الفصل 28
أضافَ داين بخجلٍ أنّ محاولتَهُ لإعادةِ تشكيلِ النوافذِ الزجاجيّةِ باستخدامِ الجليدِ قد باءت بالفشلِ.
‘كيفَ لمنزلٍ صُنعَ من الثلجِ أن يبدوَ أكثرَ تماسكًا من المنزلِ الذي كنتُ أعيشُ فيهِ سابقًا؟’
راودت رينا هذه المقارنةُ الحزينةُ وهي تُحدّقُ في البيتِ الثلجيّ.
قدّمَ داين بعضَ التوضيحاتِ، ثمّ اعتذرَ للمغادرةِ بحجّةِ رغبتِهِ في المساعدةِ بصناعةِ الأثاثِ.
“رينا بورتون، إذًا أينَ هو رجلُ الثلجِ؟”
“نعم؟”
قالَ داميان ذلكَ وهو يرفعُ غصنَ شجرةٍ، فأومأت رينا برأسِها قائلةً: ‘آه صحيح، الذراعُ…’
“إنهُ هناكَ، ليسَ بعيدًا جدًّا عن هنا.”
توجّهت رينا وداميان إلى المكانِ الذي صنعَ فيهِ الأطفالُ رجلَ الثلجِ.
كانَ هناكَ رجلُ ثلجٍ كبيرٌ وآخرُ صغيرٌ بجانبِه.
انحنيا ليدقّقا في طولِ الأغصانِ التي سقطت، وبدآ في تركيبِ الذراعينِ لرجلِ الثلجِ.
بدت رينا فخورةً بنفسِها بعدَ أن اختارت أذرعًا تناسبُهُ تمامًا.
“أنتِ تعملينَ بجدّ.”
“لأنّهُ رجلُ الثلجِ الذي صنعتهُ بوني والآنسةُ.”
“هل هو عملٌ مشتركٌ إذًا؟”
حملقَ داميان في رجلِ الثلجِ بتمعّنٍ.
لسببٍ ما، كانت هناكَ أكوامٌ من كراتِ الثلجِ الصغيرةِ المحيطةِ بهِ، وقد غُرست في كلٍّ منها ورقتانِ خضراوانِ.
“تلكَ الكراتُ…”
“هذه أرانب ثلجيّةٌ صنعتها الآنسةُ وبوني. أليست لطيفةً؟”
“نعم نعم، أرانب، إنها لطيفةٌ بالفعلِ.”
أغلقَ داميان فمَهُ و قال ذلكَ فورَ سماعِ كلماتِ رينا، رُغمَ أنهُ كانَ يوشكُ على السؤالِ عن ماهيّةِ تلكَ الكتلِ الثلجيّةِ.
“…”
ثمّ أدارَ عينيهِ لينظرَ إلى أسفل، حيثُ كانت رينا تجلسُ وتلتقطُ الأرانبَ الثلجيّةَ بعنايةٍ لتنظيمِها.
“رينا بورتون.”
عندما نادى باسمِها، رفعت رينا رأسَها وهي لا تزالُ قرفصاءَ لتنظرَ إليهِ.
التقطت عيناهُ نظرةَ عينيها الصفراوينِ، فنطقَ داميان بالاقتراحِ الذي أرادَ تقديمَهُ منذُ مدّةٍ.
“بعدَ عدّةِ أشهرٍ، سآخذُ آستيل وأنتقلُ إلى العاصمةِ.”
كانَ عليهِ فعلُ ذلكَ سواءَ أرادَ أم لا.
تمنّى لو تمكّنَ من حمايةِ آستيل بعيدًا عن المجتمعِ الراقي، لكنّ ذلكَ كانَ مجرّدَ أمنيةٍ.
فعدمُ إظهارِ الطفلةِ للعالمِ لم يكن سوى حمايةٍ بدائيّةٍ لا تكفي.
ماذا لو تعرّضَ داميان لحادثٍ مفاجئٍ وبقيت آستيل وحيدةً؟ لم يرغب حتّى في تخيّلِ ذلكَ.
كانت الطفلةُ بحاجةٍ إلى روابطَ قويّةٍ خارجَ نطاقِ والديها لتكونَ آمنةً حتّى في غيابِه.
“رينا بورتون، أليسَ لديكِ رغبةٌ في تلقّي التعليمِ للحصولِ على لقبٍ رسميّ؟”
كانت رينا بحاجةٍ إلى القوّةِ لتتمكّنَ من امتلاكِ ثروتِها الخاصّةِ بشكلٍ كاملٍ.
رُغمَ أنّ المفاهيمَ بدأت تتغيّرُ مؤخّرًا في الإمبراطوريّةِ وأصبحَ المالُ يُعتبرُ قوّةً، إلا أنّ المجتمعَ لا يزالُ متمحورًا حولَ الألقابِ.
ومعَ ذلكَ، فإنّ اللقبَ الشكليَّ بلا حكمةٍ أو حلفاءَ يقدّمونَ المشورةَ، قد يكونُ عبئًا أكثرَ من نفعِه.
كانَ داميان يدركُ هذهِ الحقيقةَ جيّدًا.
لذلكَ، قرّرَ منحَ رينا لقبًا فخريًّا دونَ أراضٍ في البدايةِ، معَ تعليمِها ما يكفي لحمايةِ ممتلكاتِها، ثمّ خَلقِ ذريعةٍ أخرى لمنحِها أرضًا حقيقيّةً لاحقًا.
كانَ يعتقدُ أنّ لقبًا بلا ممتلكاتٍ لن يلقى معارضةً كبيرةً.
لكنّ المعارضينَ لمنحِ اللقبِ نفسِهِ كانوا كُثرًا.
وبما أنّ بعضَ المستشارينَ المخلصينَ قدّموا نصائحَ واقعيّةً، لم يكن بوسعِهِ تجاهلُ آرائِهم تمامًا.
–”إذا مُنِحَ لقبٌ لتلكَ الخادمةِ لمجرّدِ إظهارِ الولاءِ، فقد يظهرُ مَن يحاولُ استغلالَ هذا الأمرِ بشكلٍ سيّءٍ.”
كلُّ ما فعلتهُ رينا هو أنها لم تختطف آستيل وسلّمت معلوماتٍ عن المبتزّينَ.
من الناحيةِ الباردةِ، كانَ يمكنُ إنهاءُ الأمرِ بمكافأةٍ بسيطةٍ وتعيينِ حراسةٍ لها كنوعٍ من الشكرِ.
‘ولكن لماذا؟’
نظرَ داميان إلى رينا بتعابيرٍ يشوبُها القلقُ.
‘لماذا أشعرُ أنّهُ لا ينبغي لي فعلُ ذلكَ فقط؟’
لم تكن رينا تعلمُ ما يدورُ في خلدِهِ، فنهضت من مكانِها بسرعةٍ وهي لا تستطيعُ إخفاءَ ارتباكِها.
“هـ، هذا الأمرُ يفوقُ قدري!”
“هذا الأمرُ؟”
“ذ- ذلكَ اللقبُ!”
“إنهُ مجرّدُ لقبِ بارونيت، لا يُورّثُ وليسَ لهُ أرضٌ. هل لا يزالُ يمثّلُ ضغطًا عليكِ؟”
“ذلكَ…”
“كما قلتُ سابقًا، سأنتقلُ معَ آستيل إلى العاصمةِ بعدَ أشهرٍ، وأخطّطُ لأخذِكِ معَنا كمربيّةٍ لها.”
“…”
“ليسَ كخادمةٍ كما أنتِ الآن، بل كمربيّةٍ رسميّةٍ.”
لم تكن رينا الخادمةَ الوحيدةَ المخصّصةَ لآستيل، لكنها كانت الوحيدةَ التي تتعلّقُ بها الطفلةُ.
لذا، في هذهِ المقاطعةِ الشماليّةِ وداخلَ قلعةِ الدوقِ، لم يكن أحدٌ يجرؤُ على تجاهلِ رينا.
“بمجردِ انتقالِنا للعاصمةِ، سيحاولُ البعضُ استغلالَ حقيقةِ أنكِ بلا لقبٍ، رُغمَ وجودي في ظهرِكِ.”
“آه…”
أومأت رينا برأسِها بعدَ أن فهمت أخيرًا مقصدَ داميان.
“إذًا، ألا توجدُ طريقةٌ للعملِ في هذا القصرِ فقط؟”
“… ماذا؟”
لكنها لم تستطع قبولَ عرضِهِ بسهولةٍ.
فكرت رينا قليلًا ثمّ قالت: “… أخشى أن يكونَ وجودي أنا وبوني عبئًا على سيادتك وعلى الآنسةِ.”
وضعت رينا يدَها على جبينِها وقطبت حاجبيها قليلًا ثمّ أكملت حديثَها.
‘دوري ينتهي هنا.’
في الأصلِ، كانت رينا مجرّدَ أداةٍ تجعلُ آستيل تشعرُ بالخيانةِ لأوّلِ مرّةٍ وتتأكّدُ من حبِّ والدِها.
فبعدَ الانتقالِ للعاصمةِ، ستلتقي آستيل بحاميةٍ أفضلَ ولن تعودَ بحاجةٍ لرينا.
بالطبعِ، كانت هذهِ أحداثُ الروايةِ فقط.
لكنها لم تعد قادرةً على تغييرِ حياةِ تلكَ الطفلةِ لمجرّدِ رغبتِها في العيشِ براحةٍ.
‘لقد عانت الكثيرَ من البؤسِ بالفعلِ.’
كانت تعلمُ كيفَ كانت حياةُ آستيل من خلالِ نصوصِ الروايةِ.
[تلكَ الغرفةُ في الزاويةِ البعيدةِ من العليّةِ، حيثُ لا يصلُ سحرُ التدفئةِ حتّى في الشتاءِ القارسِ.]
طفلةٌ تنامُ معتمدةً على لحافٍ رقيقٍ واحدٍ، دونَ حرارةِ جسدِ شخصٍ آخرَ يضمُّها كما تفعلُ هي معَ بونيتا.
طفلةٌ احتقرَها الجميعُ لمجرّدِ أنّ شعرَها أبيضُ وعينيها ورديّتانِ.
الصورةُ الأولى لآستيل، التي كانت تنكمشُ دائمًا بسببِ عنفِ البالغينَ غيرِ المبرّرِ، جعلت قلبَ رينا يتألّمُ.
لكنها لم تستطع شرحَ كلِّ هذا لداميان.
“لماذا تفكّرينَ هكذا؟ أخذُكِ أنتِ وطفلتُكِ لن يتركَ وصمةَ عارٍ على اسمِ وينترنايت.”
وحتى لو حدثَ ذلكَ، فإنّ مكانةَ عائلةِ الدوقِ ستبقى راسخةً بلا شكّ.
وبينما كانت رينا تستمعُ لكلماتِ داميان، شعرت بالحيرةِ.
‘لماذا يفعلُ كلَّ هذا من أجلي؟’
الأمرُ المؤكّدُ هو أنهُ لا يفعلُ ذلكَ بسببِ إعجابٍ عاطفيٍّ تجاهَها.
فقد كانَ يقدّرُ دوقةَ القصرِ المفقودةَ، ويحبُّ آستيل بقدرِ ذلكَ، وكانَ في الروايةِ أبًا مثاليًّا بكلّ ما تحملُهُ الكلمةُ.
لذا، لم تستطع رينا الفهمَ أبدًا.
“تعليمي محدودٌ وذكائي متواضعٌ. لذا، بالتأكيدِ لن أتمكّنَ من إنهاءِ ذلكَ التعليمِ الذي اقترحتَهُ.”
“لا يمكنكِ معرفةُ إن كنتِ ذكيّةً أم لا إن لم تتلقَّي التعليمَ. علاوةً على ذلكَ، هناكَ الكثيرُ من النبلاءِ الذينَ هم أغبى منكِ بكلّ تأكيدٍ.”
“…”
“بما أنّ الألقابَ تُورّثُ، فإنها تُمنحُ بمجرّدِ الولادةِ، ولا يهمُّ إن كانَ المرءُ ذكيًّا أم غبيًّا. وبسببِ ذلكَ، يسيرُ المجتمعُ الآنَ بشكلٍ غريبٍ.”
حقًّا؟ هل يقولُ مثلَ هذهِ الأشياءِ علنًا؟ فتحت رينا فمَها ونظرت إلى داميان بدهشةٍ.
بما أنهُ لا يوجدُ فوقَهُ سوى العائلةِ الإمبراطوريّةِ والكاهنِ الأكبرِ، فقد كانَ يتحدّثُ دونَ أيّ تحفّظٍ.
“… هكذا إذًا.”
“إن كنتِ لا ترغبينَ في ذلكَ، فلا يمكنني إجبارُكِ.”
كانَ ينوي إبقاءَها تحتَ حمايةِ الدوقِ حتّى تعتادَ على تلكَ المكانةِ… لكن يبدو من حديثِها أنها غيرُ مهتمّةٍ بالأمرِ تمامًا.
“نعم، أشكرُكَ على تفهّمك.”
“بما أنني قدّمتُ العرضَ بشكلٍ مفاجئٍ، سأعطيكِ يومًا آخرَ للتفكيرِ.”
“…”
رأت رينا أنَّ تفكيرَها لن يتغيّرَ حتّى لو حصلت على مزيدٍ من الوقتِ.
* * *
الفرسانُ الذينَ وعدوا ببناءِ القصرِ الثلجيِّ في يومٍ واحدٍ قد فعلوها حقًّا.
رأت رينا أنّ ذلكَ مذهلٌ للغايةِ.
اكتملَ بناءُ البيتِ الثلجيِّ معَ غروبِ الشمسِ.
سمعت أصواتًا تعبّرُ عن الأسفِ لعدمِ كفايةِ الوقتِ لصنعِ الأثاثِ، لكن رينا رأت أنّ ما أنجزوهُ قد تجاوزَ حدودَ البشرِ بالفعلِ.
قفزت آستيل وبونيتا فرحًا عندَ رؤيةِ القصرِ الثلجيِّ المتألّقِ.
شعرَ الفرسانُ بالفخرِ وهم يشاهدونَ الأطفالَ، وبدأوا في شرحِ المبدأِ الذي مكّنهم من إنهائِه بهذهِ السرعةِ.
شرحوا كيفَ استخدموا الهالة والقوّةَ السحريّةَ، لكنّ رينا، الجاهلةَ تمامًا بهذهِ الأمورِ، لم تفهم كلمةً واحدةً.
‘فرسانُ الدوقِ… أليسَ كلُّ واحدٍ منهم سلاحًا سريًّا؟’
“أمي، أنا بردانةٌ…”
“هذا لأنكِ قضيتِ اليومَ بطولِهِ تلعبينَ في الثلجِ يا بوني.”
“أوووه.”
“هل نلفكِ ببطانيةٍ حتّى أنتهي من تنظيفِ الحوضِ وتجهيزِ الماءِ؟”
“أجل.”
لفّت رينا بونيتا ببطانيةٍ ناعمةٍ.
لقد لعبت الصغيرتان في ذلكَ القصرِ الثلجيِّ الضخمِ ولم يخرجوا إلا بعدَ وقتِ العشاءِ بقليلٍ.
وبما أننا في منتصفِ الشتاءِ، لن يذوبَ القصرُ غدًا؛ وبناءً على ذلكَ الكلامِ، تمكّنت رينا من إقناعِ الصغيرتينِ بالعودةِ للمنزلِ.
بعدَ تناولِ الحساءِ الدافئِ الذي أعدّهُ الطبّاخُ، دخلت بونيتا الغرفةَ وهي لا تزالُ تشتكي من البردِ رُغمَ البطانيةِ.
–”أشعر…”
–”يا إلهي.”
إلى أيّ حدٍّ كانت مستمتعةً باللعبِ لدرجةِ أنها لم تلاحظ أنّ أطرافَ شعرِها قد تجمّدت؟
بمجرّدِ دخولِ الغرفةِ الدافئةِ، بدأ الجليدُ يذوبُ وبدأ الماءُ يقطرُ من شعرِها.
لم تفكّر بونيتا حتّى في خلعِ معطفِها، بل بقيت ترتجفُ.
“انتظري قليلًا، سأجهّزُ لكِ حوضَ الاستحمامِ فورًا، حسنًا؟”
“… أجل.”
نظرت رينا بحزنٍ إلى ابنتِها المنكمشةِ على الأريكةِ، ثمّ دخلت الحمّامَ.
‘كانَ يجبُ أن أنتبهَ أكثرَ.’
اعتقدتُ أنّ مراقبةَ الفرسانِ لهما كافيةٌ، وكانَ ذلكَ خطأً.
ماذا لو أصيبت بونيتا بنزلةِ بردٍ؟ مجرّدُ التفكيرِ في ذلكَ جعلها تشعرُ بالضيقِ.
“نزلةُ بردٍ…”
قطبت رينا حاجبيها وهي تنظّفُ الحوضَ بقوّةٍ.
شعرت بشيءٍ غريبٍ يقلقُها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 28"