحبل ليقيده به.
ـ “كُح… كُح…”
كواناش الذي كان ما يزال يتقيأ الدم، تمتم بصوت غاضب وهو يقيّد رومان:
ـ “لن يكون موتك سهلًا.”
كان واثقًا من أنه قادر على جعل الموت يبدو وكأنه راحة. كيف لرجل دمّر “يوسفير” بهذا الشكل أن يُسمح له بموت هادئ؟ كواناش لم يكن رحيمًا إلى هذا الحد.
وبعد أن جرّ الفرسان رومان بعيدًا، أسرع كواناش مهرولًا نحو يوسفير.
كان الجنود قد استدعوا طبيب الحامية في تلك الأثناء، وكان الأخير يفحص نبض يوسفير المستلقية على محفة.
قال كواناش بصوت مرتجف وهو يجثو إلى جانبها:
ـ “هل هي بخير؟ ما حالتها؟”
أراد الفرسان والأطباء أن يجثوا معه احترامًا، لكن كواناش أوقفهم بيده. فمثل هذا البروتوكول لم يكن مهمًا في هذه اللحظة.
أجاب الطبيب، الذي كان يعمل في منطقة حدودية نائية وقد انكمش رعبًا أمام كواناش:
ـ “يـ… يبدو أنها فقط فقدت وعيها نتيجة إنهاك شديد. حياتها ليست في خطر.”
ـ “نـ… نعم… ستتعافى تمامًا إذا حصلت على قسط كافٍ من الراحة.”
لو كانت مصابة إصابة خطيرة كما في المرات السابقة، لكان كواناش فقد صوابه تمامًا.
ـ “أسرعوا… انقلوها إلى الداخل.”
تمتم كواناش بصوت مخنوق. فحمل الجنود يوسيفر وأدخلوها إلى الثكنة.
وكان كواناش يسير إلى جوارها، لا يحوّل نظره عنها ولو للحظة. كانت أنفاسها تصدر بصوت حاد متقطع، ووجهها شاحبًا للغاية.
بشرتها التي كانت دائمًا ناعمة بلا شائبة، امتلأت بجروح وندوب متناثرة. لم تكن بالغة العمق لتترك أثرًا طويل الأمد، ومع ذلك كان مجرد إصابتها أمرًا مرعبًا بالنسبة له.
(لماذا دائمًا تُخاطر بجسدك هكذا…؟)
شعر بوخز في قلبه، وغصّة خانقة سدّت أنفاسه. لكنه لم يستطع أن يعاتبها، فقد عرف جيدًا أن القبض على رومان دون خسائر جسيمة كان بفضلها.
رآها الجنود وهي تواجه رومان وحدها، تدير ظهرها للجميع لتحميهم.
يوسفير، التي تستعمل سحرًا هائلًا كان يُظن أنه اندثر من القارة البشرية، بدت أشبه بكائن غير بشري. كأنها كائن أسطوري من الأساطير القديمة.
قوة ساحقة ممزوجة بروح طيبة تبذل نفسها لحماية الجميع… لقد شعر كل من شاهدها بصدق قلبها.
لم يستطع أحد أن ينكر أنها المنقذة.
قبض كواناش على يد يوسفير المسترخية بلا قوة.
دائمًا كان الأمر هكذا… في حياته السابقة والحالية، كانت يوسفير دائمًا موجودة في حياته كمنقذة.
رغم أنها نفسها لم تكن تدري.
—
ذبذبات خفيفة تحيط بجسدي، دفء بشرة تمسك يدي… تلك كانت أولى الأحاسيس التي أدركتها بعدما استعاد وعيي المظلم فجأة.
ارتعشت جفوني المثقلة. كان بجسدي كسل عام، لكن لم يكن هناك ألم أو إرهاق. بل على العكس، شعرت وكأني استيقظت من نوم عميق منعش.
ـ “همم…”
فتحت عيني ببطء، فرأيت ملامح مألوفة في مجال بصري الضبابي.
ـ “يوسفير؟”
ـ “آه…”
إنه صوت كواناش المرتبك وهو يناديني. كان محيط عينيه محمرًّا، ويداه المرتجفتان تطوّقان وجهي على عجل.
ـ “هل استعدتِ وعيك؟ سأوقف العربة الآن، ونتصل بالطبيب فورًا…”
سارعت أجيبه بصوت أجش محاولًا تهدئته:
ـ “لا، أنا بخير. بخير تمامًا. لا حاجة لإيقافها.”
في حياتي كلّها لم أشعر بهذا القدر من الصحة والحيوية.
ـ “بل… نحن داخل عربة إذن.”
حرّكت عيني أتفقد المكان جيدًا. كانت عربة ضخمة بحجم غرفة يستخدمها عامة الناس. لم أستطع تخمين عدد الأحصنة التي تجرها.
كنت أستلقي فوق سرير وثير. وكان اهتزاز العربة خفيفًا جدًا لدرجة أنه لو لم أكن أركبها، لما عرفت أنني بداخلها.
قال كواناش وهو يداعب وجنتي وذقني بحذر بأنامله الخشنة:
ـ “أحضرتُ هذه على عجل. بما أنكِ لم تستيقظي لفترة، كان علي أن أوفر لكِ أكثر وسيلة راحة حتى نصل إلى القصر الإمبراطوري.”
سألته:
ـ “هل بقيتُ فاقدة للوعي طويلًا؟”
أومأ بوجه قاتم:
ـ “لقد استيقظتِ بعد خمسة أيام كاملة.”
ـ “خمسة أيام…؟ وماذا عن إصابتك؟”
تذكرت الدم الذي سال منه قبل أن أفقد وعيي، فدوخني التفكير.
ـ “أنا بخير. لم تكن إصابة عميقة أصلًا.”
تنفست الصعداء لا إراديًا.
ـ “وماذا عن رومان؟ وجاكسور؟ وماريان؟”
عقد كواناش حاجبيه الغليظين بانزعاج:
ـ “أهذا أول ما تسألين عنه بعد استيقاظك؟ اهتمي بنفسك أولًا، يوسفير.”
ـ “لكنني بخير فعلًا! لست أقول هذا مجاملة، بل أشعر بنشاط غريب غير معتاد.”
اعتدلت ببطء من السرير. كان كواناش جالسًا على كرسي طويل إلى جواري.
نظر إليّ بعيون مشككة، ثم مد يده ليمسح خدي بقوة أكثر قليلًا.
ـ “حقًا؟ حتى الندوب اختفت بسرعة غير طبيعية…”
عندها أدركت أن الجروح التي أصبت بها في معركتي مع رومان قد اختفت تمامًا.
ـ “صحيح…؟ غريب فعلًا، كان من المفترض أن تكون قد بدأت تتقشر الآن.”
ـ “إن كنتِ بخير فعلًا…”
توقف لحظة يلتقط أنفاسه، ثم فجأة قبض على معصمي وسحبني نحوه بقوة.
ـ “آه!”
فقدت توازني وسقطت في حضنه. لف جسدي بسرعة وأجلسني على فخذه.
ـ “كو… كواناش؟”
بدوت كطفلة صغيرة بين ذراعيه.
قال متقطعًا وهو يعانقني بإحكام أكبر:
ـ “فقط… دعيني أبقى هكذا قليلًا…”
انحنى قليلًا ليحيطني بذراعيه، فغمرتني حرارة جسده الصلب.
لامس وجهي جانب صدره، وكان صوته ينبض في أذني بوضوح، قويًا ومتسارعًا.
لقد مر وقت طويل منذ أن كنت قريبة منه هكذا.
ومع زوال الدهشة، تسلل الخجل إلى داخلي، وبدأت أشعر بالحرارة في أطراف أصابعي. عندها فقط أدركت هيئتي غير المرتبة.
كان شعري الطويل متشابكًا بفعل استلقائي طويلًا، وربما التصق حول عيني بقايا النوم.
رغم أنني أعلم أن كواناش لا يبالي بهذه التفاصيل، إلا أن قربه جعلني أشعر بالحرج.
في تلك اللحظة، أسند ذقنه فوق رأسي ومسح شعري برفق، ثم طبع قبلة خفيفة عليه، وقال بصوت منخفض:
ـ “لطالما رغبت بهذا. كنت أخشى أن أفقدك مجددًا… كم عانيت…”
كان صوته المبلل بالعاطفة يتسرب من فوق رأسي.
أرخيت كل قوتي واعتمدت على صدره. لقد كان حضنه أشبه بعشّ، دافئًا وآمنًا من أي اختراق خارجي.
تابع كواناش ببطء:
ـ “الجميع بخير. رومان وجاكسور أُسرا، ويُنقلان الآن في الخلف. وقد أمدّتنا مقاطعة قريبة بأساور قمع السحر، فثبتناها على رومان. بل وبترنا لسانه، لذا يمكن القول إنه فقد قوته تمامًا.”
ـ “لسانه…؟”
ـ “نعم.”
أجاب بهدوء، لكنني لم أستطع إخفاء دهشتي.
كان رومان يعتمد على تلاوة تعاويذ شفوية لممارسة سحر اللعنات. حتى عندما لوّث النهر بلعنته، كان يحرك شفتيه مرددًا الطلاسم. والآن أصبح كل ذلك مستحيلًا.
(لكن قد يكون يخفي قوة أخرى مثلما أفعل أنا…)
لهذا كان قرار كواناش بتركيب سوار قمع السحر له تصرفًا بالغ الحذر.
رومان، وقد جُرّد تمامًا من قواه، سيُقتاد إلى القصر الإمبراطوري.
كم كنت أتمنى لو أنهم فعلوا هذا به منذ البداية عندما سجنوه هناك… لكن بما أنني فقدت وعيي آنذاك، لم يعرف أحد أنه ساحر أصلًا، ولذلك لم يتمكنوا من فعل شيء أمامه.
“استجوبتُ جاكسور بشكل متقطع لمدة خمسة أيام. أما رومان، فيصعب عليه الكلام بعدما قُطع لسانه. لكنه سيُستجوب هو الآخر بمجرد وصوله إلى القصر الإمبراطوري. ألا يمكنه الاعتراف كتابةً؟”
“صحيح… هل اعترف جاكسور بشيء؟”
“ليس بعد.”
بدا أن صوت كواناش اهتز قليلًا في النهاية.
“لا يبدو أنه ينوي أن يفتح فمه ليخبرنا لماذا ساعد رومان، ولماذا خانني. سأبحث في الأمر أكثر عند وصولنا إلى القصر الإمبراطوري.”
كانت نبرته رسمية للغاية.
“أمسكنا بالاثنين، لكن ما زال هناك الكثير لننجزه. علينا أن نكتشف ما إذا كان هناك آخرون تعاونوا معهم. وبناءً على مظهر رومان، يبدو أنه من المؤكد أنه أحد أحفاد عائلة فيرنين الملكية.”
بدا أن كواناش كان يتعمد أن يسرد تفاصيل العمل بسرعة. فكيف يمكن أن يكون قلبه بخير بعد أن خانه صديق قديم؟
سألتُه بحذر:
“هل أنت بخير؟”
“لا شيء يجعلني لست بخير. رومان قُبض عليه، وأنتِ بأمان.”
“ولكن…”
“لا تقلقي.”
كان كواناش يخفي مشاعره ويتظاهر بأنه بخير. شعرت بالأسف على كواناش الذي كان يتقمص هذه الصورة المثالية.
حركتُ ذراعي ببطء ومسحتُ على خاصرته بلطف. كانت تلك طريقتي في التعبير عن المواساة، فانتفض جسد كواناش كله.
“يوسيفر. إن لمستني هكذا…”
تنهد كواناه بعمق وقال:
“لم أقل إني لا أرغب بكِ، كل ما في الأمر أني قلتُ إني لن أجبركِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 70"