الدخان المشبَّع بالحامض غطّى نباتاتي، وفجأة تششش ارتفع صوت مزعج، وبدأت السيقان تتآكل.
“اللعنة…”
عضضتُ على شفتي وأنا أشعر بحياة النبات تخبو. بسرعة أمسكت بكتف ماريان وحركتها معي إلى الخلف مبتعدةً عن تأثير الحامض.
لم أتوقع أن يستخدم مخطوطة.
لابد أنه أنفق ثروة طائلة ليحصل عليها من أحد الأجناس الأخرى، حيث لا تزال السحر شائعًا هناك. سحر هجومي بهذا المستوى يستحيل العثور عليه في قارة البشر.
هل يملك المزيد من المخطوطات؟
لقد جنى الكثير من المال من احتكاره لتوزيع دواء التصلب الحجري، ويبدو أنه أنفقه ليشتري سحرًا يحمي نفسه.
لكن… لا أعرف الكثير عن السحر الهجومي.
وفوق ذلك، ما يأتي من الأجناس الأخرى أقوى بكثير من سحر البشر.
هل أستطيع مواجهته؟
لم أكن معتادة على القتال. خوف خفيف التفّ حول جسدي.
في حياتي السابقة نادرًا ما استخدمت قوتي، وحتى في حياتي الحالية كنت أساعد الجنود من الخطوط الخلفية عبر تعزيز دفاعاتهم فقط.
وفوق ذلك، عدوي أمامي هذه المرة إنسان حيّ. هل أستطيع حقًا أن أهاجمه بلا تردد، وأصدّ هجماته؟
لا. يجب أن أفعل.
اهتز قلبي للحظة، ثم وجدت الجواب سريعًا. لم يكن هناك خيار آخر. عليّ أن أواجهه بنفسي.
كان هناك مثل يقول: “لمواجهة ساحر قوي تحتاج إلى فيلق كامل.” صار هذا قولًا قديمًا الآن، لكنه يعبّر عن حقيقة أن قلة نادرة تستطيع هزيمة ساحر في مواجهة فردية.
لو ضيّقت المسافة بيننا فقد يكون لي أمل، لكن من المستحيل أن يسمح هو بذلك. ولكي أصل إليه عن قرب، سيتطلب الأمر تضحيات كثيرة.
أما الهجوم عن بعد، فالأفضل أن يُقابَل عن بعد أيضًا، ليكون الخطر أقل. وهذا يعني أن الشخص الأكثر قدرة على كبح رومان هنا… لم يكن سوى أنا.
بدأ الدخان المتصاعد من المخطوطة يتلاشى تدريجيًا، وراح رومان يحدّق بي بعينين متألقتين.
المسافة بيننا كانت معتبرة، لكني استطعت قراءة نية القتل في نظرته.
“أنتِ…”
قالها بصوت منخفض. ارتجفت عضلات وجهه، ثم بدأت بشرته تذوب كأنها تتلاشى.
لقد انكسر سحر التحوّل.
لقد استنزف قدرًا هائلًا من ماناه حين أطلق سحر المخطوطة. فالمخطوطات التي تحوي سحرًا عظيمًا مثل الذي استخدمه تتطلب من مُطلِقها أن يدفع جزءًا من قوته.
وبينما كان قشره الخارجي يذوب، ظهرت ملامحه الحقيقية:
شعر فضي، وعينان بلون أرجواني.
ابتسم رومان ابتسامة مائلة وقال:
“…أه. تلك الأميرة المزعجة؟ يوسفير كاتاتيل. ما من أحد من البشر قادر على إطلاق سحر كهذا سواها.”
نطق اسمي بالضبط.
ارتجفتُ للحظة، لكني لم أُجب.
“هل تعرفين من أنا؟”
ظنّ رومان أنني لم أتعرف إلى حقيقته. ظللتُ أراقبه بصمت، بينما عقلي يعمل كيف أهاجمه.
قد يملك المزيد من المخطوطات. لو هاجمته بتهوّر فسأستنزف نفسي قبله.
“لكن ما الذي جرى لكِ؟ هل لحقتِ بي متنكّرة بزي رجل إلى هنا… آه.”
تجمّد وجهه وهو يتابع سخريةً.
“صحيح، رومان.”
فتحتُ فمي أخيرًا بصوتي الحقيقي الهادئ. عند سماع اسمه، تجمّد وجهه أكثر، وعيناه اضطربتا.
هذا الرجل الذكي والماكر ربط الخيوط فورًا، وأدرك أنه سقط في فخ.
أليس من الغريب أن تأتي الإمبراطورة متخفية إلى حدود المملكة؟ لا بد أن هناك سببًا. وتوصل رومان إلى فرضية:
هذه المرأة ليست مجرد إمبراطورة. أن تأتي ساحرة قوية كهذه متخفية سرًا، فهذا يعني أنها تخوض مهمة سرية، مثل القبض على ساحر هارب.
“ماذا… هل كنتِ تعرفين بوجودي هنا من قبل؟”
ضحك ضحكة صاخبة، ثم انقلب وجهه إلى الغضب.
“كيف عرفتِ؟! كيف عرفتِ أنني رومان، وأنني هنا؟!”
تظاهرتُ بالتماسك وأجبتُ ببرود:
“العجيب أنك تظن نفسك مخفيًا. كنت واثقًا أكثر من اللازم.”
“ماذا؟!”
“تغيّر المظهر لا يغيّر الجوهر. طالما تبث هذه الهالة الكريهة، فكيف تظن أنك ستظل مختفيًا؟”
احمرّ وجه رومان من الانفعال، وعيناه بدتا كأنهما تلمعان بالحمرة.
“كان يجب أن أتخلص منك تمامًا.”
“فشلك في ذلك خطؤك أنت.”
“اخرسي.”
“أعرف ما فعلت. أجريتَ تجارب على من ماتوا بمرض التصلب الحجري، أليس كذلك؟”
“كيف…؟”
كلما ضغطتُ عليه بهدوء، ازداد وجهه توترًا وارتباكًا. لم يبدُ أنه تخيل يومًا أن خططه ستنكشف للعلن.
لكن لا وجود لسر كامل. النباتات شهدت كل أفعاله القذرة وتذكرتها.
لقد حاول تلويث قوة الحاكمة بسحر ملعون، وتدنيس العالم… الطبيعة على الأقل لم تغفل ذلك.
“من أخبرك؟ دياكويت؟ هل قاله لك أخوك؟”
“من يدري.”
هكذا، من فمه اعترف بالتحالف. كنت أتوقع ذلك، لكن سماعه منه مباشرة جعل صدري ينقبض بمرارة.
دياكويت… هل أراد حقًا السيطرة على القارة حتى بالتحالف مع شخص كهذا؟
هل كان الأمر كذلك حتى في حياتي السابقة؟
لكن في تلك الحياة انتهى النصر لإمبراطورية رادون. صحيح أن تحالف الشمال صمد طويلًا ضد كواناخ على نحو غير متوقع، لكن…
إذن، حتى في حياتي السابقة، لا بد أنهم تحالفوا مع رومان. فالأحداث قبل موتي لم تتغير كثيرًا.
لكن لماذا، رغم قوة رومان وتجاربِه، لم يظفروا بالنصر؟
تملكني الاستغراب، حين تذمر رومان متحسرًا:
“كل شيء كان يكتمل… كان كاملًا. كل شيء في قبضتي…”
يكتمل؟ إذن لم يكتمل بعد.
ربما فشل في النهاية بتلك التجارب.
رغم ثقته بنفسه، انتهت طموحاته بالانكسار، ولم يخلف إلا حربًا دامية جعلت القارة كلها تتألم بلا جدوى لسنوات.
“لا. لن تجني شيئًا.”
انعوجت شفتاه بمرارة.
“لن تترك خلفك إلا جراحًا قذرة على هذه الأرض. رومان، كنتَ مخطئًا.”
“وأنتِ… أميرة مدللة لم تعرفي سوى الترف. ماذا تعرفين حتى تتفلسفي؟”
في عينيه ظهر ظل من المرارة. لم أعرف بالضبط سبب تحطمه بهذا الشكل، لكنني شعرت أن جذور تشوّه روحه عميقة جدًا.
“امرأة مثلكِ، عاشت محبوبة من الجميع… ما الذي يمكن أن تفهميه؟”
“ليس تمامًا.”
أجبته بهدوء.
في يوم من الأيام كنتُ أيضًا مهمَلة، تعاملني الناس كأنني مهملة منبوذة.
لكنني خطوت بقدمي خارج تلك الدائرة. واخترت أن أستخدم قوتي في ما يفيد الآخرين. كان ذلك خياري أنا.
ربما كان ما عاناه رومان أفظع بكثير. لكن ذلك لا يمنحه الحق أن يراني كأميرة مدللة بلا هموم.
لقد بذلت جهدي دائمًا. كي أحمي هذا العالم.
كي لا يدفع أمثال رومان الأبرياء إلى الموت.
كي لا يُترك الناس يتعذبون بين الألم والموت.
لذلك لم أرغب في سماع كلمات مثل كلماته.
أمسكتُ ببعض البذور أكثر، وغمرتها بالقوة. شعرت أن البذور في كفي والأرض تحت قدمي كلها تنسجم مع إرادتي.
“رومان. هذا هو حدك.”
كما توقعت، أخرج هو أيضًا مخطوطة أخرى من صدره.
كم عدد المخطوطات التي ما زال يحملها؟ والأسوأ… لا أعرف ما نوع السحر التالي…
كنت خائفة، لكني ركّزت ذهني.
قد يسمع كواناخ وجنوده الضوضاء ويتجهون نحونا.
لكنني رغبت في إنهاء المعركة قبل وصولهم. فلو استخدم رومان سحرًا واسع المدى قد يتأذون جميعًا.
أملتُ رأسي قليلًا وهمست لماريان، التي كانت ما تزال مذهولة:
“ماريان، التصقي بي تمامًا.”
ارتجفت ماريان للحظة، ثم أمسكت بذراعي بقوة.
بووووق!
تمزقت المخطوطة الثانية بيد رومان.
وفورًا اجتاح المكان إعصار هائل، يكاد يضاهي قوة إعصار حقيقي.
أغمضت عيني بقوة لا إراديًا، فالعاصفة كانت عاتية.
طار قبعتي من فوق رأسي، وسقطت الشوارب المزيفة التي كنت قد ثبتها بإحكام. أما الشعر المستعار الذي ارتديته، فارتخى بفعل الريح حتى حجب بصري، فما كان مني إلا أن نزعتُه ورميته.
شعري المربوط بعقدة واحدة في أعلى رأسي انفلت، وأخذ يتطاير في الهواء كالسياط، يجلد وجهي من الجانب.
تضاءلت العاصفة تدريجيًا، ثم أخذت شكل دوامة هادرة.
دوامة ضخمة اتجهت مباشرة ناحيتي، بحجم قادر على ابتلاع عدة أشخاص دفعة واحدة.
تماسكت بالكاد، وأسرعت في إنبات نباتات جعلتها تتشابك وتلتفّ حولي وحول ماريان، لتكوّن قبة محكمة كبيت زجاجي.
كان ذلك درعًا مؤقتًا من النباتات.
صحيح أنه تكوّن في لحظة، لكنه كان مرتجلًا، وفيه ثغرات واضحة.
ماريان اتسعت عيناها من الدهشة، وحدقت في الكروم الخضراء التي غطت مجال رؤيتها فجأة، ثم تمتمت بذهول:
“سحر… سحر جلالتكم أعظم بكثير مما سمعته الشائعات…!”
لكن دهشتها لم تدم طويلًا.
كوااااانغ!
مع دوي هائل، اصطدمت دوامة رومان التي استحضرها بالمخطوطة، مباشرةً بدرع النباتات الذي أحطتُ به أنفسنا.
التعليقات لهذا الفصل " 67"