وعلى الرغم من أنني لم أشرح شيئًا، إلا أن أوسلين كان سريع البديهة بشكل مدهش.
قال:
“إنني أرسلتها بأمر مباشر من جلالة الإمبراطور لأداء مهمة عاجلة وسرية، فلا داعي لإيقافها، يا سير دومينيك.”
ردّ الفارس بسرعة وقد زال شكّه:
“آه، هكذا كان الأمر إذن.”
وبتدخّل أوسلين وتوضيحه، انحلت المسألة بسهولة.
تنفست الصعداء، ثم خرجت مع ماريانّ من بين الحشد.
كان كواناش قد أعلن أنه يتفقد المنطقة، لذا فلا بد أنه يطوف بين الثكنات وساحة التدريب.
شددت قبضتي على بعض البذور التي كنت قد وضعتها مسبقًا في جيبي تحسّبًا، وسرت بسرعة في أحد الأزقة.
قالت ماريانّ وهي توسّع خطاها للحاق بي، ثم سألت بدهشة:
“هل جلالة الإمبراطور في خطر الآن؟”
أجبتها بجدية:
“قد يكون كذلك. ماريانّ، أنتِ تعرفين رومان، أليس كذلك؟”
“نعم. أليس هو رئيس نقابة غيللي التجارية؟ خلال التحقيق فرّ خلسةً من القصر الإمبراطوري، وصدر بحقه أمر ملاحقة في أرجاء الإمبراطورية. الجميع يشتبهون بأنه المجرم الحقيقي الذي حاول اغتيال جلالة الإمبراطورة. لكن… لماذا تذكرونه الآن…؟”
“رومان موجود هنا.”
“ماذا؟! لكن كيف وهو مطلوب للإمبراطورية كلها؟”
“لقد تنكّر مثلنا. لكنه أكثر براعة بكثير، متقن لدرجة يصعب كشفه. قد يكون الآن بجانب جلالته. إنه خطر. يجب أن نبلّغه فورًا.”
“آه، فهمت.”
كانت ماريانّ متعطشة لمعرفة ما يجري، لكنّها لم تطرح المزيد من الأسئلة. أما أنا فلم يكن لدي وقت كافٍ لأشرح كل شيء.
لذلك لم نفعل سوى أن أسرعنا أكثر نحو الجهة التي تقع فيها الثكنات.
—
في تلك الأثناء، كان رومان يتلفّت حوله بقلق.
رأى بوضوح صورة كواناش وهو واقف بعيدًا، ينظر بتألق وهيبة فيما يتحدث مع قائد الحرس.
(يا للغثيان…)
كلما وقعت عيناه على كواناش، تدفق الغلّ من أعماق أحشائه.
(كان ينبغي أن يكون ذاك مقامي أنا…)
كان رومان يعتقد اعتقادًا راسخًا أنه المختار.
ذلك أن قوته الخارقة للطبيعة لم تكن إلا الدليل على ذلك.
(لقد كان هذا من حقي منذ البداية.)
عائلة فيرنن المالكة، التي حكمت جنوب القارة البشرية طويلًا، اشتهرت بأن جدّها المؤسس قد حظي ببركة الحاكم، مثل أسرة كاتاتيل.
سلالة تحظى بعطف الحاكم.
كان كل ملوكها وأميراتها جميلين، حكماء، مولودين بسحر فطري، بشعر فضي وعيون بنفسجية زاهية—لون لم يظهر طبيعيًا في غيرهم، دلالة على أنهم المختارون.
ومن أجل تقوية هذا الدم المقدس، انغمسوا في زواج الأقارب بلا توقف، متشبثين بهاجس “لا ينبغي أن تختلط سلالتنا بالشوائب”.
لكنّ عواقب ذلك ظهرت بمرارة.
فقد انتقلت الجنون والاضطرابات النفسية بالوراثة، ومع مرور الأجيال صار الملوك أكثر ضعفًا حتى لم يعودوا قادرين على احتمال ثقل التاج.
ومع انهيار عقل الملوك، كان انهيار المملكة مسألة وقت.
لكنهم ازدادوا تعلقًا بالأوهام.
راحوا يحلمون بالكمال المقدس والجمال المطلق، متطلعين إلى مقعد الحاكم نفسه.
وبحثوا عن الخلود عبر تجارب سحرية محرّمة.
وكان أول ما استحوذ على اهتمامهم هو النيكرومانسي، سحر إحياء الجثث.
قتلوا الأبرياء، ثم أعادوا جثثهم للحياة في تجارب متكررة.
وإن كانت هناك بعض النتائج، فلم تكن سوى جثث تمشي وتتنفس، بلا عقل، بلا روح، مثل دمى.
أما آخر ملوك فيرنن—المجنون تمامًا—فقد تجاوز الحدود.
حين أحيا جثة، عمد إلى ارتكاب تجربة مقززة، فلقّحها بنطفته لينجب منها.
كان يظن أن الأطفال المولودين من جسد ميت عاد إلى الحياة سيكونون أرقى من البشر، وأنهم سيرثون عرشه ويصعدون معه إلى مقام الألوهية.
وهكذا وُلد توأمان.
لكن في تلك الفترة بلغ جنون الملك ذروته، حتى إنه نسي أنه جعل جثة تحمل توأمين.
كانا كائنين محتقرين، أو أدنى من أبناء السّراري.
كلاهما كان ذكرًا.
الأخ الأكبر وُلد بشعر فضي وعيون بنفسجية، لا يمكن إنكار أنه من دماء فيرنن الملكية.
أما الأصغر فقد وُلد بشعر رمادي قذر، وعينين بين البنفسجي والبنفسجي الغامق.
التقط القصر الأخ الأكبر سرًا، لكنه ظلّ محبوسًا في أقبية مظلمة، يتعرض لتجارب لا نهاية لها للتحقق من “ماهيته”.
بينما طُرد الأصغر إلى خارج القصر، إذ لم تبدُ عليه سمات العائلة المالكة.
كبر الأصغر كعبد مقاتل، ولم يعرف أصله حتى بلوغه.
أما التوأم الأكبر الذي تربى في سرية، فقد أصبح ساحرًا عظيمًا ذا قوة هائلة.
اسمه كان رومان.
في ذلك الوقت كان قد شاع أن بركة الحاكم هجرت أسرة فيرنن منذ زمن بعيد، وانقطع نسل السحرة بينهم.
لكن رومان كان مختلفًا—أقوى من أي أمير سبق.
ومع ذلك لم يجرؤ أحد على منحه مقام الأمير علنًا، فقد كانت ولادته من الموت باعثًا على النفور الغريزي.
تُرك رومان مهملًا حتى بلغ السادسة عشرة، فهرب من قبو القصر بقوته وحده.
خرج متخفيًا، مرتديًا جلودًا مسلوخة من بشر آخرين ليغير هويته.
فهو قادر أن يصبح أي شخص، وكأن جسده مجرد قشرة قابلة للاستبدال.
لم ينظر إلى القصر يومًا على أنه بيته، ولم يعترف بأهله هناك.
لكنه علم بوجود أخ له… وكان يريد أن يجده.
كان اسم أخيه: جاكسور.
(أنا الذي حُبست في القبو وعوملت كفأر تجارب، وأنتَ الذي عشت تحت الشمس لكنك عانيت كعبد… أيُّنا عاش حياة أشقى؟)
كان رومان يعتقد أنه لا بد أن يلتقي شقيقه، فهو الكائن الوحيد الذي يشبهه في هذا العالم.
لكن العالم اهتزّ بالثورة.
انهارت مملكة فيرنن التي كانت على وشك الانهيار أصلًا.
ومن وسط الرماد صعد العبيد ليؤسسوا عصرًا جديدًا.
على رأسهم: كواناش.
وبجانبه، أوفى أصدقائه: جاكسور.
راقبهما رومان من بعيد.
كان جاكسور يبتسم بإخلاص صافٍ وهو بجوار كواناش.
وحينها اتضح كل شيء.
من هو الأتعس حقًا؟
(أخي… لولا أنك تجهل أصلك، ما كنت لتعيش بهذا السعادة. تعتقد أنك مجرد إنسان عادي، وهذا ما جعلك مطمئنًا.)
لقد وُلد جاكسور بلا سحر، ومن ثم رُفض.
لكن ذلك سمح له بأن يعيش حياة بشرية طبيعية، مختلفة عن جحيم رومان.
حين علم رومان أنه عبد، شعر بالارتياح، معتقدًا أن شقيقه يلقى نفس الاحتقار.
لكن جاكسور لم يعد عبدًا… وحياته لم تبدُ بائسة قط.
شعر رومان وكأن كل شيء قد سُلب منه.
فماذا عليه أن يفعل؟
سأل نفسه. وجاءه الجواب بسرعة:
أن يستعيده.
نعم، أن يستعيد كل ما كان يجب أن يكون له منذ البداية.
أخيه الوحيد.
والإمبراطورية العظيمة بأسرها.
لقد بذل الكثير بالفعل للوصول إلى هذه النقطة.
رفع بصره نحو الأسوار العالية المشيّدة على الحدود، ونظر إليها بعينين مظلمتين.
(لم يبقَ سوى أن أغادر هذا المكان… عندها سأضع حدًا لكل شيء.)
لقد تعرقل مخططه قليلًا بسبب يوسفير.
فلو أنها ابتلعت السم وماتت، لكان قد وجد ذريعة فورية لإشعال الحرب في الشمال، وحشد تحالفًا ضخمًا.
لكن في الوقت الراهن لم يكن هناك محور يمكن أن يجمع حوله اتحاد الشمال العظيم.
لو أن الهجوم قد بدأ من الخارج لكان الهروب أسهل بكثير. غير أنّ الوضع الآن، حيث ينصبّ اهتمام الإمبراطورية كلها على القبض على “رومان”، جعل الأمر شاقًا حتى على رومان نفسه، الذي اشتهر بأنه بارع في الفرار.
[ما علينا، لا بأس. إن لم تقع حوادث طارئة، فلن يكون هناك طعم للمتعة.]
كان يمكنه اعتبار هذا مجرد مرحلة تحضيرية لإثارة الحماس. لم يكن الأمر سيئًا.
ففي النهاية، التقى بأخيه الأصغر “جاكسور”، وكاد أن ينهي التجارب التي أجراها على الجثث المصابة بمرض التصلب.
في نظر رومان، لم يتبقَّ سوى بعض التحسينات البسيطة لتكتمل التجربة.
والآن، لم يتبقَّ سوى أن يقلب القارة رأسًا على عقب ليستعيد الإمبراطورية التي كانت في الأصل ملكًا له.
ألقى رومان نظرة جانبية على جاكسور.
كان جاكسور يقف بجوار “كواناش “، ولمح للحظة أخاه الأكبر قبل أن يحوّل بصره بعيدًا.
كان من أجل كسب جاكسور إلى صفه قد تطلّب جهدًا مضنيًا.
فقد تواصل معه لأول مرة قبل نحو عامين.
في البداية لم يرد جاكسور أن يصدق حقيقة أصله، بل أنكر رومان. لكنه في النهاية تقبّل جذوره.
في اليوم الذي فرّ فيه رومان من القصر الملكي، سرق جاكسور سجلات التجارب البشرية التي أُجريت عليه وهرب بها.
وكان هناك أيضًا مقطع قصير يتناول سجل أخيه التوأم.
وبعد أن قرأ جاكسور كل ما تعرض له أخوه الأكبر، وقع في حيرة شديدة.
حينها همس رومان في أذن شقيقه:
“الدم أسمى من الماء. لقد خرجنا من رحم واحد. لقد حُبل بنا في موت واحد.”
شعر جاكسور بالاشمئزاز، لكنه مع ذلك رقّ قلبه تجاه أخيه.
“مهما قضيت طفولتك مع ذلك الرجل كواناش، فشقيقك الحقيقي هو أنا.
الشخص الذي يجب أن تخلص له ليس كواناش … بل أنا.”
العبد لا يملك عائلة.
وتلك كانت أعظم مآسي العبيد، فهم يعيشون بلا انتماء، يتقاذفهم العالم حتى يرحلوا وحيدين عن الدنيا.
أما بالنسبة لجاكسور، الذي كان عبدًا في الماضي، فقد كان ظهور شقيق حقيقي إغراءً حلوًا ومرًا في آن واحد.
رومان استغرق وقتًا طويلًا وهو يتفنن في إقناع شقيقه.
فجاكسور، على عكس مظهره، كان يمتلك جانبًا مستقيمًا وصلبًا. ويبدو أنّ العيش مع كواناه قد أثر فيه.
لهذا السبب، كان رومان يخفي عن جاكسور الحقائق القذرة المتعلقة بمرض التصلب وتجارب الجثث.
وكان يظل يكرر على مسامعه: “إننا نسعى فقط لاستعادة ما كان يجب أن يكون ملكنا منذ البداية.”
التعليقات لهذا الفصل " 65"