دَرْق، دَرْق. اهتزّت عربة الحمولة. حتى في ساعة متأخرة من الليل، لم تتوقف الرحلة.
كنا قد اقتربنا من النقطة الحدودية الثالثة التي سرب إليها كواناش معلومات كاذبة. من المرجح أننا سنصل إلى الوجهة بحلول صباح الغد.
كنت أقود العربة بنفسي، فيما أجلس ماريان بجانبي. كنت أتناوب أحيانًا مع سائسين آخرين، لكن جلوسي على مقعد السائس كان مريحًا لي نفسيًا.
فبوجود الآخرين، كان عليّ أن أخدش حنجرتي عمدًا لأجعل صوتي أخفض، وأظل قلقًا من أن يسقط شاربي المستعار. لم تكن تلك هي الإزعاجات الوحيدة.
كانت ماريان تشعر بالحرج لعدم تعلمها كيفية التعامل مع الخيول، مع أن ذلك لم يكن خطأها.
“بن.”
ناديتها باسمها المستعار الذي بات يلتصق بلساني. فاستدارت إليّ بسرعة قائلة:
“نعم، لوكاس.”
كنت قد أمرتها أن تخاطبني بدون ألقاب، لكن يبدو أن ذلك لم يكن سهلًا عليها. لذا، حين يكون الآخرون بالقرب، كانت تفضّل أن تصمت كليًا.
“إن كنتِ متعبة، فادخلي لترتاحي.”
لذلك كنت أغير نبرتي معها.
“لا، لست متعبة.”
“الوقت متأخر.”
“لا بأس.”
“عنيدة أيضًا.”
في الحقيقة، بعد أيام من المبيت في العراء، كنت أنا أيضًا مرهقًا بطرق عدة. جسدي صار متسخًا من قلة الاستحمام.
العمال البسطاء كانوا أحيانًا يرمون أجسادهم عراة في البرك القريبة، لكني لم أستطع فعل ذلك. لم أجرؤ حتى على الاقتراب من البرك، خشية أن أثير شكوكًا.
كل ما استطعت فعله هو أن أبلل قطعة قماش وأمسح جلدي داخل العربة.
(من حسن الحظ أنني لست مضطرًا للبقاء بجانب كواناه.)
مهما كان الأمر متعلقًا بالعمل، لم أرد أن أقابله وأنا بهذا المظهر البائس. خشيت أن تفوح مني رائحة، ثم إن وجهي المزين بشارب مستعار وشعر مستعار لم يكن جميلًا.
في بعض الأحيان، حين أنظر إلى كواناش في مؤخرة الموكب، يغمرني شعور غريب.
(الآن أفهم لماذا يُلقب بإله الشمس.)
فمن بعيد، بدا كواناش مختلفًا تمامًا عن ذلك الرجل الذي يتوسل عاطفتي .
كان أطول من الآخرين برأس كامل، وجسده متين، وصوته العميق يقود الموكب بقوة. والأهم من ذلك، وجهه الذي يبعث على الدهشة لدرجة أنه يُنسي المرء تعب المسير.
الهالة التي تحيط بكواناش كانت ساحقة. كوني الآن في موضع خادم بين جماعة المستخدمين جعلني لا أكاد أصدق أنه زوجي. أحيانًا كنت أجد نفسي أراقبه من بعيد، مسلوبة الذهن.
(كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا الكمال؟)
حتى الآن، لو مددت عنقي أستطيع رؤية ظهره وهو يقود المقدمة. شعرت بالأسف لبعدي عنه، لكن في الوقت ذاته كان ذلك يتيح لي تأملًا جديدًا فيه.
تمتمت وأنا أحدق في ظهره:
“هل تذكرين مبارزة جلالته مع جاكسور قبل أيام؟”
فأجابت ماريان بابتسامة صغيرة:
“تلك القصة ثانيةً؟”
“آه، هل أخبرتك بها من قبل؟”
“نعم. يبدو أنها تركت فيك أثرًا بالغًا.”
ضحكت ماريان بخفة. سعلتُ بهدوء وأنا أحمد الله أن القبعة تغطي وجهي، مخفيةً حمرة وجنتي.
كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها كواناش يقاتل بجدية. حتى وإن كانت مجرد مبارزة تدريبية، فقد كان مشهدًا مذهلًا.
حتى عند الاستلقاء للنوم، كان ذلك المشهد يتراءى لي، فيربكني.
(لقد بدا… قويًا للغاية.)
رغم جهلي التام بفنون القتال، إلا أنني أدركت مدى هيبته. رجل يفيض جسده بالقوة من كل مسام.
(وفوق ذلك… كان وسيمًا للغاية.)
بمجرد تذكره، أخذ قلبي يخفق بشدة. شددت قبضتي على اللجام أكثر.
من الطبيعي أن يصر على حمايتي. بالنسبة لرجل مثله، كنت بلا شك شخصًا ضعيفًا لا يعتمد عليه.
عندها دوى صوت إشارة من المقدمة، يأمر بالتوقف. صاح فارس:
“سنستريح هنا.”
أدار كواناش رأسه قليلاً، وتفحص أتباعه بعينيه. للحظة، بدا وكأن نظره توقف عليّ، هناك في مؤخرة الموكب. ربما كان مجرد وهم، فالمسافة بيننا بعيدة.
ثم قال بصوته الجهوري المهيب، الذي اهتز له الهواء من حولنا:
“سنصل إلى وجهتنا صباح الغد. وقبل ذلك، أردت أن أكافئكم على صبركم في هذه الرحلة الشاقة، فسأقدم لكم بنفسي كأسًا من الخمر.”
تعالت همهمات الحماس بين الناس. كأس خمر يسكبها الإمبراطور بنفسه! لا يوجد شرف أعظم من ذلك.
راقبت الجنود بسعادة وهم يتهللون. ملامحهم امتلأت بالحماسة.
لقد كنا نسير دون توقف بجدول مزدحم. ومع ذلك، بكلمة واحدة من كواناش ، تلاشى تعبهم.
بالطبع، نحن الحمّالون لن ننال شيئًا من ذلك. كنت أكتفي بالمشاهدة، لكن عندها جاء صوته مرة أخرى:
“بغض النظر عن المقام أو الرتبة، سأمنحكم جميعًا كأسًا من الخمر.”
الجميع؟!
نظرت إليه بدهشة.
حتى في إمبراطورية رادون التي ألغت التمييز الطبقي، بدا هذا الأمر ثوريًا للغاية بالنسبة لي.
انشغل الجميع بربط الخيول والتحضير للمبيت. أُضرمت نار كبيرة في الوسط لتبديد برد الليل.
وبالفعل، بدأ كواناش يصب الخمر لكل شخص على حدة. لم يكن الهدف سُكرًا، بل كان طقسًا للتقدير.
وقفنا جميعًا في دائرة حول النار، نتناوب شرب الخمر من كأس صغيرة واحدة.
قيل إنه تقليد قديم في الجنوب لتمني النصر. في هذه اللحظة، لم يكن هناك فرق بين الرتب والطبقات.
لم يكن يسكب سوى جرعة صغيرة تكفي لرشفة واحدة. وما إن يبتلعها الشخص، ينتقل إلى الذي يليه. كنت من بين آخر الدور.
(كواناش يهتم حتى بأدنى الناس.)
كان بإمكانه، وقد أصبح حاكمًا ذا سلطة، أن يتكبر وينسى أصله العبودي. لكنه لم يفعل.
راقبته يقترب مني ببطء، حتى صرت أستطيع رؤية ملامحه بوضوح بعد أيام من البعد.
شعرت بتوتر لا مفر منه. عليّ أن لا أتصرف بغرابة أمام الآخرين. لكن في الواقع، أي حمّال يتلقى كأسًا من الإمبراطور سيصاب بالارتباك. بل ربما الهدوء في مثل هذا الموقف هو ما يثير الشبهة. فاطمأن قلبي قليلًا.
كانت ماريان أمامي مباشرة. ما إن شربت وسلمتني الكأس، حتى قال كواناش:
“لحظة. يبدو أن هذا الكأس قد تضرر.”
مع أنه كان سليمًا طوال الوقت، إلا أن كواناش أمر بتغييره، قائلًا إن ذلك قد يجلب النحس.
وبذلك، أصبحت أول من يتلقى الخمر في كأس جديد.
انحنيت قليلًا وأنا أمد الكأس نحوه.
(ما هذا الموقف البائس…)
أحسست بالحرج من أن أقف أمامه بهذه الهيئة القذرة. كنت أعلم أنه لن يبالي، ومع ذلك تمنيت أن تمر اللحظة بسرعة.
صوت انسياب الخمر ملأ أذني. فجأة، لامست يده يدي. كانت بشرته حارّة كالنار. بذلت جهدًا كي لا أرتجف.
رغم أنه كان مجرد تماس عرضي، إلا أن كل أعصابي تركزت في موضع التلامس. جلدي أخذ يحترق حتى كاد يلسعني.
ما إن أنهى صب الخمر، حتى رفعت الكأس وقلت بصوت مخدوش بالكاد يخرج:
“ممتن لجلالتك.”
ثم أغمضت عيني وشربت كل ما فيه دفعة واحدة.
كانت الكمية أقل من ربع الكأس. بدا أنه قصد ذلك. لحسن الحظ، لم أكن من محبي الشراب، فاجتزته بسهولة. حرارة خفيفة فقط في الحلق، ثم انتهى.
وعندما فتحت عيني مجددًا، كان كواناش لا يزال واقفًا أمامي، يرمقني بنظرة عميقة.
“…….”
ارتجّت الحدقتان السوداوان. لقد رأيت ذلك البريق الكثيف في عينيه من قبل.
تحديدًا، قبل لحظة من أن يطبع شفتيه على شفتي.
أسرعت في خفض رأسي، هاربة من نظرات كواناش ، ثم ناولت كأس الخمر إلى من بجانبي. عندها فقط شعرت بالحرارة تتصاعد أسفل جبيني، لا أدري إن كان أثر الكحول قد تأخر وغطى رأسي.
لم أكن أجهل ما الذي تخفيه نظرات كواناش. ولهذا السبب شعرت بالخجل، وارتفعت حرارتي أكثر.
أخذ الذي بجانبي الكأس من يدي، وتجاوزني كواناش بخطواته. عندها فقط أطلقت النفس الذي كنت أكتمه ببطء.
مجرد لمسة عابرة معه جعلتني أغرق في إحساس غريب. حين نقل أوسلين إليّ تلميحًا أن كواناش يعاني، اكتفيت بالضحك وتجاهلت الأمر. لكن الآن—
اندفعت في داخلي رغبة في الإمساك بتلك اليد القوية الصلبة التي لامستني، ورغبة في الارتماء بين ذراعيه العريضة التي ظللت أحدق بها من بعيد طوال الأيام الماضية.
مثل هذه الشهوات أخذت ترفع رأسها فجأة.
(هل جننتُ؟…)
أن أُفكر في أمور كهذه، ونحن على وشك الانطلاق للقبض على رومان! اشتعلت أطراف أذني بحرارة.
لو لم ينظر إليّ كواناش بتلك العيون… لما كنت هكذا الآن. حاولت أن أُحمّله وحده مسؤولية ما أشعر به، وأجاهد لتهدئة قلبي الذي كان يضرب بجنون.
وهكذا انقضت الليلة الأخيرة قبل بلوغ الحدود، غارقة في حرارة غريبة لا أعرف كنهها.
التعليقات لهذا الفصل " 63"