نهضتُ من مكاني. لم يعد يمثّل لي أي خجل ذلك الوجه الذي أفسده المرض، أو الملابس المبتلة بالعرق التي كشفت عن أجزاء من جسدي بشكل صريح.
إلا أن خطواتي كانت تتسارع بدافع اندفاع مفاجئ. ونفسي التي لا أفهمها كانت تهمس لي بصوت مبتهج.
‘قابلي أي شخص. أيًا كان. قابلي شخصًا يواسيكِ.’
في السابق، قابلتُ شخصين في الحديقة، وكلاهما جعلاني أذرف الدموع. ومع أن دلالات تلك الدموع كانت متناقضة، إلا أنني لم أكن من الغباء بحيث لا أدرك أنها كانت البداية، وأنها قد تكون شرارة التغيير. لذا تملكني الفضول.
من هو الشخص الذي أهيم هكذا بحثًا عنه؟
ومن هو الشخص الذي كنتُ أتمناه بصدق؟
“أختي؟ أنتِ أختي، صحيح؟”
صوت حيوي ومرح غمر أذني. كانت ضحكة ناعمة كضوء الشمس تداعب قلبي. وقفتُ بذهول أنظر إلى الطفلة التي تقف وسط الزهور، آرينا. وعند رؤية ابتسامتها المشرقة وكأنها كانت تنتظرني، شعرتُ لسبب غريب بضعف في ساقي.
“اوه، أختي، ما الذي أصاب وجهكِ؟ يبدو عليكِ التعب، هل أنتِ مريضة
كان اقترابها بخطوات خفيفة أشبه بظهور طيف. ورغم أنني كنتُ واقفة بصلابة، إلا أن فجوة غريبة نشأت داخلي وكأنني أحلم.
أغمضتُ عينيّ ببطء ثم فتحتهما. كانت لمسة يد الطفلة باردة، لكنها كانت واضحة لدرجة منحتني طمأنينة غريبة. أمسكتُ بيديها برقة وهمستُ بصوت خافت؛ كنتُ أود أن أبتسم في وجهها لكنني لم أستطع.
“أهلاً. كيف حالكِ؟”
الحرارة التي كانت تسكن قلبي اندفعت نحو يدي الممسكة بها. وانهار جسدي فوق كتف الطفلة لأن توازن وزني قد اختل نتيجة لذلك.
حاولتُ جاهدة أن أعدل جسدي المترنح. كانت آرينا تصرخ،
‘أختي، جسدكِ يشتعل من الحمى!’،
لكنني لم أستطع فعل شيء.
جسدي الذي انهار بشكل مخزٍ على الأرض الترابية كان متصلبًا كعصا خشبية. فقط يدي المشتبكة بقوة كانت تنبض بعنف، مبرزة عروقًا زرقاء.
“أختي، أنتِ مريضة جدًا. لماذا خرجتِ إلى هنا؟ هل يعقل أنكِ تعملين؟”
“لستُ مريضة. لذا…”
“كاذبة. تعابير وجهكِ تقول عكس ذلك! يجب أن ترتاحي في السرير أكثر. حتى أبي لا يجعلني أعمل إذا كنتُ مريضة. الجميع قساة. إنهم سيئون.”
وضعت آرينا يدها الأخرى على جبهتي وهي توشك على البكاء. رغم أننا لم نلتقِ إلا مرة واحدة، إلا أن قلقها الصادق عليّ جعل قلبي يغص. النقاء الحقيقي كان هنا.
ربما لهذا السبب، كل ما كان حادًا كالأشواك أصبح مرنًا كاللبلاب الأخضر. بدأتُ أتنفس بانتظام.
“في الحقيقة، أردتُ رؤيتكِ يا أختي. حتى أنني دعوتُ القمر لذلك. لكنني لم أكن أعرف أنكِ مريضة هكذا. لو عرفتُ، لما دعوتُ بلقائكِ.”
“هل ظللتِ تنتظرين؟”
ترددت آرينا قليلاً، ثم أومأت برأسها بصعوبة. عند رؤية ذلك، فاضت مشاعري مرة أخرى بشكل لا يوصف.
كم مرة ترددت في هذا المكان الذي قد تتعرض فيه للتوبيخ لو كُشفت، بانتظاري أنا التي لم آتِ؟ حزنتُ بشدة عندما فكرتُ في الفرح والألم الذي منحه خاطر ‘ربما تأتي’ لهذه الطفلة.
“في الواقع، أنا أيضًا انتظرتكِ.”
“أعرف.”
“تعرفين؟”
“لقد أعطاني الفارس الوسيم سلة الخبز الأبيض، وقال إنكِ أنتِ من جهزتها. كنتُ سعيدة جدًا لأنها كانت مليئة بالخبز الأبيض الكبير واللذيذ. كانت المرة الأولى التي آكل فيها خبزًا أبيض مدهونًا بالزبدة. شعرتُ وكأنه يوم ميلادي. شكرًا جزيلاً لكِ.”
لامست شفتا الطفلة وجنتي برقة. وبما أنه لم يعبر أحد عن عاطفته لي بهذا الشكل سوى والدتي، كان شعورًا غريبًا.
نظرتُ إلى آرينا بعينين متسعتين. كانت الطفلة تبتسم وكأنها أسعد شخص في العالم؛ لدرجة أنني أردتُ سؤالها كيف يمكنها الابتسام هكذا.
أخذت الطفلة نفسًا عميقًا وهمست وكأنها تبوح بسر كبير.
“أختي، أتعلمين؟ أبي يقول إنكِ لستِ خادمة. يقول إن الخادمة لا يمكنها تجهيز كل ذلك الخبز الأبيض. أليس كذلك؟ أختي، أنا محقة، صحيح؟ أبي يخاف كثيرًا. يوبخني كل يوم؛ يقول يجب ألا أظهر أمام الفرسان، ويجب أن أنتبه لكلامي أمام الخادمات… أذناي تؤلمانني من كثرة كلامه. أبي يقول إن النبلاء هم أكثر ما يخيف في العالم. أما أنا، فأخاف من الأشباح.”
“أنا أيضًا مثله. أنا أيضًا أكثر ما يخيفني هم النبلاء.”
فتحت آرينا عينيها باتساع عند سماع كلامي.
كان فمها مفتوحًا بذهول لدرجة أنني استطعت رؤية حنجرتها.
“نعم. أنتِ جبانة أكثر مني. لكن لا تقلقي كثيرًا، سيظهر فارس يحميكِ في المستقبل.”
“فارس؟”
“أجل، الفارس الوسيم هو من يحمي الجنية الجميلة. أليس كذلك؟”
انطلقت ضحكة خافتة مني بسبب رد فعلها البريء. آه، حقًا، كل كلمة تنطق بها تتسم بالجمال. ومن المحزن أن قسوة الواقع ومعاناة العيش ستبدو لآرينا متلألئة كأمل في حكاية خرافية.
لكن لم يكن هناك شيء غريب في ذلك. أنا فقط شعرتُ بأسى شديد تجاه هذا النقاء السحري الذي لم أمتلكه، والذي يصعب عليّ امتلاكه في المستقبل.
لأن آرينا هي التجسيد المثالي للرقة بالنسبة لي. أليس هذا هو السبب في أنني أردتُ رؤيتها مرة أخرى؟
“أتمنى لو كانت لي أخت جميلة مثلكِ كالجنية. لكن لو كان الأمر كذلك، فستضطرين لحمل جرار الماء الثقيلة، لذا ربما من الأفضل ألا يحدث ذلك. وأيضًا…”
صمتت آرينا وترددت في إكمال جملتها. انتظرتُ كلماتها التالية بهدوء.
“ربما لن أتمكن من المجيء بعد الآن. في الحقيقة، اليوم هو اليوم الأخير.”
“لماذا؟”
“لأن أبي يقلق عليّ. والدي ينظر إليّ بعينين مليئتين بالحزن في كل مرة أعود فيها من هذه الحديقة. ثم يتفقد ظهري ووجهي. لا أريد أن يرتسم ذلك التعبير على وجه أبي. رغم أنني سأحزن لأنني لن أراكِ مجددًا، إلا أنني أحب والدي.”
“فهمتُ.”
قلتُ ذلك بنبرة هادئة قدر الإمكان. ثم مددتُ يدي وداعبتُ وجنة الطفلة.
لو كنتُ مكان والدها، لفعلتُ الشيء نفسه. الخادمات اللواتي يعملن في بيوت النبلاء متقلبات المزاج وحادات الطباع، ويحتقرن من هم أدنى منهن.
والأرجح أن يكنّ أكثر لؤمًا مع طفلة تقوم بالأعمال الشاقة مثل آرينا. من يمكنه أن يبدي لطفًا وهو مضطر للعمل منذ الفجر الباكر؟
وفوق كل شيء، كانت كلمات الأب عن خوفه من النبلاء تختصر الكثير.
“لكننا سنلتقي مرة أخرى يومًا ما.”
“هل تعدينني؟”
“أجل.”
انفلتت يد الطفلة من يدي. وشعرتُ ببرودة تسري في جسدي بسبب ذلك الموقف الجاف الذي يوحي بأن الوقت قد حان. ما تخلل أصابعي المنحنية كان هواء الفجر.
استنشقتُ الهواء وأنا أرتجف قليلاً من القشعريرة التي مست جلدي. كان التمسك بما لا يمكن القبض عليه يدفعني باستمرار للإمساك بكتف الطفلة.
بدأ الجشع يرفع رأسه كالمستنقع، مرتسمًا بابتسامة غريبة. لكنني لم أُفتن به. فمن الصواب أن تبقى آرينا ذكرى لسعادة نقية لا يمكن استعادتها. هذا هو ما ينبغي أن يكون.
بدلاً من ذلك، سألتُ بعينيّ الطفلة التي كانت تلتفت مرارًا لتوديعي:
‘هل كنتِ أنتِ من أمسك بيدي؟’
يكفي ما فعلته في الماضي من عناد غير مجدٍ للتمسك بسعادة لا تدوم. الفرق بيني الآن وبيني في الماضي هو أنني عرفتُ معنى ‘التسليم’. رفعتُ يدي وودعتُ الطفلة.
هكذا تمضي الطفولة الحقيقية التي لم أتمكن من إنهائها إلا بعد عودتي. مخلفة وراءها فراغًا لا يمكن امتلاكه. لقد تركت أثرًا عميقًا بقدر تلك الحمى القصيرة التي عانيتُ منها.
لذا، أدركتُ بالفطرة أنني لن أصاب بالحمى مرة أخرى.
—-
«الفصل 5: مفتاح، مقتنيات، روح خالدة»
عندما استعدتُ وعيي، كانت ماري هي الأكثر فرحًا بشكل مضحك، وليس والدتي. بدت شاحبة الوجه وكأنها عانت الكثير خلال تلك الأيام القليلة، ونظرت إليّ بعينين مغرورقتين بالدموع.
ثم ركضت للخارج وهي تنادي الطبيب بصوت عالٍ، ولم أملك إلا أن أبتسم لللهفة التي حملها صوتها.
وصل الطبيب سريعًا وكأنه كان ينتظر. قام بفحص جسدي وسألني عن أشياء شتى. كان من الواضح أنه متعجب من انخفاض الحمى التي لم تكن تستجيب للعلاج، فجأة في ليلة واحدة.
“على أية حال، هذا أمر يدعو للاطمئنان. لو استمرت الحمى لكان الأمر خطيرًا. تناولي فقط الأطعمة اللينة كالحساء لمدة أسبوع.”
ثم ضحك بصوت عالٍ قائلاً إنه ظن أنني سأفارق الحياة. كان هذا الطبيب البارع عجوزًا طاعنًا في السن، لكنه كان يملك حماس الشباب وبراءة الأطفال.
وفوق كل شيء، كان هو الشخص الوحيد في هذا القصر الذي لا يحمل أي حكم مسبق تجاهي. أحيانًا يتصرف بلا كلفة لدرجة قد تُعتبر وقاحة، لكنه في المقابل لم يظهر أي مشاعر ازدراء أو غيرة أو حسد كالآخرين.
يبدو أن السنين التي مرت علمته كيف يتسع صدره لكل شيء. وظهر ذلك بوضوح في عينيه اللتين كانتا تلمعان بمكر تحت حاجبيه الرماديين.
“لا تمرضي. الصحة هي الأهم.”
كان غمزه بإحدى عينيه وهو يتحدث مثيرًا للسخرية، لكنه حمل صدقًا بطريقته الخاصة.
أومأتُ برأسي وقلتُ إنني سأفعل. كان ردًا ممكنًا لأنني كنتُ على يقين بأنني لن أرقد مريضة بهذا الشكل مرة أخرى.
بمجرد خروج الطبيب، أحضرت ماري حساءً دافئًا وكأنها كانت تنتظر. ثم وقفت بجانبي تراقبني بحذر، بينما كانت عيناها المليئتان بالظلم والحزن تدفعانني لسؤالها عن السبب.
“هل حدث شيء ما؟”
وكأنها كانت تنتظر السؤال، بدأت تروي لي الإهانات التي تعرضت لها. يبدو أنها قطعت صلتها بمارغو تمامًا بعد هذه الواقعة، فلم تظهر أي علامات تردد أو قلق كما في السابق.
كان وجهها المنقبض مليئًا بالشعور بالظلم.
“لقد عاملتني بقسوة وهددتني بطردي من القصر لو تصرفتُ بوقاحة، لقد كنتُ حزينة حقًا. يا آنسة، ماذا عليّ أن أفعل؟”
كان هناك الكثير من الكلام، لكن الجوهر كان بسيطًا؛ استغلت مارغو فترة غيابي عن الوعي لتستدعيها وتوبخها أمام الجميع.
بل إن ماري بدأت تتماهى معي، فاعتبرت أن الجرح الذي أصابها قد وُجه إليّ، وأخذت تتحدث بحماس عن أنها لا يمكن أن تصمت على ما حدث. كانت تشبه مارغو في تعاملها مع روينا.
“أوه، حقًا؟ لا بد أنكِ كنتِ حزينة جدًا. ألم تشعري بالخوف؟”
“كلا. لقد صمدتُ وأنا أفكر فيكِ يا آنسة. لأنني كنتُ واثقة بأنها ستفعل بكِ شيئًا سيئًا لو انهرتُ أنا.”
لا أعرف منذ متى أصبحت تظهر كل هذا الولاء، لكن وجه ماري كان يفيض بالفخر وهي تتحدث. كافأتُ جهدها بلمسة رقيقة على ظهر يدها.
“ليت مارغو كانت بحكمتكِ ورزانتكِ، لكانت على الأقل عادلة مع الجميع. أوه، أجل. رئيسة الخادمات طاعنة في السن، وقد أصبحت هزيلة لدرجة أنها قد تموت في أي لحظة. يبدو أن الوقت قد حان للتفكير في بديل لها.”
“بديل؟”
تحركت حنجرة ماري بوضوح. تظاهرتُ بعدم ملاحظة الرغبة المشتعلة في عينيها وتابعتُ حديثي بشكل عادي.
التعليقات لهذا الفصل " 44"