الفصل 62
حتى بعد أن تنكرت يوسفير بزيّ الرجال، ظلّت جميلة.
لم تكن له أيّ هواية في تفضيل الرجال، ولم يحدث قط أن نظر إلى رجل وفكّر أنه جميل، لكن يوسفير بزيّ الرجال كانت تبدو فاتنة.
(لولا ذاك اللعين، رومان.)
كلما مرّ الوقت، كان الغضب في داخل كواناش تجاه رومان يزداد اشتعالًا.
لو لم يكن ذاك الوغد قد انسلّ مثل سمكة الأنقليس، لما اضطرت يوسفير إلى معاناة كهذه.
مع أنها لا تبدو وكأنها تعتبره عذابًا أصلًا.
على عكسه، الذي كان يتألم لأنه لا يستطيع حتى مبادرتها بكلمة واحدة رغم وجودهما في المكان نفسه، كانت يوسفير مشرقة للغاية. بل بدت أكثر نشاطًا من المعتاد.
في تلك اللحظة، تقدّم أوسلين بخطوات خفيفة نحو كواناش، الذي كان جالسًا بمفرده بعد أن أنهى طعامه.
“جلالتك، ما زلت فاقدًا للشهية؟”
“أشعر وكأنني أموت.”
بعيدًا هناك، كان جاكسور يتبارز بعد الطعام مع أحد الفرسان، بملامح بشوشة لا توحي أبدًا بأنه قد تحالف مع رومان.
بعد أن تأكد كواناش من أنّ جاكسور لا يلقي بالًا إليهما، خفّض صوته وسأل أوسلين:
“……كيف هي أحوالها؟”
لم يذكر الفاعل صراحة، لكن سؤاله كان واضحًا.
داعب أوسلين نظارته أحادية العدسة مبتسمًا بمكر. كان هذا يثير غيظ كواناش.
هو نفسه لا يجرؤ حتى على الاقتراب من يوسفير بالكلام، بينما أوسلين يتعامل معها بحرية تامة بصفته رئيسها المباشر، وهذا كان يغلي صدر كواناش.
قال أوسلين مبتسمًا ابتسامة عريضة:
“يبدو أنها بخير تمامًا. ربما كان القصر الإمبراطوري خانقًا لها. حسنًا، طبيعي أن يكون الأمر كذلك.”
ارتجف كتف كواناش.
لم يكن غافلًا عن أنّ أوسلين أشار مباشرة إلى الحادثة التي حاول فيها ــ بعينين مبهوتتين للحظة ــ أن يقيد حرية يوسفير.
منذ البداية، كان أوسلين قد انتقده معتبرًا أن مرسوم الحظر كان مبالغًا فيه.
ففي نظر أوسلين، يوسفير لم تكن ضعيفة كما توحي ملامحها الرقيقة، بل كانت قوية داخليًا وصاحبة رأي واضح.
وقد حذره أنّه إذا حاول تقييدها، فسوف يفسد العلاقة حتمًا. وكاد الأمر فعلًا أن يتحقق كما توقع أوسلين.
تمتم كواناش، بوجهٍ غلبت عليه الكآبة:
“تقول إنها بخير؟ بينما أنا أشعر وكأنني جالس على وسادة من المسامير. أن أضعها في مثل هذه الظروف القاسية…… إنه لأمر فظيع.”
“بالفعل. لو كان الأمر يخصّ أميرًا أو نبيلًا عاديًا لما استطاع أن يحتمله أبدًا. لكن صاحبتنا هذه استثنائية، أليس كذلك؟”
“……”
“لا تقلق كثيرًا. ما دامت هي نفسها تقول إنها بخير، فلماذا أنت تتعذّب وحدك؟”
“أشعر وكأنني أرتكب إثمًا. حتى الثياب الفاخرة لا تكفيها، فكيف بهذا الطعام؟”
أظهر أوسلين وجهًا بدا وكأنه قد ملّ من كثرة شكواه.
“لا تقلق بشأن الطعام. سأهتم أنا بتدبير الأفضل لها من الخلف.”
“لكن……”
“اصبر بضعة أيام أخرى فقط. أيُعقل أن تكون جلالتك أتعس حالًا منها؟”
“لا أستطيع حتى أن أكلمها أو ألمسها. سأجنّ! آه، ألم تذكر لي شيئًا؟ رسالة أو كلامًا تنقله لي؟”
“لم تقل شيئًا يُذكر.”
قطّب كواناش حاجبيه ولوّح بيده ضجرًا:
“اذهب.”
ابتعد أوسلين، وغرق كواناش في أفكاره.
هل هي فعلًا بخير في هذه الظروف؟
حسنًا، من البداية كانت كذلك. أميرة تجلس في ذلك الإسطبل الحقير بلا مبالاة.
(مع أنها تبدو أكثر شبهًا من أي أحد بصورة الأميرة في قصص الطفولة.)
يوسفير كانت تجسيدًا للصورة الغامضة التي تخيّلها كواناخ وهو طفل حين كان يتصور أميرة من الحكايات.
لم يرَ قط أحدًا أجمل أو أنبل منها.
كان القذر والحقير لا يليقان بها. مجرد وجود شيء كهذا بقربها كان يشعره وكأنه إثم.
لكن يوسفير نفسها كانت بعيدة تمامًا عن الكِبر الذي يليق بمكانتها.
ولذلك استطاعت أن تمد يدها بمنديلها الخاص لذلك العبد القذر البائس دون تردد.
وكذلك الآن. تبدو بخير حتى من دون أغطية ناعمة أو أثواب حريرية.
كأنها تستمتع بطعامها حتى دون لحم مطهو جيدًا أو شامبانيا فاخرة.
أما من كان متعطشًا لأن يغمرها بما هو أرقى وأبهر، فكان دومًا هو، كواناش.
رمق كواناش يوسفير بطرف عينيه ثم سرعان ما حوّل بصره. كانت تضع قبعتها منخفضة، فلم يستطع رؤية وجهها جيدًا.
انعقدت أصابعه من التوتر.
أن تضطر لتجاهلها وهي أمام ناظريك، كان ذلك أشبه بالتعذيب.
وبينما كان يطلق تنهيدة عميقة، شعر بحركة خلفه.
“ما لك تتنهد هكذا؟ ألدى جلالتنا ما يقلقه؟”
كان جاكسور، بضحكته المعتادة المتلاعبة.
“لا شيء يستحق القلق.”
ابتسم كواناش ابتسامة باهتة وهو ينظر إليه.
رغم أن صدره كان يلسعه في موضع واحد وكأن شوكة انغرست فيه، إلا أنه مثّل ببراعة أنه بخير.
“ما رأيك أن نتبارز قليلًا؟ بلا سيوف، لتصريف الطعام.”
“……لا بأس.”
وافق كواناش بسهولة.
وما إن بدا أنّ الاثنين سيتبارزان بالأيدي، حتى تحلق الفرسان والجنود بفضول، فاتحين لهما ساحة.
وبين الحشد المتحرك بسرعة، كان أول ما وقعت عليه عين كواناش هو يوسفير، الواقفـة في الركن.
(هل رأتني؟)
آه، لو استطاع فقط أن يتبادل معها جملة واحدة.
اضطرب قلبه.
لو استطاع ولو لوهلة أن يمسك بيدها الناعمة تحت تلك القفازات البالية……
كان الحنين يشتدّ رغم وجودها في المكان نفسه.
كان معتادًا أن يمنعه سموّها من الاقتراب، لكن الآن وقد كان الوضع معكوسًا، كان ذلك أشدّ قسوة.
ضغط كواناش على مشاعره ونظر في عيني جاكسور البنفسجيتين أمامه.
(هل حقًا خانني هذا الرجل؟)
لا يزال يشك.
فلا سبب يجعله يفعل ذلك، أليس كذلك؟
جاكسور كان أحد القلائل الذين يعتز بهم حقًا. بل في هذه الحياة كان أكثر عناية به.
(في حياتي السابقة…… قُتل أثناء الحرب.)
بعد اغتيال يوسفير اندلعت الحرب مع الشمال. ولم يمض وقت طويل حتى سقط جاكسور في ساحة القتال.
وحين عاد كواناش بالزمن، حرص على أن يعتني أكثر بهذا الرفيق الذي فقده سابقًا بأسى.
(لكن إن كنت قد خُدعت……)
تزلزل عقله بافتراض بغيض: ماذا لو أنّ جاكسور قد خانه حتى في حياته السابقة، وشارك في تسميم يوسفير؟
شعر كأن قلبه يبرد.
كان كالأخ له، لكن لو صحّ هذا فلن يغفر أبدًا.
فلا أحد يعلو على يوسفير.
شدّ كواناش معصمه مفرقعًا العظام، وقال:
“فلنبدأ.”
“هاها. ياله من أمر مشوّق.”
ضحك جاكسور بخفة، واشتد الاشتباك بين الاثنين بلا سيوف، بأيدٍ عارية.
كان هذا برهانًا على أصلهما من العبيد.
فالأشراف المترفون لا يتعلمون الملاكمة. إنما سلاحهم السيف.
أما العبيد، الذين تدرجوا من القاع، فلم يتلقوا دروسًا منهجية في فنون القتال.
بل تعلموا حركات المرتزقة العشوائية، قتالًا وحشيًا يوظف الجسد كله لإخضاع الخصم.
لم يكن همهم الشرف أو الأناقة، بل قتل العدو بأي وسيلة.
وهذا كان أسلوب كواناخ.
“باخ!” اندفع كواناش بقبضته محمّلة بالقوة.
اخترق الهواء محدثًا صوتًا حادًا.
ارتعشت جفن جاكسور.
“يا إلهي، إنك جاد بالفعل؟ هذا مخيف.”
“كن جادًا أنت أيضًا. كفّ عن الابتسام.”
“حسنٌ، حسنٌ.”
تبادل الاثنان اللكمات والركلات، كلّ منهما يصدّ ويتهرّب ويهاجم من حين لآخر.
تسارعت الجولات بينهما.
وكان المحيطون يتابعون بعين مشدودة، منجذبين لقوة المعركة.
فهي لم تكن راقية، لكن شدتها هائلة.
لقد كانا رجلين شقّا طريقهما من القاع عبر القتال وحده.
وقوة كهذه جعلت المتفرجين يخضعون لإعجاب صامت.
صدّ كواناش لكمة جاكسور ونظر مباشرة في عينيه.
كانت ذراعه قد خَدِرت من شدة قوة اللكمة.
منذ الطفولة وهو يعرف جاكسور. أي ذكرى استحضرها وجد جاكسور حاضرًا فيها.
كان يبدو أحيانًا غريب الأطوار، لكنه لم يتردد يومًا في إسناد ظهره إليه.
(لماذا بحق السماء؟)
لم يستطع كواناش أن يجد أي سبب يدفع جاكسور إلى الخيانة.
بأي دافع؟ ولماذا فجأة؟
جاكسور في الحقيقة لم يكن يومًا مهتمًا بمثل أفكار الثورة أو أيديولوجياتها.
حتى عيشه كعبد، لم يكن يثير في نفسه أي اعتراض.
بائس، شاقّ، لكن… هذا كل ما في الأمر.
كان منذ البداية إنسانًا لا يجد في الحياة أي رغبة أو تعلق، ولا يضمر لها أي تمسك.
ولذلك لم يراوده قط طموح لأن يسعى إلى حياة أفضل.
ومع ذلك، مضى جاكسور يساعد كواناش في تحقيق الثورة.
لم يكن يهتم بالثورة نفسها، لكنه فعل ذلك فقط لأنه كان الأمر الذي أراد شقيقه( كواناش) أن يفعله.
وبهذا السبب البسيط، خاطر بحياته وساعد في إنجاز تلك القضية العظيمة.
(أتمنى ألّا يكون الأمر صحيحًا.)
فإن كان هو فعلًا الجاسوس، فسيتعين على كواناش أن يقطع عنقه بيديه.
ورغم شعوره بالأسى والارتباك، لم يترك كواناش الفرصة تفلت منه حين لمح ثغرة في دفاع جاكسور.
تأخرت حركته في رفع الحراسة لحظة واحدة.
وكانت قبضة كواناخ العظيمة على وشك أن تنغرس في منتصف وجهه.
لكن كواناش أوقف ذراعه عند الحافة، وكاد صوته يخنقه وهو يقول:
“انتهى.”
لو وجّه اللكمة بكل قوته، لانكسر ليس فقط أنفه، بل عظم فكه أيضًا.
تجمّد جاكسور لحظة، ثم تراجع بسرعة خطوة إلى الوراء، مبتسمًا.
“كما توقعت… خسرت مجددًا. لا تزال كما أنت.”
“أنت لم تفز عليّ قطّ.”
“ذلك لأن جلالتك أقوى من أن تُعتبر إنسانًا. وأنا أيضًا لا أخسر في قتال عادة، لكنني ظننت أنك نسيت شجارات القاع تلك.”
“كيف أنسى؟ هذا هو أصلي.”
قتال بلا أصول، يائس، يرمي فيه المرء جسده كله بلا تحفظ.
ذلك كان أسلوب كواناش في البقاء حيًا.
وبانتهاء المبارزة، علا صياح الجنود الذين كانوا يراقبون بصمت.
فارتفعت أصواتهم بهتافات حماسية.
أما كواناش فاكتفى بإيماءة باردة برأسه.
“حان وقت التحرك مجددًا.”
هزّ جاكسور كتفيه بلا مبالاة، وبدأ يعود ليلتحق بالصفوف.
سار كواناش في المقدمة، لكنه ما لبث أن أدار رأسه قليلًا إلى الخلف.
وهناك لمح ظلًا صغيرًا يركض نحو عربات الأمتعة. كانت يوسفير.
غصّت مشاعره فجأة، وكأن حرارة شديدة صعدت إلى حلقه ثم انزلقت إلى صدره.
لم يتمنَّ سوى أن ينتهي كل شيء بسرعة.
كل ما أراده هو أن يعود بأسرع وقت ممكن، مع يوسفير، إلى قصرهما الراسخ الذي شيّداه معًا.
التعليقات لهذا الفصل " 62"