الفصل 25
“واو، انظري هناكَ يا بوني! إنَّه سِنجابٌ!”
“واو!”
با-سا-ساك، با-ساك
كانَ هناك سنجاب يقفزُ بينَ رُقاقاتِ الثلجِ المتساقطةِ.
نظرت رينا إلى السِّنجابِ ثمَّ أجابت.
“هذا ليسَ سِنجابًا عاديًّا، بل يُدعى سِنجابًا طائر.”
“هل هُما مختلفانِ؟”
“ليسَ بمعنى أنَّهما خاطئانِ، بل هُما مختلفانِ فقط.”
“ما الفرقُ بينَ كونهما خاطئَينِ أو مختلفَينِ؟”
“اممم…”
راحت رينا تشرحُ لآستيل بجدٍّ الفرقَ بينَ الاختلافِ والخطأِ.
وكانت بونيتا تلتصقُ بجانبِ رينا، وتستمعُ لكلامِها بتركيزٍ شديدٍ.
في هذه الأثناءِ، وبفضلِ جهودِ الفرسانِ، فُتحَ طريقٌ واسعٌ، وكانَ الجميعُ ينظرونَ إلى الأطفالِ بملامحَ يملؤها الرِّضا.
“آنستُنا الصغيرةُ لديها فضولٌ كبيرٌ.”
“أتساءلُ ماذا ستُصبحُ عندما تكبرُ.”
“بالطبعِ ستكونُ صاحبةَ دوقيّةِ فورست، أيُّها الأحمقُ.”
قيلَ إنَّهم فرسانٌ قُساةٌ وباردونَ، لكن بمجردِ سَماعِ عباراتِ الإعجابِ التي يُطلقونها مع كلِّ خطوةٍ تخطوها آستيل، بدا وكأنَّهم معجبونَ ولهانُونَ بها.
نظرت آستيل بالتناوبِ بينَ المجرفةِ الصغيرةِ اللطيفةِ في يدِها والمجارفِ التي يمسكُها الكبارُ.
“خاصَّتي صغيرةٌ…”
بدا أنَّها ليست جيدةً بما يكفي لبناءِ منزلٍ.
توقفت آستيل عَن مراقبةِ السِّنجابِ وبدأت تغرفُ الثلجَ بمجرفتِها بقوةٍ.
كانت بونيتا تحملُ مجرفةً صغيرةً في يدٍ ودلوًا في اليدِ الأخرى، وتتبعُ آستيل بخطواتِها الصغيرةِ المتعثرةِ.
بينما كانت رينا تطاردُ بجدٍّ أولئكَ الأطفالَ الصغارَ جدًّا.
كانَ الفرسانُ جميعًا يحملونَ مجارفَ ضخمةً وينظرونَ إلى الثلاثةِ بابتساماتٍ دافئةٍ.
كانَ المشهدُ يبدو وكأنَّه أمٌّ سِنجابةٌ خرجت للتنزهِ مع صغيرَينِ.
“بوني، أيُّ نوعٍ مِنَ المنازلِ ستبنينَ؟”
“سأبني منزلًا ضخمًا بما يكفي لنتدحرجَ فيهِ أنا وأمي معًا!”
“هذا رائعٌ! سأصنعُ شيئًا كهذا أنا أيضًا!”
“…”
حركت رينا عينيها لتنظرَ إلى كومةِ الثلجِ التي تراكمت بجهدِهما.
بالنظرِ إلى سرعةِ الأطفالِ البطيئةِ، يبدو أنَّ الأمرَ سيستغرقُ أيامًا لإتمامِهِ.
يبدو أنَّ الفرسانَ الذين استرقوا السمعَ لحديثِهما فكّروا في الشيءِ نفسِهِ، فبدأوا يراكمونَ الثلجَ سرًّا بجانبِ الكومةِ التي صنعتها الفتاتانِ.
لقد كانَ مشهدًا دافئًا ومحببًا، على عكسِ شتاءِ القارسِ.
“سيدي الدوقُ!”
جاءَ صوتُ بيتر من بعيدٍ وهو ينادي داميان بلهفةٍ.
“سيدي! التابعونَ ينتظرونَ في غرفةِ الاجتماعاتِ!”
“لم أقل لهم أن ينتظروا.”
بدت ملامحُ داميان منزعجةً للغايةِ.
ولم يُخفِ ضيقَهُ، وكأنَّه متورطٌ في أمرٍ شاقٍّ.
“لا أعرفُ لماذا لم يمت هؤلاءِ العجائزُ حتّى الآنَ. لا ينبغي لهم إهدارُ عُمرِهم القصيرِ الذي قد ينتهي في أيِّ لحظةٍ…”
“سيدي! الآنسةُ الصغيرةُ تسمعُكَ.”
عندَ سماعِ كلماتِ بيتر، لمحَ داميان بطرفِ عينِهِ المكانَ الذي كانت فيهِ آستيل.
كانت آستيل تجمعُ الثلجَ بجدٍّ مع بونيتا لبناءِ جبلٍ ثلجيٍّ صغيرِ الارتفاعِ.
‘ما هذا’.
كانَ يعلمُ أنَّهما تبنيانِ منزلًا ثلجيًّا، فتساءلَ إن كانتا قد غيرتا رأيهما، وبينما كانَ يحدقُ في جبلِ الثلجِ -أو بالأحرى تلةِ الثلجِ- لبرهةٍ، اقتربَ منهُ بيتر وهو يهمسُ بارتباكٍ.
“إنَّهم رجالٌ شَغلوا مناصبَهم منذُ عهدِ سلفِك. إذا لم يحضر سيادتُك، فستكثرُ الأقاويلُ بينَ العائلاتِ.”
“… اللعنةُ.”
عندما ذُكر الجيلُ السابقُ، تجعدت ملامحُ داميان بشدةٍ.
هؤلاءِ البشرُ لم يكونوا مفيدينَ منذُ زمنٍ طويلٍ.
كانوا مليئينَ بالأشخاصِ الذينَ يعيقونهُ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ ويسعونَ لمصالحِهم الشخصيةِ فقط.
“هل مجيئُهم جميعًا هذهِ المرةَ وجلوسُهم هنا يتعلقُ بأمرِ رينا بورتون؟”
“نعم.”
يريدُ أن يمنحَها لقبًا واحدًا من ألقابِهِ الكثيرةِ، فما شأنُهم هم؟
لقبٌ لن يعودَ إليهم حتّى لو لم يمنحهُ لرينا.
هناك دائمًا صنفٌ من الناسِ يتألمونَ إذا حصلَ غيرُهم على شيءٍ لا يملكونَهُ، وكانوا هم كذلك تمامًا.
‘لا، ليسَ الأمرُ وكأنني لا أفهمُ.’
مِن وجهةِ نظرٍ جادةٍ، إذا منحَ رينا لقبًا على الفورِ، فقد يستغلُ البعضُ هذا الأمرَ.
على سبيلِ المثالِ، قد يتعمدُ أحدهم إيذاءَ آستيل ثمَّ يساعدُها طمعًا في الحصولِ على مكافأةٍ.
لم يكن داميان عاجزًا عَن تمييزِ ذلكَ، لكنَّه لم يكن يريدُ أن تتأذى آستيل في هذه العمليةِ.
بالطبعِ، لم يكن تابعوهُ -أو بالأحرى تابعو هذهِ الدوقيةِ- يعارضونَ لهذا السببِ.
بل كانوا ببساطةٍ يكرهونَ أن تقلَّ الفتاتُ التي قد تسقطُ لهم.
كتمَ داميان الصداعَ المتصاعدَ ونادى رينا.
“رينا بورتون.”
“نعم، سيدي.”
اقتربت رينا من داميان بعدَ أن كانت تراقبُ الأطفالَ يلعبونَ بأمانٍ تحتَ أنظارِ الفرسانِ.
وعلى الرغمِ مِن محاولتِهِ إخفاءَ تعابيرِهِ، إلا أنَّه بدا متعبًا بالفعلِ.
“يبدو أنَّ عليَّ مغادرةَ المكانِ لبرهةٍ بسببِ عملٍ لم ينتهِ بعدُ. أرجو أن تهتمي بالأطفالِ.”
“علمتُ، سأفعلُ.”
“و…”
وضعَ داميان المجرفةَ التي في يدِهِ في يدِ رينا فجأةً.
“استخدمي هذهِ المجرفةَ أنتِ. يبدو أنَّكِ لا تملكينَ واحدةً.”
“… نعم؟”
أومأ داميان برأسِهِ مرةً واحدةً وغادرَ المكانَ.
عِندها فقط تنفسَ بيتر الصعداءَ وتبعَ داميان.
“مجرفةٌ.”
نظرت رينا إلى المجرفةِ الفخمةِ التي في يدِها.
“… مجرفةٌ؟”
كانت مجرفةً فاخرةً تختلفُ تمامًا عَنِ المجرفةِ الصدئةِ التي كانت مركونةً في منزلِها قديمًا.
‘كم شهرًا مِن راتبي تساوي هذهِ؟’.
كانَ مجردُ استخدامِها لغرفِ الثلجِ يشعرُها بالرهبةِ.
لكن مهما كانت فاخرةً، فالمجرفةُ تظلُ مجرفةً!
اقتربت رينا من الأطفالِ بملامحَ ذاهلةٍ وهي تحملُ تلكَ المجرفةَ الراقيةَ.
نظرت آستيل بارتباكٍ إلى المجرفةِ التي كانت بيدِ داميان وأصبحت الآنَ في يدِ رينا.
“أينَ ذهبَ والدي؟”
“لقد قالَ إنَّ هناكَ عملًا لم ينتهِ بعدُ.”
“عملٌ…؟”
اهتزت حدقتا آستيل قليلًا.
كانَ ذلكَ كافيًا لتعرفَ رينا أيَّ جزءٍ مِنَ الأمرِ يقلقُ الطفلةَ.
“هل والدي متعبٌ لأنني كنتُ عنيدةً؟”
“آه، لا، يا آنستي.”
انحنت رينا بسرعةٍ وقالت لآستيل.
“أنتِ لم تفعلي أيَّ شيءٍ خاطئٍ أبدًا.”
“لكن…”
بدت آستيل فاقدةً للثقةِ بنفسِها.
حركت رينا عينيها بسرعةٍ لتنظرَ إلى الفرسانِ.
أدرك الفرسانُ طلبَ الاستغاثةِ مِن رينا، فتجمعوا حولَ آستيل في ارتباكٍ.
“بالطبعِ! لم ترتكب الآنسةُ أيَّ خطأٍ على الإطلاقِ!”
“السيدُ هو مَن نسيَ عملَهُ وكانَ أحم… كانَ مقصرًا قليلًا!”
“أوه، هذا صحيحٌ! صحيحٌ تمامًا!”
تساءلت رينا إن كانَ مِنَ الجيدِ نعتُ سيدِهم بالأحمقِ تقريبًا، لكن بفضلِ هذا الجوِّ الصاخبِ، تمكنَ الفارسُ المجهولُ مِن إطالةِ عمرِ وظيفتِهِ.
بذلَ الكبارُ جهدَهم لتدليلِ آستيل المحبطةِ، وأقنعوها بأن يصنعوا منزلًا ثلجيًّا رائعًا مع مَن تبقى لمفاجأةِ داميان.
‘بوني ماذا تفعلُ الآنَ؟’.
أدركت رينا أنَّها ركزت كلَّ اهتمامِها على تهدئةِ آستيل، لدرجةِ أنَّها لم تهتمَّ بابنتِها.
التفتت رينا بسرعةٍ خوفًا مِن أن تكونَ بونيتا حزينةً.
“…؟”
كانت بونيتا تجلسُ القرفصاءَ في الزاويةِ، وتلمسُ الثلجَ بيديها الصغيرتينِ.
“بوني؟ ماذا تفعلينَ؟”
اقتربت رينا بحذرٍ، متسائلةً إن كانت بونيتا تخفي ألمَها في تلكَ الزاويةِ.
لكن مهما نظرت، فقد بدا أنَّها مركزةٌ بشدةٍ في شيءٍ ما.
لم تلتفت بونيتا إلا عندما نادتها رينا.
“أمي، انظري إلى هذا! هذا!”
“يا إلهي.”
كانَ فوقَ قفازِ بونيتا أرنبٌ صغيرٌ مصنوعٌ مِنَ الثلجِ.
بمجردِ وضعِ ورقتي شجرٍ طويلتينِ فوقَ كرةٍ ثلجيةٍ مستديرةٍ، أمكنَ معرفةُ أنَّه أرنبٌ.
“هل صنعتِ أرنبًا؟”
“أجل!”
ابتسمت بونيتا على نطاقٍ واسعٍ وهي تضعُ أرنبَ الثلجِ الذي صنعتهُ بينَ يديها بعنايةٍ.
“أليسَ لطيفًا!”
“لطيفٌ جدًّا~”
سألت بونيتا وهي تضحكُ إن كانَ الأرنبُ لطيفًا، وأجابت رينا وهي تنظرُ إلى بونيتا بأنَّها لطيفةٌ.
‘يا لروعة، طفلتي عبقريةٌ على ما يبدو…’.
ذلكَ التفصيلُ في غرسِ ورقتي شجرٍ لتمثيلِ أذني الأرنبِ، وكونُه بيضاويًّا تمامًا… كيفَ يمكنُها صنعُ أرنبٍ ثلجيٍّ مثاليٍّ ومحببٍ كهذا!
ابتسمت رينا ابتسامةً عريضةً أمامَ عملِ بونيتا الفنيِّ اللطيفِ.
كانت آستيل تنظرُ مِن بعيدٍ إلى بونيتا ورينا وهما تبتسمانِ.
“ر-رينا!”
نادت آستيل رينا بلهفةٍ.
شعرت آستيل أنَّها طفلةٌ سيئةٌ.
لكن رؤية الاثنينِ وهما يقضيانِ وقتًا حميمًا بدونِها، أثارَ بداخلِها قلقًا وغيرةً بلا سببٍ.
لم تشعر آستيل بالاطمئنانِ إلا عندما نظرت إليها رينا التي كانت تنظرُ إلى بونيتا بعينينِ مليئتينِ بالمودةِ.
“آنسة؟”
“أنا، أنا أيضًا أريدُ صنعَ ذلكَ معكما.”
شقّت آستيل طريقَها بجدٍّ بينَ الفرسانِ ضخامِ الجثةِ.
في الحقيقةِ، لم يكن تعبيرُ شقِّ طريقِها ضروريًّا، فبمجردِ أن تحركَ آستيل ذراعيها قليلًا، كانَ الفرسانُ يتراجعونَ للخلفِ مِن تلقاءِ أنفسِهم.
“هل تريدُ الآنسةُ صنعَ هذا أيضًا؟”
سألت بونيتا ورينا ببهجةٍ، وكأنَّهما لم تدركا الغيرةَ التي شعرت بها آستيل للحظةٍ.
فركت آستيل خديها اللذينِ كادا يحمرانِ خجلًا بكلتا يديها وأومأت برأسِها.
“… أريدُ صنعَ ذلكَ أيضًا.”
“ألن نبنيَ المنزلَ الثلجيَّ؟”
“… سنصنعُ الأرنبَ أولًا! ثمَّ بعدَ ذلكَ المنزلُ!”
هزّت آستيل رأسَها بقوةٍ، ثمَّ بَدَا وكأنَّ شيئًا ما خَطَرَ ببالِها فبدأت تومئُ برأسِها هذهِ المرةَ مِرارًا.
“سأصنعُ منزلًا لأرانبِ الثلجِ!”
“يا لَروعة!”
“سيكونُ منزلًا ضخمًا ضخمًا جدًّا! لكلِّ واحدٍ منهم… اممم، اممم… سأعطي عشرَ غرفٍ لكلِّ واحدٍ وهكذا.”
“إذًا يجبُ أن يكونَ منزلًا كبيرًا حقًّا.”
“أجل!”
عندها فقط ضحكت آستيل بوضوحٍ.
لم تدرك رينا الغيرةَ التي أظهرتها الطفلةُ للحظةٍ، بل فكرت في أمرٍ تافهٍ: ألا تُعدُّ الأرانبُ بـ (مَارِي-واحدات) لا بـ (مِيُونغ-أشخاص)؟
«في الكورية كل شيء له وحدة عدّ: ماري للحيوانات وميونغ للبشر. فلو اتعدّ الأرنب بميونغ، كأنك بتعامله كإنسان»
في تلكَ اللحظةِ، تحدّثَ الفرسانُ الذينَ كانوا يقفونَ كجدارٍ متحركٍ وهم يحملونَ مجارفَهم بتباهٍ.
“آنستُنا! فقط أعطِنا الأمرَ! إذا أردتِ، فسنبني لكِ قصرًا ثلجيًّا أضخمَ من قلعةِ الدوقِ نفسِها!”
‘أظنُّ أنَّ هذا مستحيلٌ.’
حركت رينا عينيها لتنظرَ إلى الثلجِ المتراكمِ بغزارةٍ.
لكنَّ ملامحَ الفرسانِ كانَ مكتوبًا عليها الجديّة التامة.
بَدَا أنَّهم على استعدادٍ لإحضارِ كلِّ ثلجِ القريةِ وبناءِ قلعةٍ إذا رغبت آستيل في ذلكَ.
لو كانَ هناكَ مشهدُ بناءِ قلعةٍ في الروايثةِ لتمكنت من الجزمِ بالأمرِ، لذا حاولت رينا جاهدةً تذكّرَ تفاصيلِ الروايةِ التي لا تذكرُ منها إلا القليلَ.
‘لا أعرفُ…’
لكنَّها مهما فكرت حتى شعرت بحرارةٍ في رأسِها، لم يتذكر ذهنُها شيئًا.
‘لماذا أشعرُ كأنني رأيتُ هذا المشهدَ من قبل؟’
أثارَ هذا الشعورُ الغامضُ بالألفةِ نوعًا من القلقِ.
المترجمة:«Яєяє✨»
ذا رابط قناتي لمتابعة الفصول المتقدمة لمعرفة بقية أعمالي💜💜: https://t.me/+hWEe_I1cmx82MTMy
التعليقات لهذا الفصل " 25"