الفصل 20
“شيءٌ خفيفٌ……؟”
كان ما وُضِعَ في يدِ رينا ورقةً نقديّةً من فئةِ مئةِ ألفِ تيون.
‘لا أعتقدُ أنّ هذا المبلغَ مخصّصٌ لتناولِ وجبةٍ خفيفةٍ……’، ونظرت إلى الكشكِ.
كان صاحبُ الكشكِ يبتسمُ، لكنّ وجههُ كان شاحبًا، ربّما خشيةَ أن تشتري رينا شيئًا بذلكَ المبلغِ الضخمِ.
في النهايةِ، وضعت المئةَ ألفِ تيون في محفظتِها وأخرجت مالَها الخاصَّ.
فكرت في مناداةِ آستيل، لكن لقبَ “آنسة” قد يلفتُ الأنظارَ، فقرّرت إلغاءَ جميعِ الألقابِ لهذا اليومِ.
وبما أنّها تنادي الدوقَ “داميان”بالفعلِ، فقد رأت أنّ لا ضيرَ من تجاهلِ الألقابِ الأخرى.
“يا صغيرتَي، لنأكل شيئًا هنا وننتظر السيّدَ داميان.”
“أجل!”
“رائع~!”
منذُ لحظةِ جلوسِهما، تعلّقت أنظارُ الطفلتينِ بقطعِ الكوكيزِ المزيّنةِ بالسكرِ على شكلِ حيواناتٍ مختلفةٍ.
“بكم القطعةُ؟”
“مئتا تيون للقطعةِ الواحدةِ. ولكن إذا اشتريتِ عشرةً، فستحصلينَ على واحدةٍ مجانًا.”
“أوه، حقًّا؟”
رأت رينا أنّ أحد عشر قطعةً ستكونُ أكثرَ من اللازمِ، لذا قرّرت شراءَ قطعةٍ واحدةٍ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ.
اختارت آستيل بسكويتة على شكلِ أرنبٍ، بينما اختارت بونيتا شكلَ سنجابٍ.
فكّرت رينا وهي تشاهدهُما بأنّ كلَّ واحدةٍ منهما اختارت الحيوانَ الذي يشبهُها تمامًا.
“ألن تأكلي يا أمي؟”
“أجل، ألن تأكلي؟”
كانت الطفلتانِ قد بدأتا بالفعلِ في قضمِ آذانِ البسكويت وهما تنظرانِ إليها.
أخرجت رينا أربعمئةِ تيون وهي تراقبُ نظراتِهما المتلألئةَ.
“ذلكَ……”
“البسكويتة التي تشبهُ السيّدةَ موجودةٌ هنا تمامًا.”
لم يُفوِّت التاجرُ الفرصةَ، ورفعَ بابتسامةٍ عريضةٍ قطعةَ كوكيز على شكلِ زهرةٍ ورديّةٍ.
“…… أوه، اممم…….”
لم تكن رينا تشتهي السكرَ حقًّا، لكنّها لم تُرد رفضَ نظراتِ الصغيرتينِ المتوسّلةِ، خاصةً وأنّه يومٌ جميلٌ.
في النهايةِ، اشترت رينا نصيبَها من البسكويت ووقفت هناكَ.
وعندما أوشكت الصغيرتانِ على الانتهاءِ من أكلِ البسكويت، ظهرَ من بعيدٍ رجلٌ يرتدي زيًّا رسميًّا مزخرفًا، يلتفتُ يمينًا ويسارًا ويشقُّ الزحامَ بسرعةٍ.
‘هل هذا الرجلُ في عجلةٍ من أمرهِ لسببٍ ما؟’
بينما كانت رينا تعبثُ بقطعةِ البسكويت في يدها مترددةً في أكلِها، التفتَ الرجلُ فجأةً نحوَ رينا وهرعَ إليها بعينينِ متسعتينِ.
“…… يا سيّدة! أنتِ هي السيّدة، أليسَ كذلكَ!”
“نعم؟”
قد يُطلقُ عليها “سيّدة” في الكشكِ كنوعٍ من التملق، لكن لا يوجدُ سببٌ يدعو هذا الرجلَ لمناداتِها بذلكَ.
أمسكَ بيدِ رينا بتعبيرٍ يائسٍ وكأنّه وجدَ منقذهُ.
“أوه، أسرعي من فضلكِ! وأنتما أيضًا أيتها الصغيرتانِ! السيّدُ الكبيرُ في انتظارِكم!”
“عذرًا…….”
تمنّت رينا أن يشرحَ لها أحدٌ ما الذي يحدثُ.
تمسكت الطفلتانِ بطرفِ ثوبِ رينا وهما تنظرانِ بخوفٍ.
“آسفة، لا يمكنني اتباعُ شخصٍ لا أعرفهُ.”
“آه……!”
أدركَ الرجلُ خطأَهُ وتركَ يدها بسرعةٍ.
“لقد ارتكبتُ حماقةً بسببِ عجلتي. أنا شين، صاحبُ فرقةِ شينبيل المسرحيّةِ التي تنشرُ القصصَ المسرحية في كلِّ مكانٍ.”
“…….”
“لقد دخلَ السيّدُ الكبيرُ واستأجرَ العرضَ المسرحيَّ لهذا الوقتِ بالكاملِ. قالَ إنّه جاءَ ليشاهدهُ بخصوصيّةٍ وراحةٍ مع عائلتهِ.”
“ماذا؟”
نظرت رينا والطفلتانِ إلى صاحبِ الفرقةِ بأفواهِ مفتوحةٍ من الذهولِ.
ما الذي يقولهُ هذا الرجلُ؟
وفي تلكَ اللحظةِ، أدركت رينا ما الذي ذهبَ داميان ليفعلهُ.
وقبلَ أن يستوعبوا الأمرَ تمامًا، سُحِبَ الثلاثةُ بأيدي موظفي الفرقةِ الذينَ تبعوا صاحبَها، ودخلوا إلى داخلِ الخيمةِ.
في ذلكَ المكانِ الواسعِ، كان هناكَ شخصٌ واحدٌ فقط.
رجلٌ يبدو جليلاً حتّى من بعيدٍ، يجلسُ بوقارٍ واضعًا قدمًا فوقَ أخرى.
كان ينظرُ إلى المسرحِ الخالي بتعبيرٍ يملؤهُ المللُ، لكنّه التفتَ عندما سمعَ صوتَ وصولِهم.
“…… لقد وصلتم.”
“سـ- سيّد داميان؟ ما الذي يحدثُ؟”
“هل يُعقلُ أن أجعلَ ابنتي تشاهدُ مسرحيّةً وهي ترتجفُ من البردِ وتنتظرُ في الخارجِ؟”
تحرّك حاجبَا الدوقِ وكأنّه يقولُ: ‘هذا غيرُ معقولٍ بتاتًا. هل تدرينَ ابنةُ مَن هي آستيل؟’
‘لو كان الأمرُ كذلكَ، ألم يكن من الأفضلِ دعوةُ الفرقةِ إلى القصرِ منذ البدايةِ؟’
خطرت لرينا نقطةٌ للمجادلةِ، لكنّها كتمتها مرّةً أخرى.
نظرت آستيل إلى المقاعدِ الفارغةِ والواسعةِ.
شدّت رداءَ داميان وسألتهُ: “…… إذًا، الأشخاصُ الذينَ في الخارجِ لا يمكنُهم الدخولُ حتّى ننتهي من مشاهدةِ المسرحيّةِ؟”
“هذا صحيحٌ. لذا يمكنكِ مشاهدتُها براحةٍ أكبرَ.”
“…….”
تحدّثَ الدوقُ بفخرٍ، لكنّ تعابيرَ وجهِ آستيل ازدادت سوءًا.
ارتبكَ الدوقُ أمامَ وجهِ آستيل المظلمِ، فرفعَ رأسهُ ونظرَ إلى رينا طلبًا للمساعدة.
شعرت رينا أنّها أصبحت ترى الجانبَ الإنسانيَّ للدوقِ كثيرًا في الآونةِ الأخيرةِ.
اقتربت من داميان وهمست بصوتٍ خافتٍ جدًّا لكي لا يسمعَها الصغارُ.
“لقد فعلت ذلكَ لأنّها تشعرُ بالأسفِ تجاهَ الأشخاصِ الذينَ ينتظرونَ في الخارجِ.”
“…… ولماذا؟”
“لأنّ أولئكَ المنتظرينَ قد خصّصوا وقتًا للانتظارِ، وهناك متسعٌ من المقاعدِ هنا، لكنّ تصرُّفَ السيّدِ……داميان باستئجارِ المكانِ بالكاملِ جعلَهم ينتظرونَ لفترةٍ أطولَ.”
“…….”
بقي داميان غارقًا في تفكيرهِ لفترةٍ، وكأنّه لم يستوعب تمامًا رهافةَ مشاعرِ آستيل.
ثمّ قال لصاحبِ الفرقةِ: “املأ المقاعدَ بالأشخاصِ الذينَ معهم أطفالٌ صغارٌ أولًا.”
“…… نعم؟ نعم! سأفعلُ ذلكَ حالًا!”
“كلا…… لحظةً.”
لمسَ طرفَ فمهِ ثمّ غيّرَ كلامَهُ: “لندعُ أطفالَ دارِ الأيتامِ أيضًا.”
“الآنَ؟”
“أجل، الآنَ فورًا.”
“…….”
“سأدفعُ ضِعفَ المبلغِ الذي دفعتُهُ منذ قليلٍ.”
“آه، فهمتُ! سأُحضرُ الأطفالَ في الحالِ!”
لم تكن رينا تَعلمُ كم دفعَ داميان سابقًا، ولم ترغب في معرفةِ ذلكَ المبلغِ؛ فشعرت أنّها لو عرفت فستكونُ كمن عبرَ نهرًا لا عودةَ منهُ أبدًا.
ودونَ أن يدركَ ما يدورُ في خلدِ رينا، توجّهَ بوقارٍ نحو أفضلِ المقاعدِ وأجلسَ الطفلتينِ.
“هل هذا يرضيكِ؟”
سألَ داميان آستيل، فأومأت برأسِها بعد تردُّدٍ بسيطٍ، بينما كانت وجنتاها محمرّتينِ، ربّما من البردِ.
ترددت رينا قليلًا ثمّ جلست بجانبِ بونيتا.
“صاحب السموِّ…”
“لقد طلبتُ منكِ مناداتي باسمي.”
“ليسَ هناكَ مَن يسمعُنا هنا.”
“……حسنًا.”
استجمعت رينا شجاعتَها لتسألَ عما كان يراودُها منذ فترةٍ.
“تُرى، ماذا قلتَ لصاحبِ الفرقةِ عن طبيعةِ علاقتِنا؟”
“لم أقل شيئًا مميزًا.”
“حقًّا؟”
“قلتُ إنّنا خرجنا جميعًا لكي نُري ابنتي مسرحيّةً. وأعطيتُهُ مالًا وأخبرتُهُ أنّه سيجدُ امرأةً ترعى طفلتينِ عند كشكٍ قريبٍ، وطلبتُ منه إحضارَهم.”
“…… أرى ذلكَ.”
بالتأكيدِ، هو لم يستخدم كلماتٍ مثل ‘زوجتي’ أو يصف رينا بأنّها من عائلتهِ.
لقد كان مجردَ استنتاجٍ من صاحبِ الفرقةِ الذي فسّرَ شرحَ داميان المقتضبَ كما يحلو لهُ.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى استعدّت الفرقةُ على عجلٍ بعد دعوةِ أطفالِ دارِ الأيتامِ بشكلٍ مفاجئٍ.
وبما أنّه كان هناكَ وقتٌ فائضٌ في الأصلِ، فقد تمكّنوا من بدءِ العرضِ في الموعدِ المقرّرِ تمامًا.
“…… وااااو.”
أظلمتِ الخيمةُ، واستعرضَ الساحرُ التابعُ للفرقةِ سحرًا خلّابًا.
لمعت أعينُ الأطفالِ انبهارًا بذلكَ السحرِ الجميلِ الذي يروْنَهُ لأوّلِ مرّةٍ.
ولم يقتصر الأمرُ على بونيتا وآستيل فحسب.
بل إنّ العديدَ من أطفالِ دارِ الأيتامِ فغروا أفواَههم دهشةً وهم يراقبونَ بدايةَ العرضِ البديعِ.
ابتسمت رينا وهي ترى تلكَ التعبيراتِ المتشابهةَ على وجوهِ الأطفالِ رغم اختلافِ ملامحِهم، فقد كان منظرُهم مضحكًا ومحببًا في آنٍ واحدٍ.
“…… إلى ماذا تنظرينَ هكذا؟”
حينها، أمالَ داميان رأسَهُ وهمسَ لرينا.
والتفتت رينا نحوَهُ بسرعةٍ لتردَّ عليهِ، ففُوجئت بوجهِ داميان القريبِ منها أكثرَ مما توقعت، واتسعت عيناها ذهولًا.
“…… لـ…… لا شيءَ…… فقط لأنّ الأطفالَ يبدونَ لطيفينَ.”
ومثلما كان المكانُ مظلمًا، كانت أصواتُهما خافتةً كنسيمٍ يمرُّ فوقَ أوراقِ الشجرِ في منتصفِ الليلِ.
“…….”
“لقد قدّمتَ للأطفالِ هديّةً رائعةً.”
“لم يكن ذلكَ ما أنويهِ في البدايةِ.”
“لكنّك فعلت، رغم ذلكَ.”
شعرَ داميان ببعضِ الحرجِ فاعتدلَ في جلستِهِ.
نظرت إليهِ رينا وهي تبتسمُ برقةٍ وهَمست بصوتٍ خافتٍ: “السيّدُ داميان يشبهُ سانتا كلوز.”
“……؟”
“صحيحٌ، هل تودُّ تجربةَ هذا؟”
قسمت رينا قطعةَ الكوكيزِ التي على شكلِ زهرةٍ إلى نصفينِ، وأعطتِ الجزءَ الأكبرَ لداميان.
أمسكَ بالقطعةِ الصغيرةِ التي وُضعت في يدهِ فجأةً، وراحَ يعبثُ بها وهو يتفكرُ في الكلمةِ التي قالتها رينا للتوِّ.
سانتا كلوز.
كائنٌ لا وجودَ لهُ في إمبراطوريّةِ آيزن، بل في هذا العالمِ أجمعَ.
نظرَ داميان إلى رينا التي شبّهتهُ بكائنٍ مجهولٍ، فإذا بها قد أشاحت بوجهِها بالفعلِ لتتابعَ العرضَ مع الأطفالِ.
بدت هي الأخرى متحمسةً كالأطفالِ الصغارِ، وشعرَ داميان لسببٍ ما بأنّه لن ينسى هذه اللحظةَ أبدًا.
* * *
بدأ العرضُ بهذه الجملةٍ.
“رأى بينديسيون طفلةً وُلِدت على هذه الأرضِ، ولم يستطع إلّا أن يحبَّها.”
كانتِ المسرحيّةُ تتناولُ قصةً مرتبطةً بـ “ميلادِ النجمة”.
في قديمِ الزمانِ حين لم يكن هناكَ ملوكٌ أو أباطرة، حلَّ الجفافُ بالعالمِ.
وماتَ الكثيرونَ جوعًا.
وفي غمرةِ ذلكَ اليأسِ الشديدِ، رفعت طفلةٌ صلاتَها.
“بينديسيون يا بينديسيون. استجب لطلبي. تلطّفْ بالجميعِ من فضلكَ.”
لم يُجبِ.
فتوسلت الطفلةُ مرّةً أخرى.
“بينديسيون. استجب لطلبي. أرجوكَ أنقذِ الجميعَ. سأعطيكَ كلَّ ما تطلبهُ.”
حينها ظهرَ كائنٌ يشبهُ النورَ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
رابط قناة التلي لمشاهدة الفصول اول بأول: https://t.me/+50NgOoTuvng0ZWQy
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"