الفصل 16
“……”
اهتزّت عينا الدوق عند سماع أنّ آستيل ستفرح.
“هل ستحبّ ذلك حقًّا؟”
ربما كانت ترغب في الإكليل الذي صنعته رينا أكثر من الذي سيصنعه هو.
ماذا لو أصيبت آستيل بخيبة أمل إذا أعطاها شيئًا صنعه دون مهارة؟
الدوق الذي عُرف بأنّه لا يهاب شيئًا، كان في الحقيقة رجلًا مسكينًا يخشى أن تخافه آستيل ولو قليلًا.
نظرت رينا إلى الدوق بهدوء وقالت: “هي لن تكره ذلك.”
“……”
“لأنّ الآنسة آستيل طفلةٌ ذكيّة ولطيفة، وهي تدرك المشاعر الصادقة.”
“…… إذن، سأجرّب.”
اقترب الدوق ببطء من رينا.
شعرت رينا بتوتّرٍ طفيف بسبب المسافة التي أصبحت قريبةً فجأة، وبدأت تشرح له كيفيّة نسج الإكليل.
بدأ الدوق في تحويل الإكليل إلى فوضى، ولكن بمعنى مختلف عن الأطفال.
الرجل الذي بدا مثاليًّا لدرجة أنّه لا ينزف قطرة دم واحدة إذا طُعن، انهار تمامًا أمام أوّل إكليل يصنعه.
ما وُضع أمام الدوق كان إكليلًا مشوّهًا.
كان يحدّق فيه بوجهٍ جادّ، وكأنّه يعالج قضيّةً في غاية الصعوبة.
“…… أوه؟”
توقّفت الطفلتان وهما يحملان أحضانًا من الزهور عندما رأوا الدوق جالسًا تحت المظلّة ينسج إكليلًا.
“آنستي، يقول سيّدي إنّه سيصنع إكليلًا من أجلكِ.”
“……!”
احمرّت وجنتا آستيل عند سماع ذلك. بدا أنّها لا تكره الأمر رغم شعورها بالغرابة.
لا يُعرف كيف فَهِم الدوق صمت آستيل، لكنّه بدأ في صنع الإكليل بجدّية أكبر.
ومع ذلك، كلّما زاد تركيزه، زادت القوّة في يده الكبيرة، ممّا أدّى إلى سحق أوراق الزهور المنسوجة في الإكليل بشكلٍ بائس.
“……”
كانت النتيجة متوقّعة. إكليلٌ جميل صنعته رينا، وثلاثةٌ غير ذلك.
ابتسمت رينا بإحراج، بينما تغيّرت تعابير الثلاثة الآخرين بشكلٍ لا يُوصف.
نظر الدوق إلى الإكليل الذي صنعه بوجهٍ كئيب.
“…… انتظري قليلًا يا آستيل. سأشتري جميع الزهور من سوق الزهور.”
أدركت رينا أنّ الدوق يخطّط للذهاب إلى سوق الزهور وشراء كلّ شيء لاستخدامه في التدرّب على صنع الأكاليل.
نظرت آستيل إلى أوّل إكليل صنعه الدوق، وحرّكت يدها بتردّد قبل أن تأخذه وتضعه على رأسها.
“…… أنا، أنا أحبّ هذا.”
“……!”
في تلك اللحظة، تغيّر تعبير الدوق بشكلٍ غريب.
بدا وكأنّه يحاول جاهدًا كتم تعبيرٍ كاد ينفجر فرحًا.
خمنت رينا ما كان يفكّر فيه الدوق، لكنّ الطفلتين لم يفعلا ذلك.
خافت آستيل من تعبيره الغريب، فجمعت كلّ شجاعتها وقدمت للدوق الإكليل الصغير والمجعّد الذي صنعته.
“…… هذا، همم…… إنّها هدية…… بما أنّني تلقّيتُ إكليلًا من الدوق…… إذن، تبادل؟”
“……”
عندما استقرّ الإكليل الذي صنعته آستيل في يد الدوق، ظلّ ينظر إليه لفترة طويلة بوجهٍ يملؤه التأثّر.
نظرَ إليها.
ساورَ الطفلة القلقُ وهي تراقبُه، خشيةَ أن يكونَ الدوقُ قد غضبَ لأنّها أهدته شيئًا لا قيمةَ له.
وفجأةً صرخَ الدوقُ: “كبيرُ الخدمِ!!!!!”
لم تكن آستيل وحدَها مَن فزِعَت من صرخةِ الدوقِ المفاجئةِ، بل حتى رينا وبونيتا اللتانِ كانتا تجلسانِ في مكانٍ قريبٍ.
“استدعِ ساحرًا فورًا! شخصًا يمكنُه استخدامُ سحرِ الحفظِ!!!”
لقد كانت لحظةً تاريخيّةً، حيثُ استُخدمَ سحرٌ يتطلّبُ عشراتِ الملايينِ من التيون لأجلِ إكليلِ زهورٍ متواضعٍ.
* * *:
في النهايةِ، وُضِعَ الإكليلُ الذي صنعَته رينا على رأسِ بونيتا، وتلقّت رينا إكليلَ بونيتا.
‘ليتَ سيّدي يُحسّنُ أسلوبَ تعبيرِه قليلًا.’
تنهّدت رينا بصوتٍ خفيضٍ، وهي تفكّرُ في أنّه حتى بالنسبةِ لها يمتلكُ هيبةً طاغيةً، فكيفَ سيكونُ حالُ الأطفالِ الذين هم أصغرُ منها بكثيرٍ.
أمرَ الدوقُ باستدعاءِ حِرفيٍّ لصنعِ إطارٍ جميلٍ لحفظِ الإكليلِ الذي صنعته آستيل، واحمرَّ وجهُ آستيل خجلًا وهي تشاهدُ كلَّ تلك الإجراءاتِ.
لم يبخل أيٌّ من الموظّفينَ العاملينَ في قلعةِ الدوقِ بالثناءِ وهم ينظرونَ إلى إكليلِ آستيل.
تحدّثوا عن براعةِ يدِها، وذوقِها في اختيارِ الزهورِ، وعن مدى حُبِّها الكبيرِ لوالدِها.
وحدَها رينا كانت تنظرُ إلى آستيل بشفقةٍ.
لم يفهمِ الكبارُ معاناةَ الطفلةِ التي يحيطُ بها أشخاصٌ مفرطونَ في التدليلِ والإعجابِ.
“أمي؟ ما الخطبُ؟”
“هاه؟ لا شيءَ، لا شيءَ يا عزيزتي.”
بعدَ قضاءِ يومٍ كاملٍ مليءٍ بالأحداثِ المربكةِ، حلَّ الليلُ فجأةً.
بدت بونيتا سعيدةً بالإكليلِ الذي صنعته رينا، فظلّت ترتديهِ فوقَ رأسِها طوالَ الوقتِ.
لم تكن رينا غنيّةً بما يكفي لاستدعاءِ ساحرٍ واستخدامِ سحرِ الحفظِ، لذا كان عليها التفكيرُ في طريقةٍ للاحتفاظِ بالإكليلِ.
“بوني، هل نُجفّفُ هذا الإكليلَ لنحتفظَ بهِ؟”
لم تُظهِر رينا جلبةً كالدوقِ، لكنّها كانت تضمرُ في نفسِها رغبةً في الاحتفاظِ بأوّلِ إكليلٍ تصنعُه بونيتا و تعليقه.
عدمُ المبالغةِ في التعبيرِ لا يعني أنّها تحبُّ طفلتَها أقلَّ من الدوقِ.
الإكليلُ الذي صنعته بونيتا سقطَت منهُ بعضُ البتلاتِ بسببِ فشلِها في التحكّمِ بقوّتِها، لكنّهُ بدا لرينا في غايةِ اللطفِ.
‘كيفَ نسّقتِ الزهورَ بهذا الشكلِ الرائعِ!؟’
رغمَ أنّهُ قد يبدو إكليلًا رديئًا في نظرِ الآخرينَ، إلا أنّهُ كانَ في عينِ رينا جميلًا بما يكفي ليضاهيَ تاجًا يرتديهِ الإمبراطورُ.
لكنّ بونيتا لم تكن متحمّسةً جدًا لاقتراحِ رينا.
“…… ما صنعتُه يبدو قبيحًا……”
“لكنَّ أمّكَ ترَى أنّهُ أجملُ إكليلٍ رأته على الإطلاقِ؟”
“الإكليلُ الجميلُ هو الذي صنعتِه أنتِ يا أمي!”
اندفعت بونيتا لترِيَ رينا الإكليلَ الذي كانت ترتديهِ، محاولةً دحضَ كلامِها.
عندما وُضِعَ الإكليلانِ جنبًا إلى جنبٍ، ظهرَ الفرقُ جليًّا.
شعرت بونيتا بالخزيِ لظنِّها أنَّ إكليلَها متواضعٌ، لكنَّ نظرةَ رينا ظلّت ثابتةً على ما صنعته بونيتا.
‘ماذا ستصبحُ طفلتي عندما تكبرُ……’
لم تعش رينا حياةً ثريّةً تسمحُ لها بالحلمِ في طفولتِها بما تريدُ أن تكونَ عليهِ.
حتى سنِّ الرابعةَ عشرةَ، كانت تقلقُ من الجوعِ في اليومِ التالي وتساعدُ والدتَها في عملِها، ومنذُ ذلك الحينِ كافحت بشدّةٍ لتبنيَ حياتَها بنفسِها.
عاشت رينا حياةً فقيرةً ولم تتلقَّ تعليمًا، لكنّها تمنّت ألا ترثَ بونيتا فقرَها، وأن تعيشَ متمتّعةً بأشياءَ أفضلَ.
“سأصنعُ لكِ واحدًا أجملَ لاحقًا، اتفقنا؟”
حاولت بونيتا إقناعَ رينا التي لا تزالُ تنظرُ ببريقٍ إلى الإكليلِ غيرِ المتقنِ.
“الإكليلُ الذي ستصنعينَه لاحقًا لن يكونَ نفسَ هذا الإكليلِ.”
كلمةُ “المرّةِ الأولى” تجعلُ الشيءَ مميزًا في نفسِ الإنسانِ.
قلبُ الوالدينِ لا يريدُ تفويتَ أيٍّ من لحظاتِ الطفلِ الأولى.
“ولكِـن……”
ودائمًا ما كان الأبناءُ لا يفهمونَ تصرّفاتِ آبائهم تلك.
تردّدت بونيتا قليلًا، ثمَّ عانقت رينا بقوّةٍ وتمتمت بصوتٍ خفيضٍ.
“…… إذًا لنُجفّفْ إكليلَكِ أيضًا.”
“هل نفعلُ ذلكَ؟”
“نعم، ليسَ من العدلِ الاحتفاظُ بإكليلي فقط.”
لم تعرفْ رينا ما هو غيرُ العادلِ في ذلك، لكنّها وافقت و ربتت على رأسِ بونيتا.
كان من الصعبِ تخمينُ ما يدورُ في رأسِ هذه الصغيرةِ.
في النهايةِ، عُلِّقَ الإكليلانِ جنبًا إلى جنبٍ على الحائطِ.
بدا الإكليلُ الكبيرُ والصغيرُ وهما متجاورانِ كأنهما أمٌّ وابنتُها.
حتى اللحظةِ التي سبقت نومَها، ظلّت بونيتا ترمقُ المكانَ بنظراتٍ خاطفةٍ وهي مستلقيةٌ على السريرِ.
يبدو أنّها كانت راضيةً في داخلِها عن تجفيفِ الإكليلينِ.
ظلّتِ الطفلةُ تنظرُ إلى الإكليلينِ المختبئينِ في الظلامِ لفترةٍ طويلةٍ حتى بعدَ إطفاءِ النورِ، ثمَّ اندست في حضنِ رينا.
كانت ليلةً دافئةً ومليئةً بالحبِّ والراحةِ.
* * *
الإكليلُ الذي أهدته آستيل لدوقِ وينترنايت كان محفوظًا في إطارٍ تحتَ تأثيرِ سحرِ الحفظِ، تمامًا كما كان في تلك اللحظةِ.
كان الدوقُ ينظرُ في المستنداتِ مرّةً، ثمَّ يرفعُ رأسَه لينظرَ إلى الإكليلِ، ويوقّعُ مرّةً، ثمَّ يعيدُ ضبطَ الإطارِ زاعمًا أنّه مائلٌ.
تنهّد بيتر بعمقٍ وهو يراقبُ الدوقَ الذي كان يتحرّكُ بضجيجٍ دونَ قدرةٍ على التركيزِ، ثمَّ قالَ معاتبًا: “يا سيّدي، اهدأْ قليلًا.”
“…… مهما فكّرتُ، فإنَّ ابنتي عبقريّةٌ.”
لم يكن هكذا في الأصلِ.
كان اسمُ دوقِ وينترنايت وحدَه كافيًا لبثِّ الرعبِ في قلوبِ الجميعِ، كبارًا وصغارًا.
لكنَّ صاحبَ هذا الاسمِ الآنَ كان مجرّدَ أبٍ غارقٍ في حبِّ ابنتِه.
“ماذا أفعلُ إذا أرادت ابنتي فتحَ محلِّ زهورٍ؟ انظر إلى الزهورِ المستخدمةِ في هذا الإكليلِ. هل يوجدُ طفلٌ في هذه الإمبراطوريّةِ يعرفُ كيفَ يختارُ زهورًا متناغمةً كهذهِ؟”
“……”
“يبدو أنَّ عليَّ فتحَ أكبرِ محلِّ زهورٍ في الإمبراطوريّةِ. بما أنّه سيُدارُ باسمِ ابنتي، فلا يصحُّ أن يكونَ أصغرَ من غيرِه.”
“…… أليسَ من الأفضلِ سؤالُ الآنسةِ عن رأيِها أوّلًا.”
بدا أنَّ الدوقَ لا ينوي الاستماعَ لكلامِ بيتر.
كان ينظرُ إلى الإكليلِ أمامَ الإطارِ بابتسامةِ رضا، ويتحدّثُ بإسهابٍ عن مدى لُطفِ آستيل.
كانت لطيفةً حتى عندما أخذتِ الإكليلَ الذي صنعته قائلةً إنّها تحبُّه.
لم يستطعِ الدوقُ استيعابَ كيفَ تكونُ هذه الطفلةُ اللطيفةُ هي ابنتَه.
وفي الوقتِ نفسِه، جعلَه شعورُه بأنّه لم يشهدْ مراحلَ نموِّها كلَّها يشعرُ بالحزنِ.
“برأيك، متى يبدأ الأطفالُ بالكلامِ عادةً. ومتى يبدؤونَ بالمشي؟”
“…….”
لا يعرفُ إن كانت حيّةً أم ميّتةً، لقد وجدَ ابنتَه، لكنّه تذكّرَ كيفَ كانَ يضطربُ من شدّةِ الحماسِ عندما حملت زوجتُه التي اختفت دونَ تركِ أيِّ أثرٍ.
درسَ الكثيرَ لأنّه أرادَ أن يكونَ أبًا صالحًا، وإذا قالت زوجتُه إنّها تشتهي شيئًا، كان يرسلُ مَن يجلبهُ مهما كانَ الثمنُ.
وإذا اشتكت فجأةً من ألمٍ في بطنِها في الفجرِ، كان يستدعي طبيبَ عائلةِ الدوقِ ويُلحُّ عليهِ.
في اليومِ الذي شعرَ فيهِ بحركةِ الجنينِ، ذرفَ دموعَ التأثّرِ.
وكان يقضي كلَّ يومٍ مع زوجتِه في اختيارِ أفضلِ الأسماءِ، آستيل إن كانت بنتًا، و إستيفان إن كان ولدًا.
لكنَّ كلَّ شيءٍ اختفَى هباءً لمدةِ ثمانِ سنواتٍ، ولم يكن بإمكانِ الدوقِ سوى محاولةِ ملءِ ذلك الفراغِ الزمنيِّ بخيالِه.
ولأنَّ بيتر كان رجلًا بلا زوجةٍ أو أبناءٍ، لم يستطع تقديمَ إجابةٍ شافيةٍ لأسئلةِ الدوقِ.
“…… سأخرجُ لاستنشاقِ بعضِ الهواءِ.”
“رافقتكَ السلامةُ.”
كانت السماءُ في الخارجِ معتمةً، ولا يضيءُ فيها سوى ضوءُ القمرِ الباردِ.
أجابَ بيتر بأنّه سينهي الأعمالَ المتبقيةَ في المكتبِ، لأنَّ الدوقَ كان يفضّلُ التنزّهَ وحيدًا دائمًا.
كان الوقتُ قد حانَ لنومِ جميعِ الموظّفينَ باستثناءِ القليلِ منهم.
تردّدَ صدى خطواتِ الدوقِ بوضوحٍ، رغمَ أنّه كان يميلُ للمشيِ بهدوءٍ عادةً.
ربما لم يقصدِ الدوقُ ذلك، لكنَّ وجهتَه كانت نحو غُرفةِ آستيل.
وعندما اقتربَ من غُرفةِ آستيل، أدركَ أنَّ البابَ كان مفتوحًا.
“…… هـيك.”
هبطَ قلبُه عندما سمعَ صوتَ نحيبٍ خفيضٍ جدًا لطفلةٍ من بينِ فتحةِ الباب.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"