الفصل 19
أخرجت رينا ذلكَ الفستانَ الكحليَّ الجميلَ الذي اشترتهُ في المرّةِ الماضيةِ وألبستهُ لبونيتا.
كان للبطانةِ خطوطٌ طوليّةٌ، أمّا الدانتيلُ المضافُ فكان كثيفًا لدرجةِ أنّه بدا وكأنّ زهرةَ فاونيا كريميّةً قد تفتّحت.
رغم أنّ لونَ الثوبِ كان داكنًا وقد يبدو ثقيلًا، إلّا أن حبّاتِ اللؤلؤِ المقلّدِ الموزّعةِ هنا وهناك أعطتهُ لمسةً من الإشراقِ.
وفي النهايةِ، ألبستها قبعةً مزيّنةً بشريطينِ كبيرينِ على الجانبينِ.
“وااااو!”
قفزت بونيتا فرحًا وهي ترى صورتَها في المرآةِ.
رغم أنّها قالت في يومِ الشراءِ إنّها لا تحتاجُ لثيابٍ جديدةٍ، إلّا أنّه يبدو أنّها تحبُّ الثيابَ الجميلةَ بعد كلِّ شيءٍ.
“انظري يا بوني. أليسَ حذاءً جميلًا؟”
نظرت رينا بفخرٍ إلى طفلتِها المشرقةِ، ورفعت حذاءَ “ماري جين” الذي اشترتهُ حديثًا ولم ترتدِهِ بونيتا من قبلُ.
لينا: أحذية ماري جين مغلقة من الأمام مع حزام. بداية، تمّ تقديم التصميم الكلاسيكيّ بالجلد الأسود، وأصبح الحذاء المثالي لاعتماده مع الزيّ المدرسي
بعد أن انتعلت الطفلةُ الحذاءَ الذي يناسبُ قدمَها تمامًا، بدت في عيني رينا فاتنةً للغايةِ وكأنّها أميرةٌ تستعدُّ للموكبِ.
كانت تتوقُ لضمِّها وتقبيلِها، لكنّها كبحت رغبتَها وأنهت استعداداتِها هي الأخرى.
كانت ملابسُ رينا يمكنُ وصفُها بالرصينةِ إذا أردنا المدحَ، أو بالباهتةِ إذا أردنا الذمَّ.
ربطت رينا شعرَها للأعلى وزيّنتهُ بشريطٍ أبيضَ، وبعد التأكّدِ من الوقتِ، أمسكت بيدي بونيتا اليُسرى.
“بوني، سيكونُ هناكَ الكثيرُ من الناسِ في الخارجِ اليومَ.”
“أجل.”
“أتعرفينَ ما الذي تقوله أمُّكِ دائمًا؟”
“أجل! عندما يكونُ هناكَ زحامٌ، لا أصرفُ نظري بعيدًا. أُمسكُ بيدِ أمي بقوّةٍ. وإذا ضعتُ، لا أذهبُ إلى أيِّ مكانٍ وأنتظرُ هناكَ!”
“أحسنتِ.”
خرجت رينا وهي تبتسمُ بهدوءٍ.
بمجردِ خروجِهما من القصرِ، لفحهما الهواءُ الباردُ.
لقد شعرت حقًّا بأنّ الجوَّ أصبحَ أبردَ من ذي قبلُ.
دائمًا ما يبدأُ البردُ الحقيقيُّ مع حلولِ ميلادِ النجمة.
حتّى العامِ الماضي، كان عليها أن تقلقَ بشأنِ حطبِ التدفئةِ، لكنّ إدراكَ أنّها لم تَعُد بحاجةٍ لذلكَ جعلَ رينا تبتسمُ من أعماقِ قلبِها.
“رينا!”
نادت آستيل رينا وهي تبتسمُ بوضوحٍ، مرتديةً عباءةً ورديّةً مزيّنةً بالفراءِ الناعمِ.
بدا وكأنّها طقمٌ مع الفستانِ ذو النقوش المربعة الذي ترتديهِ تحتَها.
ولأنّ شعرَها الأبيضَ كان يلفتُ الأنظارَ، كانت تربطهُ للأعلى وترتدي قبعةً ذاتَ حوافٍ ضيّقةٍ لإخفائهِ.
“آنستي، هل كنتِ بالخارجِ بالفعلِ؟”
“أجل، لقد اتفقنا على الخروجِ معًا اليومَ!”
ابتسمت آستيل بإشراقٍ وأمسكت بإحدى يدي رينا لتقودَها نحو المكانِ الذي يقفُ فيه الدوقُ.
كان الدوقُ يتأمّلُ مناظرَ الشتاءِ بوجهٍ خالٍ من التعبيرِ.
رغم أنّه كان مشهدًا شتويًّا، إلّا أنّ حديقةَ قلعةِ الدوقِ كانت تفيضُ بالأزهارِ بفضلِ أحجارِ السحرِ، ممّا جعلَها تبدو بعيدةً كلَّ البعدِ عن أجواءِ الشتاءِ القاسيةِ.
“صاحب السموِّ، هل كنتَ تنتظرُنا؟”
“…… اممم.”
بما أنّ آستيل والدوقَ سيخرجانِ إلى المدينةِ متنكرينِ لإخفاءِ هويّتِهما كنبلاءَ، فقد كانت ملابسُهما أبسطَ من المعتادِ.
بالطبعِ، هذا لم يُخفِ الهالةَ الأنيقةَ التي يمتلكانِها بطبيعةِ الحالِ.
فقد كانت تفوحُ منهما رائحةٌ طيبةٌ، وكان شَعرهُما يبدو في غايةِ النعومةِ والجمالِ.
‘أياً كانَ من يراهما، سيعرفُ أنّهما نبلاءُ يرتدونَ ثيابَ عامّةِ الشعبِ.’
ومع ذلكَ، وبما أنّهما حاولا التأنّقَ كالعامّةِ، اكتفت رينا بالابتسامِ حتّى لا تُفسدَ عليهما حماستهُما.
قرّرَ الأربعةُ الانتقالَ بالعربةِ حتّى مشارفِ المدينةِ، وفُتحَ بابُ عربةٍ بدت عاديّةً جدًّا، على غيرِ المعتادِ من مكانةِ عائلةِ الدوقِ.
كان المظهرُ الخارجيُّ عاديًّا للغايةِ، لكنّ المقصورةَ الداخليّةَ كانت في غايةِ الفخامةِ، ممّا أصابَ رينا بالدهشةِ.
في البدايةِ، ساعدوا الطفلتينِ على ركوبِ العربةِ.
ظلّ الدوقُ واقِفًا بالخارجِ حتّى النهايةِ، يحدّقُ في الداخلِ.
فنظرت إليهِ رينا التي كانت قد دخلت بالفعلِ.
بقي واقِفًا لفترةٍ، ثمّ سألَ رينا:”هل ستنادينني بصاحب السموِّ في المدينةِ أيضًا؟”
“…… اممم.”
بالتفكيرِ في الأمرِ، فإنّ لقبَ صاحب السموِّ يلفتُ الأنظارَ.
وبصراحةٍ أكبرَ، كان دوقُ وينترنايت وآستيل يمتلكانِ شيئًا يجذبُ الأنظارَ حتّى دونَ تلكَ الألقابِ.
فالدوقُ الذي يفوحُ منه الثراءُ كان طويلاً وفارعَ الطولِ، ممّا يجعلهُ محطَّ أنظارِ الجميعِ أينما ذهبَ.
فكّرت رينا فيما إذا كان ينبغي لها أن تُشيرَ إلى تلكَ النقطةِ أولاً، لكنّها قرّرت الصمتَ مجددًا وأومأت برأسِها.
“هذا صحيحٌ، فاللقبُ سيثيرُ شعورًا بالغرابةِ. بِمَ تنصحُني أن أناديَك؟”
“…… داميان.”
لم تصدّق رينا أذنيها.
“…… نعم؟”
“ناديني داميان.”
حاولت رينا إقناعَ نفسها بأنّه ربّما اسمٌ مستعارٌ أعدّهُ لهذا اليومِ، لكنّها لم تكن جاهلةً؛ فاسمُ ربِّ عائلةِ الدوقِ التي تخدمُها هو داميان وينترنايت، وهذا الرجلُ، سيّدُ العائلةِ نفسُهُ، يطلبُ منها الآنَ مناداتَهُ باسمهِ المجرّدِ.
راحت رينا تلتفتُ يمينًا ويسارًا بعينيها في ذلكَ الموقفِ المحرجِ.
“هذا أمرٌ مني، فلا بأسَ.”
قال الدوقُ ذلكَ ثمّ صعدَ إلى العربةِ.
طرقَ جدارَ العربةِ مرّتينِ، فانطلقت بهِم.
التصقت الطفلتان بالنافذةِ تراقبان المناظرَ التي تتغيّرُ بسرعةٍ خاطفةٍ.
داخلَ العربةِ، كانت رينا تعتني بالصغيرتينِ، بينما جلسَ الدوقُ عاقدًا ذراعيهِ ومغمضَ العينينِ دونَ أن ينطقَ بكلمةٍ.
شعرت رينا بالارتباكِ من هذا الوضعِ، لكنّها استغربت من كونِهِ لم يكن مزعجًا بقدرِ ما توقّعت.
‘هل لأنّنا مررنا ببعضِ المواقفِ معًا بالفعلِ؟’
لقد حدثَ أن انفردا بالحديثِ، وعقدا ما يشبهُ الصفقةَ، وتناولا الطعامَ معًا، بل وصنعا أكاليلَ الزهورِ.
شعرت رينا أنّ الدوقَ الذي عرفتهُ في تلكَ اللحظاتِ لم يكن شخصًا صعبَ المراسِ كما يُشاعُ، بل هو ببساطةٍ شخصٌ يفتقرُ لمهاراتِ التواصلِ، لذا أعادت نظرَها نحو الطفلتينِ.
وبعدَ فترةٍ، وصلت العربةُ إلى مدخلِ القريةِ وتوقّفت في مكانٍ خالٍ من الناسِ. حينها فقط، فتحَ الدوقُ عينيهِ ببطءٍ ونظرَ من النافذةِ.
“من هنا، سيتعيّنُ علينا السيرُ على الأقدامِ.”
ترجّلَ الدوقُ من العربةِ أولاً، ثمّ حملَ آستيل وأنزلَها برفقٍ.
وعندما همّت رينا بالنزولِ لتنزلَ بونيتا بدورِها.
“……!”
أمسكت يدانِ كبيرتانِ بخصرِ رينا ورفعتها عاليًا.
في تلكَ اللحظةِ، بدا لها كلُّ شيءٍ بطيئًا؛ تطايرُ خصلاتِ شعرِها، ورفرفةُ أجفانِ الرجلِ الذي رفعها.
“…… آه…….”
نظر كلٌّ من آستيل وبونيتا إلى المشهدِ بذهولٍ، بينما لم تستوعب رينا نفسُها الموقفَ تمامًا.
أنزلَها الدوقُ على الأرضِ بخفّةٍ.
“هذه العربةُ مرتفعةٌ، وإذا تعثّرتِ قد تُصابُ قدمُكِ.”
“شـ- شكرًا لكَ، يا صاحب السموِّ.”
“داميان.”
“…… السيّدُ…داميان.”
“…….”
“……سيّد داميان؟”
“حسناً، هذا يفي بالغرضِ.”
ثمّ حملَ بونيتا التي كانت متجمدةً داخلَ العربةِ وأنزلَها هي الأخرى.
“لقد أصبحتِ أثقلَ من المرّةِ الماضيةِ.”
“أنا…… أنا آسفةٌ.”
“لم أقصد السخريةَ، فلا داعي للاعتذارِ.”
هدّأت رينا روعَ بونيتا التي اقتربت منها بساقينِ ترتجفانِ.
كانت هي نفسُها قد صُدِمت قبلَ قليلٍ، فما بالكِ بالطفلةِ.
“سـ……سيّد داميان، هل تعرفُ مكانَ العرضِ؟”
“سمعتُ عنهُ بشكلٍ عامٍّ.”
أجابَ بلامبالاةٍ وهو يراقبُ لفترةٍ رينا وبونيتا وهما تمسكانِ بأيدي بعضِهما بمودّةٍ؛ حيثُ كانت يدا بونيتا الصغيرةُ تُمسكُ بإصبعَي رينا الخنصرِ والبنسرِ.
“…….”
مدَّ الدوقُ يدهُ إلى آستيل ليُتيحَ لها إمساكَ إصبعيهِ بالطريقةِ نفسِها.
تردّدت آستيل قليلاً وهي تتساءلُ عما يفعلهُ، ثمّ راقبت تعابيرَ وجههِ وأمسكت بيدِهِ.
حينها فقط، رفعَ طرفَ فمهِ قليلاً تعبيرًا عن رضاهُ.
سطعت أشعةُ الشمسِ المشرقةِ على الأبِ وابنتِهِ، فنظرت رينا إليهما بوجهٍ مُحمرٍّ من البردِ.
‘يبدوانِ حقًّا كأبطالِ روايةٍ…….’
ألا يبدوانِ شخصينِ مثاليّينِ للغايةِ من الخارجِ؟
أدركت رينا أنّ تلكَ الملابسَ التي اختارَاها لتبدوَ عاديّةً كانت في الحقيقةِ قطعًا فاخرةً أُعدّت بعنايةٍ لهذا اليومِ.
لا تدري رينا ما سرُّ هذا الشعورِ بالبؤسِ الذي يتسلّلُ إليها رغم سعادتِها.
ولا ما هو هذا النقصُ الذي يدفعُها لجلدِ ذاتِها، رغم أنّه لا أحدَ يحاولُ إشعارَها بالدونيّةِ.
“…… أمي؟”
شدّت بونيتا يدَ رينا الواقفةِ بشرودٍ.
حينها استعادت رينا وعيَها وابتسمت ابتسامتَها المعتادةَ الحنونةَ.
“لقد زرتُ المكانَ من قبلُ، لذا سأكونُ أنا المرشدةَ.”
“اممم، اعتمدُ عليكِ.”
“بكلِّ سرورٍ.”
كان ميلادُ النجمة مهرجانًا يحتفلُ بهِ ويستمتعُ بهِ جميعُ سكانِ الإمبراطوريّةِ.
ومع بدايةِ المهرجانِ، زيّنت جميعُ المتاجرِ واجهاتِها بزخارفِ النجومِ المتنوّعةِ، وعرضت بضائعَ تستهوي الأطفالَ وهدايا يتبادلُها العُشّاقُ.
“المدينةُ كلُّها تعجُّ بالناسِ…….”
“ألم تزر أماكنَ مزدحمةً كهذهِ من قبلُ؟”
“بصراحةٍ، لا.”
تخبطت الطفلتانِ وسطَ الحشودِ الكبيرةِ والتصقتا بجسدي من يحميهِما.
“…….”
نظرَ الدوقُ داميان إلى الصغيرتينِ، ثمّ انحنى وحملهما معًا بخفّةٍ؛ آستيل في ذراعٍ، وبونيتا في الذراعِ الأخرى.
لم تنبهر الطفلتانِ فحسب، بل دُهِشت رينا أيضًا.
“صاحب السـ…….”
“داميان.”
“سيّد داميان……! إنّهما ثقيلتانِ! أعطِني بوني، سأحملُها أنا.”
كانت ذراعا رينا الممدودتانِ نحوَ بونيتا نحيلتينِ للغايةِ.
ورغم أنّها قالت إنّها تستطيعُ حملَ دلوَي ماءٍ بسهولةٍ، إلّا أنّ الأمرَ سيكونُ شاقًّا حتمًا وسطَ هذا الزحامِ.
“سأحملهما حتّى نصلَ إلى المسرحِ.”
“آه، ولكن…….”
“لا بأسَ، إنّهما خفيفتانِ لدرجةٍ تُثيرُ القلقَ.”
بما أنّه لم تكن هناكَ يدٌ تسندُ ظهريهما، اضطرَّت الطفلتانِ للتعلّقِ بكتفَي داميان بقوّةٍ.
بدا المنظرُ وكأنّه يحملُ مُغلّفينِ ورقيّينِ كبيرينِ.
راقبت رينا الموقفَ بقلقٍ، وعندما رأت أنّه لا ينوي أبدًا إنزالَهما، رأت أنّ الأفضلَ هو الوصولُ سريعًا إلى الفرقةِ المسرحيّةِ.
أمسكت رينا بطرفِ رداء داميان بحذرٍ، وشقّت طريقَها بجهدٍ وسطَ الحشودِ الغفيرةِ متجهةً نحوَ المسرحِ.
كان الزحامُ شديدًا لدرجةِ أنّها لم تلمح طرفَ الخيمةِ إلّا بعدَ فترةٍ طويلةٍ من السيرِ.
“واااو، الناسُ كثيرونَ جدًّا…….”
“فعلاً…… هل جاءَ كلُّ هؤلاءِ لمشاهدةِ المسرحيّةِ؟”
“اممم…….”
كان الزحامُ لا يُصدّقُ حقًّا.
بدا الطابورُ بلا نهايةٍ، لدرجةِ أنّ المرءَ قد يشكُّ في قدرةِ المكانِ على استيعابِ كلِّ هؤلاءِ.
وحتّى لو قُدِّمَ العرضُ عدّةَ مرّاتٍ، فمن المحتملِ ألّا يتمكّنَ الأربعةُ من الدخولِ إلّا عندَ غروبِ الشمسِ.
“يبدو أنّنا سننتظرُ طويلاً…… ماذا نفعلُ؟ لا بأسَ بي، لكنّ الصغيرتينِ ستشعرانِ بالجوعِ.”
عندما قالت رينا إنّ الانتظارَ سيطولُ، ظهرت ملامحُ عدمِ الرضا على وجهِ داميان.
نظرَ حولهُ، فرأى كشكًا يحتوي على مقاعدَ للجلوسِ، فتوجّهَ إليهِ بخطىً واسعةٍ حاملاً الطفلتينِ.
“انتظري هنا.”
“نعم؟”
وجّهَ داميان كلمتَهُ لرينا التي كانت تتبعهُ بجهدٍ، ثمّ وضعَ في يدها مالاً وطلبَ منها شراءَ شيءٍ خفيفٍ لتأكلهُ، ثمّ انطلقَ بخطىً ثابتةٍ نحوَ الخيمةِ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"