الفصل 17
بينما كان يهمُّ بالاقترابِ ليعرفَ ماذا حدثَ وجعلَ الطفلةَ تبكي في وقتِ الفجرِ، خرجت آستيل من البابِ وهي تعانقُ وسادتَها.
مشَتِ الطفلةُ نحو غُرفةٍ ما وهي تنتحب، دونَ أن تلمحَ والدها.
“……”
كان يتوقُ لحملِها بين ذراعيهِ الآنَ و تهدئتها، لكنَّ الدوقَ لم يجرؤْ على فعلِ ذلك.
فلو كانت آستيل هي من تبحثُ عنهُ لكان الأمرُ مختلفًا، لكنّه خشيَ أن ترتعبَ الطفلةُ من رؤيةِ وجهِه في هذا الفجرِ دونَ سببٍ.
تبعَها بخطواتٍ هادئةٍ من مسافةٍ قصيرةٍ، قلقًا من أن تتعثّرَ في طريقِها أو تضلَّ سبيلَها.
كان المكانُ الذي وصلت إليه آستيل هو الغرفةُ التي تقيمُ فيها رينا وبونيتا.
وبفضلِ وضعِ الدوقِ لغرفةِ رينا بالقربِ من غرفةِ آستيل، لم تضطرَّ الطفلةُ للمشي طويلًا.
“ريناااااا……”
فتحت الطفلةُ باب غرفةِ رينا و نادتها بصوتٍ مخنوقٍ بالبكاءِ.
“آنستي؟”
يبدو أنَّ رينا كانت نائمةً واستيقظت، فنادت آستيل بصوتٍ يملؤه النعاسُ.
عندما تأكّدت آستيل أنَّ رينا مستيقظةٌ، مشت بخطواتٍ متعثّرةٍ وهي تنتحب نحو السريرِ حيثُ توجدُ رينا.
“آنستي، ما الخطبُ؟ هل يؤلمُكِ شيءٌ؟”
“لاااا……”
“هل رأيتِ حلمًا مخيفًا إذًا؟”
تلصّصَ الدوقُ على حديثِهما من بينِ فتحةِ البابِ.
كان يعلمُ أنَّ التنصّتَ ينافي الآدابَ، لكنَّ قدميهِ لم تقويا على التحركِ.
“لذا، فجأةً…… المعلمونَ…… والأطفالُ……”
“فهمت فمهت، لذا استيقظتِ مفزوعةً؟”
“…… نعم.”
لم تُلحَّ رينا على الطفلةِ لتسألَ عن تفاصيلِ الحلمِ.
بدلًا من ذلك، ربتت رينا على المكانِ الخالي في السريرِ الواسعِ.
“هل ننامُ معًا؟”
“…… هل يمكنني ذلك؟”
“بالتأكيدِ.”
أومأت رينا بابتسامةٍ، فزحفت آستيل نحو السريرِ وهي لا تزالُ تعانقُ وسادتَها.
“سأطردُ كلَّ الأحلامِ المخيفةِ بعيدًا.”
“هل يمكنكِ فعلُ ذلك؟”
“طبعًا. في الحقيقةِ هذا سرٌّ، أنا ساحرةٌ.”
“……!”
بالطبعِ، لم يكن لرينا التي لا تستخدمُ المانا أن تكونَ ساحرةً.
كان مجرّدَ كلامٍ لتهدئةِ طفلةٍ رأت كابوسًا.
صدّقت آستيل كذبةَ رينا اللطيفةَ وقالت إنَّ هذا أمرٌ مذهلٌ.
بدأت رينا تُهدّئُ آستيل بصوتٍ خفيضٍ حتى لا توقظَ بونيتا، وجعلتها تنامُ مجددًا.
بعدَ فترةٍ طويلةٍ، عندما خمدَ صوتُ الطفلةِ وغرقت في النومِ، وبينما كان الدوقُ يهمُّ بالرحيلِ.
“…… سيّدي؟”
“……”
في تلك اللحظةِ، خرجت رينا من خلفِ البابِ واستوقفتِ الدوقَ.
فوجئَ الدوقُ بأنَّ رينا لاحظت وجودَه رغمَ أنّه كان يُخفي أيَّ أثرٍ لحركتِه.
“…… كيفَ عرفتِ؟”
“…… فقط، شعرتُ بوجودِكَ.”
ابتسمت رينا بارتباكٍ قائلةً إنّها لم تكن متأكدةً من وجودِه حقًا.
أشارت بإصبعِها نحو داخلِ الغرفةِ وسألتِ الدوقَ: “هل تودُّ رؤيةَ الآنسةِ وهي نائمةٌ قبلَ أن تذهبَ؟”
“……”
“إنّها تبدو في غايةِ اللطفِ.”
“…… سأراها.”
كما قالت رينا، بدت آستيل النائمةُ كملاكٍ هبطَ من السماءِ.
حتى شعرُها الأبيضُ الذي يصفُه الناسُ عادةً بالمنفّرِ، كان يبدو كخيوطٍ غُزلت بعنايةٍ من قطعةِ غيمٍ بيضاءَ.
“…… يبدو أنّها لا ترَى أحلامًا مخيفةً الآنَ.”
الطفلةُ التي كانت تبكي قبلَ قليلٍ، غطّت الآنَ في نومٍ عميقٍ لدرجةِ أنّها لن تشعرَ بمن يحملُها.
همست رينا للدوقِ وهي تنظرُ للطفلتين النائمينَ: “يبدو أنّها لا تزالُ قلقةً، لذا ترَى الكوابيسَ أحيانًا.”
“…… هل لأنَّ هناكَ ساحرةً تطردُ الكوابيسَ هنا، صارَ كلُّ شيءٍ بخيرٍ؟”
“……”
احمرَّ وجهُ رينا خجلًا عندما أدركت أنَّ دوقَ وينترنايت سمعَ ذلك الحوارَ.
وظنّت أنّه من حسنِ الحظِّ أنَّ الغرفةَ مظلمةٌ فلا يظهرُ لونُ وجهِها.
وكذلكَ تلاشتِ الابتسامةُ الرقيقةُ التي ارتسمت فجأةً على وجهِ الدوقِ، وغابت في عتمةِ المكانِ.
* * *
في الآونة الأخيرةِ، وُجِدَت امرأةٌ واحدةٌ أثارت فضولَ العديدِ من النبلاءِ، بل وحتّى العائلةِ الإمبراطوريّةِ.
رينا بورتون.
أُعلِنَ رسميًّا أنّها منقذةُ “آستيل وينترنايت”، الابنةُ الوحيدةُ ووريثةُ دوقيّةِ وينترنايت.
وبناءً على ذلكَ، صرّحَ الدوقُ بأنّه سيقومُ برعايةِ وحمايةِ رينا بورتون من الآنَ فصاعدًا، ورغم كثرةِ المتسائلينَ حولَ صدقِ هذا الإعلانِ، إلّا أنّ الحصولَ على معلوماتٍ عنها كان أمرًا في غايةِ الصعوبةِ.
نتيجةً لذلكَ، بدأت تدورُ شائعاتٌ لا أساسَ لها من الصِّحّةِ.
قيلَ إنّها أميرةٌ هاربةٌ من دولةٍ أخرى، أو أنّها في الحقيقةِ من فرقةِ اغتيالٍ.
أو ربّما جنديّةٌ أو فارسةٌ نجت من موتٍ محتّمٍ في إحدى الحروبِ.
ولكن في الوقتِ الذي كانت فيه رينا مِحورَ هذه الشائعاتِ غيرِ المعقولةِ، كانت في قصرِ الدوقِ الهادئِ تقومُ بنشرِ الغسيلِ بدلًا من زميلتِها الخادمةِ التي أُصيبت بنزلةِ بردٍ.
قالت صوفيا، التي كانت تنشرُ الغسيلَ معها: “رينا، لم يعد عليكِ القيامُ بمثلِ هذه الأعمالِ بعد الآنَ.”
“لا بأسَ، لديّ بعضُ الوقتِ الآنَ لذا فلا ضيرَ من ذلكَ.”
لقد أصبحَ الجوُّ باردًا فجأةً، وكان البخارُ يخرجُ من أفواهِهما أثناءَ الحديثِ.
ومع بدايةِ البردِ، تذكّرت رينا ذكرياتِ ذلكَ اليومِ الذي وصلت فيه لقصرِ الدوقِ.
“هل الآنسةُ نائمةٌ الآنَ؟”
“نعم، يبدو أنّ نومَها كان متقطّعًا في الآونةِ الأخيرةِ.”
“يا للهولِ… آنستُنا المسكينةُ، لا بدّ وأنّها مرّت بالكثيرِ من الصعابِ.”
“…….”
“أنتما! لا تتكاسلا أثناءَ العملِ!”
وبينما كانت الاثنتانِ تتهامسانِ، صرخت خادمةٌ فجأةً.
كانت آن ماري، الخادمةُ التي عملت في هذا القصرِ لمُدّةِ ثماني سنواتٍ على الأقلِّ.
“…… آوه، أنا آسفةٌ.”
وُلدت آن ماري كابنةٍ لخادمةٍ في عائلةِ كونت، ونشأت طوالَ حياتِها كخادمةٍ تخدمُ النبلاءَ.
ويُقالُ إنّها نالت مكانتَها الحاليّةَ بعد سنواتٍ من الجهدِ.
لذا، كان من المفهومِ بالنسبةِ لرينا أن تَعاملها آن ماري ببرودٍ، كونَ رينا قد حصلت على وظيفةِ خادمةٍ فقط لأنّها نالت إعجابَ الدوقِ، وحظيت بمنصبٍ شرفيٍّ لرعايةِ آستيل لأنّ الأخيرةَ تحبّها.
“آن ماري تملكُ حقًّا شخصيّةً سيّئةً…….”
“هيهي، أنا هي المقصرةُ.”
عندما ضحكت رينا فحسب، وبّختها صوفيا قائلةً إنّها تفتقرُ للكرامةِ.
ولكن بما أنّ ذلكَ التوبيخَ لم يكن مزعجًا، ضحكت رينا وتجاوزت الأمرَ مرّةً أخرى.
“بعيدًا عن هذا، اقتربَ ميلادُ النجمة، فما الذي تنوينَ فعله؟”
“لا أدري، لديّ الكثيرُ من القلقِ.”
لم يسبق لها أن اهتمّت بميلادِ النجمة بجدّيّةٍ من قبلُ.
كان أقصى ما تفعلهُ هو شراءُ بعضِ الوجباتِ الخفيفةِ الرخيصةِ أو الطعامِ المتبقّي بأسعارٍ زهيدةٍ لتتناولهُ مع بونيتا.
“هل سيكونُ الأمرُ سيئًا لو صنعتُ الفطائرَ هذا العامَ أيضًا…….”
“هل كنتِ تصنعينَ الفطائرَ في يومِ ميلادِ النجمة حتّى الآنَ؟”
“اممم…… فعلتُ ذلكَ مرّتينِ تقريبًا.”
عندما كانت بوني في السادسةِ والسابعةِ من عمرِها.
تذكّرت أنّها صنعتها في السابعةِ أيضًا لأنّ بونيتا كانت تحبُّ الفطائرَ كثيرًا وهي في السادسةِ.
“يبدو أنّها أحبتها لأنّ الفطائرَ كانت ألذَّ ما أكلناهُ في ذلكَ الوقتِ…… أيضًا.”
حتّى لو كانت فطائرَ، لم تكن ذلكَ النوعَ الراقيَ الذي يتخيّلهُ الآخرونَ.
لم يكن بمقدورِهم الحصولُ على شرابِ القيقب لغلاءِ ثمنهِ، فكانت تكتفي بكشطِ المربّى التي تدّخرُه وتضعُه فوقَ الفطائرِ مع القليلِ من الزبدةِ الرخيصةِ.
قالت رينا ذلكَ دونَ تفكيرٍ، لكنّ صوفيا كانت تنظرُ إليها بالفعلِ بوجهٍ تملؤهُ الدموع.
“هيك، كنتُ أعلمُ أنّ حياتَكِ كانت صعبةً…… لكن لم أتخيّل أنّكِ كنتِ بائسةً إلى هذا الحدِّ…….”
“نعم؟ لم أكن بائسةً إلى هذه الدرجةِ.”
“لا، ليسَ عليكِ الإخفاءُ يا رينا…… أنا بخيرٌ، سأحرصُ على معاملتِكِ بشكلٍ أفضلَ مستقبلاً…….”
“كلا…… حقًّا لم أشعر قطُّ بأنّني بائسةٌ إلى هذا الحدِّ…….”
رغم أنّها كانت تشعرُ أحيانًا بأنّها ليست سعيدةً، إلّا أنّ الأمرَ لم يكن يستدعي البكاءَ هكذا.
كان لدى رينا بونيتا، وكان الطعامُ اللذيذُ يوضعُ على المائدةِ أحيانًا، وإن لم يكن ذلكَ كثيرًا.
ورغم الصعوباتِ، لم تكن تعتقدُ أنّها بائسةٌ لدرجةِ أن يشفقَ عليها الآخرونَ.
وبسببِ شفقةِ صوفيا عليها، شعرت رينا وكأنّها أصبحت شخصًا بائسًا بالفعلِ.
“رينا.”
في تلكَ اللحظةِ، ظهرَ رجلٌ ودودٌ وهو يزيحُ القماشَ القطنيَّ المتطايرَ.
“السير داين؟”
“يا إلهي، السير داين فيرونتي! ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟”
بشعرٍ بنيٍّ يشبهُ حقولَ القمحِ الناضجةِ، وعينينِ بنفسجيّتينِ، كان داين رجلاً ذا مظهرٍ ودودٍ يجعلُ أيّ شخصٍ يشعرُ بالارتياحِ تجاههُ.
كان أوسمُ رجلٍ في هذا القصرِ بلا شكٍّ هو دوقُ وينترنايت، ولكنّ الرجلَ الذي سرقَ قلوبَ الكثيرِ من النساءِ كان داين فيرونتي اللطيفَ مع الجميعِ.
إلّا أنّ خادمةً واحدةً فقط كانت تناديهِ باسمهِ، وهي رينا بورتون، كما كان هو الرجلَ الوحيدَ الذي يناديها رينا وليسَ السيّدة بورتون.
بسببِ ذلكَ، ارتابَ الكثيرونَ في طبيعةِ علاقتِهما، لكن تلكَ الشكوكَ تلاشت سريعًا بسببِ وضعِ رينا كأمٍّ عزباءَ لديها ابنةٌ.
احمرَّ وجهُ صوفيا وهي تنظرُ إلى ابتسامةِ داين التي تشبهُ أشعةَ الشمسِ.
ربّما كانت رينا بورتون هي المرأةَ الوحيدةَ التي لا يحمرُّ وجهُها عند رؤيةِ وجههِ.
“أردتُ أن أسألَ عمّا تخطّطُ رينا لفعلهِ في ميلادِ النجمة القادمِ.”
“…… نعم؟”
نظرت رينا إليهِ وهي تمسكُ بسلّةِ الغسيلِ الفارغةِ، متسائلةً عن سببِ سؤالهِ.
ابتسمَ داين بودٍّ بعد سؤالِهِ، وبعد فترةٍ طويلةٍ أدركَ أنّ سؤالهُ قد يُساءُ فهمهُ.
“آه، كلا! ليسَ الأمرُ طلبًا لموعدٍ أو شيءٍ من هذا القبيلِ!”
“آه……؟ نعم…….”
“ذلكَ…… في اليومِ الذي خرجنا فيه معًا، ألم تقُل رينا لبوني إنّكما ستشاهدانِ مسرحيّةً معًا……؟”
“……!”
“بدت رينا مشغولةً مؤخّرًا، فأتيتُ لأسألَ خشيةَ أن تكوني قد نسيتِ الأمرَ.”
عند سماعِ كلماتِ داين، تذكّرت رينا صورةَ بونيتا وهي تبدي اهتمامًا بفرقةٍ مسرحيّةٍ جوالة.
وحينَ تذكّرت رينا الوعدَ الذي غابَ عن بالِها طويلاً، ارتسمت على وجهِها ابتسامةٌ مشرقةٌ ومليئةٌ بالحيويةِ.
“شكرًا لكَ. كنتُ قلقةً وأنا أفكّرُ بأنّه لا ينبغي لي الاكتفاءُ بالفطائرِ هذه المرّةَ أيضًا. كدتُ أنسى وعدي لطفلتي.”
“كلا، هذا…….”
“إذًا، عليّ الذهابُ لسؤالِ بونيتا الآنَ. لقد انتهيتُ للتوِّ من نشرِ الغسيلِ. صوفيا، هل يمكنكِ ترتيبُ السلالِ وحدَكِ؟”
“بالطبعِ. كان هذا عملي أنا وبيكي في الأصلِ.”
“أنا آسفةٌ لأنّني لم أستطع البقاءَ حتّى النهايةِ.”
أعطت رينا السلّةَ الفارغةَ لصوفيا وغادرت مسرعةً نحو الغرفةِ حيثُ تنتظرُها بونيتا.
راقبَ داين رينا وهي تتلاشى في الأفقِ بنظراتٍ يملؤها الحنينُ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"