الفصل 29
كانَ الأمرُ يتعلّقُ بآستيل، فتمتمت رينا بصوتٍ خافتٍ.
“آه!”
في تلكَ اللحظةِ، شعرت رينا بوخزةِ ألمٍ قصيرةٍ في رأسِها، وتذكّرت فجأةً أحداثَ الروايةِ.
في الروايةِ، تلعبُ آستيل بمرحٍ في يومٍ مثلجٍ، ونتيجةً لذلكَ، تُصابُ بحمّى شديدةٍ بعدَ عدّةِ أيامٍ.
‘ظنّ الجميعُ أنّ السببَ هو الثلجُ والبردُ، وكانوا على وشكِ شراءِ أدواتٍ سحريّةٍ للتحكّمِ بالحرارةِ، قبلَ أن يكتشفوا أنّ السببَ ليسَ كذلكَ.’
وُصِفَ الأمرُ بأنّ توتّرَها الذي كانت تكتمُهُ قد تلاشى فجأةً بسببِ شعورِها بالأمانِ واليقينِ بأنها تستطيعُ البقاءَ في هذا القصرِ.
هل قيلَ إنها كانت تخشى أن يتمَّ التخلّي عنها إن مَرِضت لأنها ستصبحُ مزعجةً؟
لقد كانَ سببًا يثيرُ الشفقةَ حقًّا.
‘عندما مَرِضت، كانت تبكي خوفًا من أنها لن تستطيعَ اللعبَ بالثلجِ مجدّدًا.’
بمجردِ أن فكرت في الأمرِ، بدأت أحداثُ الروايةِ تتدفّقُ في عقلِها بشكلٍ طبيعيٍّ.
‘إذا حدثَ ذلكَ هذهِ المرّةِ أيضًا، عليّ أن أخبرَها مسبقًا أنّ الثلجَ ليسَ هو السببَ.’
“…؟”
ما إن وصلت إلى هذهِ الفكرةِ حتّى داهمَها شعورٌ قويٌّ بالارتباكِ.
ركضت رينا خارجَ الحمّامِ وتفحّصت الغرفةَ.
عندما رأت الغرفةَ فارغةً و لم تجد فيها بونيتا، تحوّلَ ذلكَ الشعورُ إلى كلماتٍ واضحةٍ من الروايةِ تهاجمُ عقلَها.
[في ليلةٍ هادئةٍ، حينَ ابتلعَ الظلامُ الحديقةَ بالكاملِ، تسلّلت آستيل للخارجِ لترى رجلَ الثلجِ الذي صنعته.]
كانت رينا ستموتُ في بدايةِ العملِ.
[كانت رؤيةُ رجلِ ثلجِها الصغيرِ بينَ الرجالِ الثلجيّينَ الذينَ صنعهم الجميعُ تجربةً تجعلُ قلبَها يخفقُ بشدّةٍ.]
عرفت رينا أينَ ذهبت بونيتا.
لقد كانَ ذلكَ مكتوبًا في الرواية الأصلية.
ركضت رينا عبرَ الحديقةِ المظلمةِ.
[وما رأتهُ آستيل عندَ وصولِها إلى وجهتِها هو شخصٌ يحطّمُ رجلَ الثلجِ…]
“بوني!”
كانَ البخارُ الأبيضُ يخرجُ معَ أنفاسِ رينا المتسارعةِ وهي تركضُ دونَ توقّفٍ.
لم ترتدِ معطفًا رقيقًا حتّى بسببِ عجلةِ أمرِها، فكانت الرياحُ الباردةُ الحادّةُ تلسعُ جسدَها.
‘بوني كانت هناكَ.’
بعدَ موتِ رينا، بقيت بونيتا في القصرِ. لسببٍ ما، لم يقتلها الدوقُ بل قامَ بحمايتِها و رعايتها.
‘بوني كانت هناكَ…’
ولكن بعدَ ذلكَ بفترةٍ قصيرةٍ، اختفت بونيتا من أحداثِ العملِ.
آخرُ وصفٍ لها كانَ تحطيمَ رجلِ الثلجِ الذي صنعَهُ الفرسانُ وآستيل، وبعدَها اختفت بونيتا من القصرِ.
“أمي؟”
الآنَ رينا لا تزالُ على قيدِ الحياةِ. لكن ماذا لو حطّمت بونيتا رجلَ الثلجِ؟ ماذا لو كانت بذرةُ الشعورِ بالنقصِ قد زُرعت في داخلِها دونَ أن تدري؟
كانت رينا تشعرُ بقلقٍ شديدٍ.
“بوني. ماذا تفعلينَ هنا؟ همم؟ ألم تقولي إنكِ تشعرينَ بالبردِ؟”
“أجل… أنا بردانةٌ، لكنني شعرتُ أنَّ هذا الصغيرَ أشدُّ بردًا منّي، لذا أعرتُهُ قفّازاتي.”
أشارت بونيتا نحو الاتجاهِ الذي تقصدُهُ، حيثُ كانَ هناكَ رجلُ ثلجٍ صغيرٌ.
وعلى غصني الشجرةِ النحيلينِ المغروسينِ على جانبيهِ، وُضِعَ قفّازٌ أصفرُ وآخرُ بنفسجيٌّ.
“لقد أعرتُهُ إيّاها! لم أعطِهِ إياها للأبدِ! سآخذُها حتمًا لاحقًا.”
“فهمتُ…”
لم تحطّم بونيتا رجلَ الثلجِ.
لم تكن رينا تتخيّلُ أنَّ مجرّدَ حدوثِ ذلكَ سيمنحُها كلَّ هذا الارتياحِ، لدرجةِ أنَّ قوّةَ ساقيها خانتها فجلست على الأرضِ.
“كـ-كنتُ سأعودُ فورًا! هل كنتِ قلقةً؟ أنا آسفةٌ. كنتُ سأخبرُكِ… لكنني خشيتُ أن أزعجَكِ يا أمي.”
كانت بونيتا تقفزُ في مكانِها قلقًا على والدتِها التي خرجت دونَ أن ترتديَ معطفًا.
“لا، ليسَ الأمرُ كذلكَ أبدًا.”
“هاه؟”
حاولت رينا رَسمَ ابتسامةٍ على شفتيها وقالت لبونيتا: “اسمعي يا بوني، هناكَ شيءٌ أريدُ سؤالكِ عنه.”
“ما هو؟”
“ماذا لو بدأت أمُّكِ بالدراسةِ؟”
رمشت بونيتا بعينيها الواسعتينِ دونَ أن تفهمَ المقصدَ تمامًا.
“أن أدرسَ… لأحصلَ على لقبٍ.”
“لقبٌ؟”
نظرت بونيتا إلى رينا بوجهٍ يجهلُ تمام المعنى المقصودِ من الحصولِ على لقبٍ.
“بمعنى… إذا حصلتُ على لقبٍ، سنعيشُ أنا وأنتِ بسعادةٍ أكبرَ.”
“حقًّا؟”
“أجل، لكنَّ الحصولَ عليهِ يتطلّبُ جهدًا كبيرًا جدًّا.”
استرسلت رينا وهي تداعبُ وجنةَ بونيتا الباردةَ: “لذا، قد أكونُ مشغولةً جدًّا لدرجةِ أنني لن أقضيَ معكِ وقتًا كما أفعلُ الآن، فهل أنتِ موافقةٌ على ذلكَ؟”
كانَ خوفُها من ابتعادِها عن طفلتِها يفوقُ خوفَها من تغييرِ أحداثِ الروايةِ.
فبونيتا ليسَ لها سواها.
‘لكنَّ هذا ليسَ الحلَّ.’
كانت رينا تدركُ سببَ تحطيمِ بونيتا لرجلِ الثلجِ في الروايةِ؛ لقد كانَ ذلكَ بسببِ الوحدةِ والألمِ بعدَ أن أصبحت وحيدةً حقًّا.
إذا امتلكت رينا قوّةً أكبرَ، وإذا تغيّرَ حالُها، فقد تفتحُ لبونيتا خياراتٍ أكثرَ في المستقبلِ.
كانت رينا ترغبُ في نهايةٍ لا تكونُ هي فيها كلَّ عالمِ بونيتا.
نهايةٌ لا تحتاجُ فيها ابنتُها إليها.
‘لو رفضت بونيتا، فلن أفعلَ ذلكَ.’
بماذا ستجيبُ هذهِ الصغيرةُ؟ رُغمَ تظاهرِها بالنضجِ، إلا أنها طفلةٌ تشعرُ بالقلقِ إذا غابت رينا عن ناظريها.
وفي اللحظةِ التي ظنّت فيها أنها سترفضُ، لمعت عينا بونيتا وابتسمت باتّساعٍ.
“هذا رائعٌ!”
“رائعٌ؟”
“أجل!”
تلكَ الإجابةُ البريئةُ والواضحةُ جعلت رينا تبتسمُ من قلبِها.
أدركت حينَها أنها كانت تُكثرُ من التفكيرِ بلا داعٍ.
* * *
في تلكَ الليلةِ، وبعدَ أن نامت بونيتا، طرقت رينا بابَ المكتبِ الذي لم تنطفئ أنوارُهُ بعدُ.
أجابَ داميان وكأنّهُ كانَ يتوقّعُ موافقتَها، واقترحَ بيتر ليكونَ المعلمَ المسؤولَ عنها.
اختارَ بيتر لأنّهُ كانَ أكثرَ مَن يعرفُهم مساواةً في التعاملِ، لا يفرّقُ بينَ مكانةِ الأشخاصِ أو جنسِهم.
“هل نتحدّثُ اليومَ عن تطوّرِ الأدواتِ السحريّةِ؟”
“نعم، أنا مستعدّةٌ.”
مرَّ أسبوعٌ منذُ ذلكَ الحينِ، ولا تزالُ الدروسُ تدورُ حولَ أساسيّاتِ التاريخِ.
من وجهةِ نظرِ رينا، كانَ بيتر معلمًا ممتازًا؛ فقد حدّدَ في اليومِ الأوّلِ مستوى معرفتِها وبنى دروسَهُ على ذلكَ الأساسِ.
ومن وجهةِ نظرِ بيتر، كانت رينا تلميذةً مثاليّةً.
رُغمَ ادّعائها بأنها ليست ذكيّةً، إلا أنَّ استيعابَها كانَ سريعًا، كما أنَّ خبراتِها الحياتيّةَ القسريّةَ ساعدتها على توظيفِ المعرفةِ بشكلٍ جيّدٍ.
“لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ على تطوّرِ الأدواتِ السحريّةِ. فمنذُ ثمانينَ عامًا فقط اكتشفت عائلةُ بينتيل طريقةَ صقلِ الأحجارِ السحريّةِ، وبدأ استخدامُها قبلَ خمسةٍ وسبعينَ عامًا.”
“آه.”
أومأت رينا برأسِها وهي تتذكّرُ مَصنعَ تكريرِ الأحجارِ السحريّةِ الذي عملت فيهِ سابقًا.
لم تكن ذكرى جميلةً، إذ هناكَ التقت بوالدِ بونيتا.
“أنتجت عائلةُ بينتيل أدواتٍ سحريّةً عديدةً رفعت جودةَ الحياةِ بسرعةٍ. وبفضلِ كفاءتِهم، أصبحت الأدواتُ التي تستخدمُ أحجارًا منخفضةَ المستوى متوفّرةً حتّى في بيوتِ العامّةِ.”
“آه، لهذا حصلوا على لقبِ كونت؟”
“نعم، هذا الاسمُ وردَ في درسِنا السابقِ.”
“العائلةُ التي حظيت بدعمِ البرجِ السحريِّ، أليسَ كذلكَ؟ أعلمُ أنَّ عائلةَ الكونت بينتيل قد قُبضَ عليهم بتهمةِ التآمرِ للتمردِ، ومنذُ ذلكَ الحينِ اتّخذَ البرجُ السحريُّ موقفًا غيرَ متعاونٍ.”
“أجل، أنتِ تتذكّرينَ جيّدًا!”
“هذا بفضلِ تعليمِكَ الجيّدِ.”
ابتسمَ بيتر لرينا وهي تجيبُه بكلّ أدبٍ.
“لقد كشفَ الدوقُ مؤخّرًا أنَّ تلكَ التهمةَ كانت سوءَ فهمٍ، ويعملُ الآنَ على استعادةِ مكانتِهم.”
“أها…”
“لكن لا يوجدُ سوى ناجٍ واحدٍ من عائلةِ بينتيل حاليًّا، وهو في حالةِ غيبوبةٍ. لذا قد يتأخّرُ الأمرُ حتّى يظهرَ وريثٌ مناسبٌ.”
“آه، بخصوصِ ذلكَ، قريبًا…”
قالت رينا ذلكَ بصوتٍ هادئٍ وهي تُنظّمُ ملاحظاتِ الدرسِ.
كادت أن تقولَ إنَّ حبيبةً سرّيّةً لذلكَ الناجي ستظهرُ قريبًا، لكنها أغلقت فمَها فجأةً.
“قريبًا؟”
فتحَ بيتر عينيهِ بدهشةٍ ونظرَ إلى رينا.
‘يا للهول.’
أدارت رينا عينيها وهي تمسكُ بالقلمِ.
لقد أوقعتها معرفتُها الجزئيّةُ في ورطةٍ؛ تكلّمت دونَ تفكيرٍ بما خطرَ ببالِها.
تصبّبت عرقًا وهي ترى نظراتِ الفضولِ في عيني بيتر.
“قـ، قصدتُ أنّهُ يجبُ أن يستعيدَ وعيَهُ. لأنَّ مَن يحتاجُ لقوّةِ عائلةِ بينتيل قد يختلقُ وريثًا مزيّفًا.”
“…”
“لقد درسنا حالاتٍ مشابهةً في تاريخِ النبلاءِ، مثلَ الحادثةِ التي استغلّوا فيها تعقيدَ شجرةِ عائلةِ الإمبراطورِ ليقتلوا أصغرَ الأمراءِ ويضعوا بديلًا لهُ…؟”
صلّت رينا في سرّها أن تنطليَ هذهِ الكذبةُ عليهِ.
نظرَ إليها بيتر بتأثّرٍ شديدٍ.
“هل تتذكّرينَ حتّى محتوى الدرسِ السابقِ؟”
“نعم، لقد تعلّمتُه، أليسَ كذلكَ؟”
بدت رينا وكأنها تقولُ “ما الغريبُ في ذلك؟”، لكنَّ بيتر كانَ مبهورًا بما رآهُ من عبقريّةٍ أمامَه.
كانَ قد أخبرها أنَّ تاريخَ المرةِ السابقةِ للاطلاعِ فقط، وكانَ ينوي تبسيطَ المحتوى الواسعِ ثمّ تعليمَهُ لها بتمهّلٍ لاحقًا.
لكنها بينما كانت تدوّنُ في مذكرتِها الصغيرةِ، حفظت المحتوى!
‘كيف لموهبةٍ كهذهِ أن تظهرَ الآنَ فقط بسببِ الظروفِ؟’
لم يدرك بيتر أنَّ رينا استخدمت معرفتَها لتغطيةِ كذبتِها، بل اعتقدَ أنها تملكُ إمكاناتٍ هائلةً.
“لقد قلتِ إنَّ ذكاءَكِ متواضعٌ، لكنني أرى عكسَ ذلكَ تمامًا.”
“ذكائي ليسَ جيدًا.”
“بل هو ممتازٌ.”
‘إنهُ ليسَ جيدًا حقًّا.’
أخفت رينا شعورَها بالإحباطِ وهي تنظرُ إليهِ.
‘أنا جادّةٌ.’
لو كانت رينا الحقيقيّةَ، لما استطاعت تقديمَ إجاباتٍ نموذجيّةٍ كهذهِ.
كانَ هذا بالتأكيدِ أثرَ التجسّدِ أو شيءٍ من هذا القبيلِ.
اكتفت رينا بالابتسامِ لمديحِ بيتر.
شعرت بمرارةٍ وكأنّها سرقت بونيتا من رينا الحقيقية وهذا المنصبَ أيضًا.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 29"