الفصل 15
“……”
شحبَ وجهُ رينا أكثرَ أمامَ هذا التعبيرِ العظيمِ والمبالغِ فيه.
“وبصفتِكِ مُحسنةً كهذهِ، ستصبحينَ رمزًا. فإذا أحسنتُ معاملتَكِ، سيتخيّلُ الجميعُ حجمَ المكاسبِ التي سيجنونها بالوقوفِ في صفِّ وينترنايت، وإذا تعرّضتِ للانتقامِ منهم وأنتِ في مكانتكِ هذهِ، فسيكونُ ذلك رمزًا أيضًا بطريقتِه الخاصّةِ.”
ارتجفتْ يدُ رينا قليلًا عند سماعِ كلماتِ الدوقِ. فلاحظَ الدوقُ ذلك وتابعَ كلامَه فورًا.
“…… لذلك، أنا وهذا البيتُ الدوقيُّ، سنحميكم أنتِ وطفلتَكِ بشكلٍ أكثرَ صلابةً.”
كان يخططُ لمنحِها رسميًا منصبَ مربيةِ آستيل، وبناءً على ذلك، كان ينوي منحَها لقبًا نبيلًا.
لكن لم يكن بالإمكانِ منحُ لقبٍ لشخصٍ عاميٍّ لا يملكُ صلاتٍ، وفوق ذلك لم يحقّق أيَّ إنجازاتٍ كبرى. وعلاوةً على ذلك، كانت رينا امرأةً.
فلو منحَ رينا لقبًا لمجرّدِ إنقاذِها لآستيل، فمن المؤكدِ أنَّ الكثيرينَ سيشكّكونَ في طبيعةِ العلاقةِ بينهما.
لم يكن الأمر يقتصر على ذلك فحسب؛ فإذا مَنحها لقبًا نبيليًّا، فقد يحاول مَن حولها استغلال ذلك لإيذاء آستيل، ثم التظاهر بإنقاذها لكسب ودّها.
لكلّ أمر ترتيبه، وهناك دائمًا سببٌ أكثر منطقيّة.
كان الدوق يظنّ أنّ مجرّد إنقاذها لآستيل كافٍ، لكنّ العالم لم يكن ليرى الأمر بهذه الطريقة.
‘ليس هذا هو الوقت المناسب للتحدّث في الأمر.’
بالنظر إلى شحوب وجه رينا، بدا أنّ التوقيت غير مناسب لإخبارها بخطّته التي فكّر فيها الآن.
ومما زاد الطين بلّة، لِمَ ظهر طعامٌ يحتوي على التوت الأزرق تحديدًا؟
“…… شـ- شكرًا لك؟”
نظرت رينا إلى الدوق وينترنايت بوجهٍ تعلوه الحيرة، وكأنّها تشعر بأنّها تتلقّى معاملةً استثنائيّة لا تستحقّها.
لم يفهم الدوق تمامًا لِمَ يتصرّف هكذا، لكنّه اعتقد أنّ الحديث عن اللقب الآن قد يجعل رينا تنهار من الصدمة، فغيّر الموضوع.
“…… وأيضًا، لديّ طلبٌ منكِ.”
“…… نعم.”
كان لا يزال وجه رينا اليائس الذي رآه في ذلك اليوم الشتويّ، ووجهها وهي تتوسّل إليه في المكتب كالمجرمة لإنقاذ ابنتها، عالقًا في ذاكرته لا يغيب.
“هل يمكنكِ تعليمي كيفيّة التقرّب من ابنتي؟”
“نعم…؟”
بدا الأمر وكأنّ سحرًا ما قد أصابه، سحرًا قويًّا لا مفرّ منه.
* * *
لم يكن الدوق يفتقر تمامًا إلى أشخاصٍ يربّون أطفالًا في الثامنة من عمرهم من حوله.
غير أنّ أولئك لم يكونوا في مكانةٍ تسمح لهم بالبقاء بجانبه دائمًا، أو كانوا ممّن يجب على الدوق الحذر منهم.
لذا، لم يجد حتى الآن شخصًا مناسبًا ليكون بجوار آستيل.
علاوةً على ذلك، كانت آستيل تتحدّث مع رينا بصيغةٍ وديّة غير رسميّة، ممّا جعله يتساءل إن كان هناك من يمكنه أن يحلّ محلّها.
كان يقرأ في مكتبه أوراقًا لم تكن تُفهم أبدًا، بينما يختلس النظر من النافذة بين الحين والآخر. أما بيتر، الذي كان يساعده في العمل، فقد تنهّد بصوتٍ منخفض وهو يرى سيّده يتصرّف هكذا مجدّدًا اليوم.
“سيّدي، إن كنت قلقًا لهذه الدرجة، لِمَ لا تخرج لرؤيتهم؟”
“…… لا بأس.”
في المكان الذي ألقى الدوق نظره إليه، كانت رينا وآستيل وبونيتا يتفرّجن على الزهور في الحديقة.
كان الدوق ينظر إليهنّ بنظرةٍ تحمل شيئًا من الغبطة.
ظنّ بيتر أنّ طريقة تعبيره عن المودّة خرقاء وغريبة حقًّا.
فرغم أنّه يعزّ آستيل كثيرًا، لدرجة أنّه يجلب لها كلّ شيء تُبدي اهتمامًا بسيطًا به، إلا أنّه يكتفي بمراقبتها من بعيد، ولا يعبّر عن مشاعره بالكلمات.
سرعان ما تحدّث بيتر.
“لقد استعادت رينا بورتون صحّتها مجدّدًا.”
“نعم، لقد كان مجرّد ردّ فعلٍ جسدي بسبب الحساسية في الأصل.”
“من الجيد أنّه لم يكن سمًّا.”
في ذلك اليوم الذي سقطت فيه فجأةً وهي تعاني من ضيق التنفس، فكّر بيتر أوّلًا في احتمال التسمّم.
يبدو أنّ رينا لم تدرك مكانتها، لكنّها كانت منقذة عائلة وينترنايت.
فلو حدث مكروه لآستيل التي اختُطفت قبل أن يستقرّ وضعها، لكانت عائلة وينترنايت قد اهتزّت بلا شكّ.
وفوق ذلك، لو أنّ شخصًا طمّاعًا هو من أنقذ آستيل، لادّعى أنّه منقذها وطالب بأشياء لا تُعقل.
شعر بيتر بامتنانٍ كبير لأنّ الأمور لم تصل إلى ذلك الحدّ.
فالخادمة التي كانت ترعى آستيل لم تستسلم للتهديدات، بل وقدمت مساعدةً كبيرة في كشف الجناة.
أين نجد قصّةً مؤثّرة كهذه؟ وفوق ذلك، عادت ابنتها التي اختُطفت بدلًا من آستيل دون أيّ إصابة.
‘الأمر غريبٌ لأنّها تبدو طبيعيّة تمامًا.’
عادةً ما يجد الكبار صعوبةً لأيّام بعد خوض تجربةٍ كهذه، لكنّ تلك الطفلة الصغيرة خرجت للاستمتاع مع رينا بعد بضعة أيامٍ فقط.
ظنّ بيتر أنّ أعصاب الطفلة قويّةٌ بشكلٍ غير عاديّ وهو يراقب الثلاثة يستمتعون بمشاهدة الزهور في الخارج.
* * *
أصبحت حديقة قلعة الدوق أكثر إشراقًا منذ وصول آستيل.
صحيحٌ أنّ البستانيّ كان يزيّنها دائمًا، لكن لم يكن هناك أحدٌ يتجول فيها من قبل.
ومنذ وصول الآنسة الصغيرة إلى القلعة، لم تتوقّف أصوات الثناء على الزهور، فكانت هذه النتيجة الطبيعيّة.
علاوةً على ذلك، وبمجرّد قول آستيل إنّها تحبّ الزهور، تمّ تشغيل جميع أحجار السحر في حديقة القلعة، فازدهرت الزهور بكثافةٍ لا تُصدّق.
‘بفضل ذلك، هناك الكثير من الزهور رغم اقتراب عيد ولادة النجمة.’
قادت رينا الأطفال وهي غارقةٌ في أفكارها الهادئة.
قطف الثلاثة زهورًا جميلة وجلسوا في دائرةٍ داخل المظلّة الخشبيّة.
كانت رينا تعلّم الصغيرتين كيفيّة صنع أكاليل الزهور.
“ننسج الساق هكذا بشكلٍ دائريّ، ثمّ الزهرة التالية……”
لمعت عيون آستيل وبونيتا وهما تراقبان مهارة رينا المتقنة.
حاولت الطفلتان تقليد ذلك بطريقتهم، لكنّ أيديهم الصغيرة غير المعتادة على مثل هذه الأعمال لم تفعل شيئًا سوى إيذاء بتلات الزهور.
“…… هذا غريب……”
“…… فعلًا……”
شعرت آستيل وبونيتا بالإحباط وهما تنظران إلى الزهور التي سحقتاها.
“البداية تكون هكذا للجميع. ومع ذلك، فهي أجمل بكثير ممّا صنعته أنا في المرّة الأولى!”
“حقًّا؟”
“بالفعل؟”
“بالطبع. لقد صنعتُ أوّل إكليل لي عندما كنتُ في الثانية عشرة، وحينها قطعتُ الساق تمامًا.”
كانت الثانية عشرة أكبر منهما بأربع سنوات.
تبادلت الطفلتان النظرات وأدركتا أنّهما لم يخطئا، فشعرتا بالارتياح.
هذه المرّة، قامت رينا بالعرض ببطء حتى تتمكّن الطفلتان من المتابعة.
عندما نجحتا في النسج لأوّل مرّة، نظرت الطفلتان إلى رينا بعيونٍ لامعة.
“مهارتكما جيّدة. لدرجة أنّه يمكنكما افتتاح محلّ لأكاليل الزهور لاحقًا~!”
في الحقيقة، لم يكن الأمر يصل إلى هذا الحدّ، فقد تخيّلت الإكليل الذي سيكون مشوّهًا قليلًا عند اكتماله.
لم تستطع الطفلتان التحكّم في قوّتهما بدقّة، وكان من الممكن رؤية بتلات الزهور وهي ترتجف بعد ضغط البراعم.
لكنّ رينا لم تكن تنوي الإشارة إلى أخطاء الطفلتان منذ البداية.
بينما كانوا يصنعون الأكاليل من الزهور الملوّنة، صُبغت أيديهم برائحة الزهور والعشب.
رفعت رينا زوايا فمها قليلًا دون أن تشعر عندما شمّت رائحة العشب في أطراف أصابعها.
قبل بضعة أيام، أعلن الدوق لرينا أنّه سيحمي سلامتها في المستقبل، وطلب منها في الوقت نفسه تعليمها كيفيّة التقرّب من ابنته.
‘لا يبدو أنّ شيئًا قد تغيّر بشكلٍ خاص.’
لعلّ الشيء الوحيد الذي تغيّر هو الغرفة التي تقيم فيها.
عندما علمت بونيتا أنّه يمكنها البقاء في تلك الغرفة من الآن فصاعدًا، فتحت فمها دهشةً، وشعرت رينا بالراحة لأنّها لم تفتح فمها بتلك الطريقة.
تغيّرت نظرات الناس تجاه رينا بشكلٍ طفيف، لكنّ هذا كلّ ما في الأمر.
كانت لا تزال الخادمة المسؤولة عن آستيل، والآن انضمّت إليها بونيتا أيضًا.
لذا…… تغيّر شيءٌ ما في المحيط، لكنّ روتين رينا ظلّ كما هو تقريبًا.
“الإكليل الذي صنعته رينا هو الأجمل.”
“فعلًا، إكليل أمّي هو الأجمل.”
قارن الطفلتان باستمرار بين أكاليلهم الصغيرة والمجعّدة، والإكليل الرائع الذي صنعته رينا.
كانت تصرّفات وأفكار الطفلتان اللتان لا تربطهما صلة دم متشابهةً جدًّا، لدرجة أنّ من يراهم قد يظنّ أنّهم توأمٌ غير متماثل.
حبست رينا ضحكتها التي كادت تنفجر بسبب تلك اللطافة التي تداعب قلبها.
بدا أنّ كلا الطفلتين ترغبان في الحصول على الإكليل الذي صنعته رينا.
ومع ذلك، تجمّلا بالصمت وهما يتردّدان في الكلام، وكأنّهما يحاولان التنازل لبعضهما البعض.
لقد كانتا طفلتين محبوبتين حقًّا.
“هل نصنع واحدًا آخر؟”
تحدّثت رينا بلطف متظاهرةً بعدم الملاحظة.
“هل نفعل ذلك؟”
لمعت عينا آستيل وهي تقول: “إذن يمكننا فعل ذلك!”
ثمّ قدّرت عدد الزهور المتناثرة على الطاولة، وبما أنّها رأت أنّ الزهور قد لا تكفي، هتفت بصوتٍ عالي: “إذن، سأذهب أنا وبوني لإحضار المزيد من الزهور!”
“اسألوا البستانيّ عن الزهور التي يُسمح بقطفها.”
“حاضر!”
بالطبع، حتى دون سؤاله، لكان من الممكن إحضار أيّ شيء تريده آستيل، لكنّ محاولة قطف الورود لمجرّد أنّها جميلة قد تؤدّي إلى موقفٍ محرج بسبب الأشواك.
ابتسمت رينا وهي تشاهد الصغيرتين تبتعدان ممسكتين بأيدي بعضهما البعض.
لقد كان يومًا هادئًا لدرجة تجعل حادثة اختطاف بونيتا والتهديدات تبدو وكأنّها محض أكاذيب.
‘إذن، هل نبدأ بصنع ما تبقّى؟’
الزهور التي لم تلمسها أيدي الأطفال ظلّت كما هي، دون أن تسقط منها بتلة واحدة.
بدأت رينا في نسج الأكاليل بما تبقّى من الزهور، إذ لم تكن ترغب في الاكتفاء بالانتظار.
وبينما كانت تنسج بعضها، شعرت بشخصٍ يقترب بخطواتٍ حذرة.
ظنّت رينا أنّ الطفلتان تحاولان مفاجأتها، فابتسمت ورفعت رأسها.
“لقد عدتما باكرًا……”
“……”
“لـ….لقد…… لقد أتيت؟”
ولكن خلافًا لتخيّلات رينا، لم يكن القادم هم الطفلتان، بل كان الدوق.
كان ينظر من الأعلى إلى رينا الجالسة وظهره لأشعة الشمس.
حينها فقط نهضت رينا من مكانها وحيّت الدوق.
“اجلسي.”
“…… نـ- نعم.”
لم يقل شيئًا آخر، وحاولت رينا جاهدةً تجنّب نظراته وهي تبدأ في نسج الإكليل مجدّدًا.
“ماذا تصنعين؟”
“أصـ.. أصنع إ- إكليلًا.”
نظر الدوق إلى الإكليلين الصغيرين والمجعّدين اللذين وُضعا بجانب الإكليل الرقيق الذي كانت رينا قد أكملته بالفعل.
“هذين الإكليلان البائسان هناك……”
“إنّهما إكليلانِ تمّ صُنعمها من قِبل الآنسة وبونيتا……”
“بعد التدقيق، يبدو أنّهما جميلان للغاية.”
“……”
“……”
كان موقفًا محرجًا.
ابتلع الدوق ريقه بصعوبة.
لم يكن قادرًا على تقدير ما يفعله الثلاثة بدقّة لأنّ سقف المظلّة كان يحجب الرؤية.
ظلّ الدوق يراقب الزهور لفترة طويلة، وعندما رأى الطفلتين تخرجان من تحت المظلّة ممسكتين بأيدي بعضهما وتركضان إلى مكانٍ ما، تملّكه الفضول بشأن ما كان يحدث هناك.
بالطبع، هو لم يقضِ اليوم بطوله في المكتب يراقبهنّ، بل صادف أنّه شهد كلّ شيء بالصدفة.
نعم، بالصدفة فقط.
لِمَ توجد أسقفٌ للمظلّات الخشبيّة؟
هل كانت لمنع معرفة ما إذا كان الثلاثة يصنعون الأكاليل، أم يلعبون ببتلات الزهور، أم كانوا يتحدثون فقط؟
ساد الصمت بين الدوق و رينا بعد ذلك الحوار.
كان ذلك لأنّ الدوق شعر بالإحراج من تغيّر موقفه قبل قليل، ولأنّ رينا لم تستطع البدء بالكلام أوّلًا كون الدوق هو سيّدها.
في النهاية، كان الدوق هو من بدأ الحديث.
“…… هذا الإكليل، لِمَ تصنعينه مجدّدًا؟”
“آه، لأنّ الطفلتان ترغبان فيه على ما يبدو. و لا يمكنني إعطاؤه لطفلة واحدة فقط.”
“…… همم.”
بدا أنّ الدوق لم يفهم هذا الكلام.
ففي الواقع، بدت مفاهيم مثل مشاركة شيءٍ ما مع شخصٍ آخر بعيدةً كلّ البعد عنه.
سألته رينا بنبرةٍ هادئة وهي تراه غارقًا في تفكيره مجدّدًا:
“…… هل، هل تودّ تجربة صنعه؟ ستفرح الآنسة آستيل كثيرًا إذا قدّمته لها كهدية.”
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"