انظري إلى هذه الحالة المثيرة للضحك؛ لا شيء مؤكد بعد، ومع ذلك تضطربين وحدكِ.
ألا تدركين بعد؟ السير هالبيرد لن يكون لكِ أبدًا ولو لَقِيتِ حتفكِ. تذكري الكلمات القاسية والأفعال المريرة التي فعلها بكِ.
الغبية الحقيقية ليست روينا، بل أنتِ.
أنا أعلم؛ أعلم أن نهاية هذه القصة لن تكون سعيدة أبدًا، وأن كل ما سأجنيه هو إنجاز ممزوج بالخيبة. ففي الحقيقة، لا يمكن للسقوط الذي يُصنع بتمزيق المرء لجسده أن يكون ممتعًا.
ومع ذلك، أنا من قررتُ المضي قدمًا بابتسامة. ألم أعقد العزم على العيش كخنزير يتدحرج في الوحل إن كان ذلك هو الثمن؟
لذا، لذا أنا…!!
“لا تفعل ذلك.”
همستُ بصوت خافت. كان صوتي واهنًا، لكنه حمل أقصى ما يمكنني تقديمه من مقاومة. أشعر الآن وكأنني أقف على حافة هاوية، في حالة من الإلحاح الشديد. أتجرع مرارة اليأس والإحباط بعمق لا يدانيه أحد.
ولم يكن ذلك الإحباط إلا من نفسي؛ كنتُ أشعر بخيبة أمل شديدة تجاه نفسي التي تنهار بسهولة أمام السير هالبيرد. لهذا تكلمتُ بيأس. صرختُ بكل ذرة في كياني أتوسل إليه.
“لا تفعل ذلك، يا سير هالبيرد.”
أرجوك لا تهز ثباتي. أنقذني. أرجوك.
اتركني وشأني لأكون سيسي الشريرة التي تضطهد روينا.
لذا، لا أفهم لماذا تبدو مضطربًا وأنت تنظر إلى وجهي. لا أفهم بحثك في جيب بنطالك لتخرج منديلاً مطويًا بعناية، ولا لمسك لوجنتي برفق بأطراف أصابعك لتمسح دموعي. هل أنت حقًا السير هالبيرد الذي أعرفه، وأنت تمسك بي وتجبرني على أخذ المنديل رغم أنني أهز رأسي رفضًا وأتراجع للخلف!
“لا، لستُ بحاجة إلى مثل هذا اللطف.”
“ليس الأمر كذلك.”
“سير هالبيرد، أعلم أنك فارس مفرط في المراعاة واللطف، لكن لا داعي لأن تكون كذلك معي.”
“كلا، يا آنسة.”
“الأمر ليس كذلك.”
منذ عودتي، لم تتقاطع طرقي معه إلا في مرات قليلة. وكم كانت اللحظات التي تبادلنا فيها الحديث قصيرة! لذا لا يوجد سبب يدفعك للتصرف بهذا الشكل المفرط معي.
وإن وجد سبب، فلن يكون سوى “شفقة” نابعة من نميمة الخدم أو من واجبك كفارس.
أجل، كنتُ خائفة؛ خائفة من اقتراب السير هالبيرد مني بدافع الشفقة. فقد عانيتُ في الماضي وعرفتُ تمامًا كيف يمكن لمشاعر الحب أن تتحول إلى سكين حادة. لذا، إن لم يكن الأمر أكثر من ذلك، فلا أجرؤ حتى على تذوقه.
منذ البداية، لم يكن هناك ما يسمى “البداية” بيني وبينه. لذا فإن مناقشة ما إذا كنتُ سأطوي مشاعري أم لا هو أمر مضحك. وفوق كل شيء، كنتُ غارقة في عدم ثقة عميق؛ بدءًا من الفرضية الأساسية حول ما إذا كان السير هالبيرد قادرًا على معاملتي باحترام.
كانت هذه مسألة لا أجرؤ فيها على ذكر “الحب”. فكل ما أظهره لي في الماضي لم يكن سوى “الازدراء”. لذا لا يسعني إلا الهروب جاهدة، فماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟
كانت قوة قبضة الرجل المتدرب هائلة، وكأنها أثقال حديدية ثقيلة. لم أستطع الحراك بين يديه. تجاهل السير هالبيرد كلماتي بوقاحة وتصرف كما يحلو له. بدا وكأنه ليس الفارس الرزين الذي أعرفه.
كان فمه مطبقًا بشدة كشخص غاضب، وجبينه مقطبًا بعمق. ومع ذلك، كانت لمسته وهو يمسح وجنتي رقيقة للغاية، بل وحنونة حقًا.
ثم بدأ يتحدث وكأنه تذكر شيئًا فجأة، وبشكل غريب، كان صوته أكثر بحة من صوتي الذي صرختُ به.
“لماذا؟ لماذا تبدين هكذا، وكأنكِ على وشك الانهيار؟”
سألتني عيناه وهي تحدق بي مباشرة. تلك النظرة الصافية التي تذكر بالسماء الصافية لم تكن تحتوي إلا عليّ وحدي.
“لذا لا يتبقى لي خيار سوى ارتكاب هذه الوقاحة.”
إذا كان هذا هو صدق مشاعره الحقيقي، فهل فقدتُ عقلي؟
“لماذا تستمرين في جعلي ‘استثناءً’ لكِ يا آنسة؟ هذا ما يثير فضولي.”
“بشدة.” أضاف هامسًا، فانسابت الدموع من عينيّ مجددًا لصوته.
أنا أيضًا يتملّكني الفضول؛ لماذا تستمر في الإمساك بي بعد عودتي؟ لماذا تواصل إظهار جوانب لم تظهرها لي أبدًا في ذلك الوقت؟
لماذا أنت…
دفعتُ جسده بكل ما أوتيتُ من قوة.
وبسبب رد الفعل العنيف، تمايل جسدي بشدة، لكنني لم أهتم. بدلاً من ذلك، ركضتُ فورًا نحو غرفتي وأنا أعض على شفتي.
لا تلتفتي. لا تلتفتي. إياكِ أن تلتفتي.
انقطع نفسي، لكن الأولوية كانت للابتعاد عن ذلك المكان. كانت نظراته تلاحقني كالظل وتؤلمني، لكنني صمدتُ بيأس. وعندما وصلتُ أخيرًا إلى غرفتي، انهرتُ جالسة وبكيتُ بحرقة كالأطفال.
أنا خائفة منك جدًا، ريوستوين هالبيرد. أخافك لدرجة الرغبة في الهروب، لكنني في الوقت نفسه أحبك وأشتاق إليك لدرجة لا تُحتمل. أمسكتُ بقلبي الذي يخفق بعنف وانطرحتُ على الأرض.
‘شهيق’.
خرجت أصوات بكاء غريبة، ودارت في فمي كلمات لم أجرؤ على نطقها.
لينقذني. أرجوك اي احد ينقذني.
تمنيتُ لو أن أحداً ينتزع قلبي من مكانه، حينها سأصبح أكثر كمالاً. حينها، حتى لو كان الطرف الآخر شيطاناً، كنتُ سأبتسم بفرح وأقدم له صدري. بصدق تماماً.
منذ ذلك اليوم، رقدتُ مريضة لعدة أيام. لم أكن أعاني من سعال أو زكام، بل كانت الحمى هي التي تشتعل فيّ. جسدي المتوهج كان أشبه بكتلة من نار.
خاصة قلبي، الذي كان يغلي كأنه ابتلع الشمس، كان مجرد خفقانه يسبب لي العذاب. تمنيتُ لو أستطيع انتزاعه بيدي، لكنني لم أستطع، فكنتُ فقط ألهث بصعوبة.
كانت عيناي الغائمتان كأني في غيبوبة تذرفان الدموع بلا توقف. كان فمي جافًا ومرًا، وظهري المبلل بالعرق يثير ضيقي بسبب التصاق الثياب به.
كان هناك من يمسح جسدي باستمرار بقطع قماش مبللة، لكن ذلك لم يساعد كثيرًا. كل ما استطعتُ فعله هو الإمساك بالشرشف والتقلب يمينًا وشمالاً.
خلال ذلك، حلمتُ. أو بالأحرى، كان استحضارًا للماضي أكثر من كونه حلمًا. كانت ذكريات السنين الطويلة والمرة تمر أمام عينيّ كشريط سينمائي.
كلما ظهر مشهد واختفى، كانت تُرسم على الأرض آثار أقدام. في البداية كانت صغيرة جدًا، ثم كبرت تدريجيًا، وكأنها تنمو.
أدركتُ بالفطرة أن آثار الأقدام هذه تخصني. بعضها كان واضحًا، وبعضها كان مشتتًا كأثر شخص مخمور.
بدأت حافية القدمين، لكنها اتخذت تدريجيًا شكل حذاء مدبب. أظهرت لي تلك المشاهد صورتي عندما وطئت قدماي عائلة فيشفالتس لأول مرة.
وقفتُ أمام آثار الأقدام كالمسحورة. وحين وقفتُ فوقها، بدأت الأشياء التي لم تكن مرئية تتجلى أخيرًا. كانت الآثار موجودة بالفعل؛ أسرع وأكثر من المشاهد التي فوق رأسي.
تبعتها؛ كانت بعض آثار الأقدام ملطخة بقطرات من الدم. تلك الآثار التي غاصت بعمق أكبر من غيرها كانت متشابكة بشكل معقد يذكر بخطوات الرقص.
آه، أجل؛ في ذلك الوقت، كنتُ أرقص.
وآثار أخرى كانت ملطخة بالوحل وتفوح منها رائحة كريهة. كانت هناك آثار غير متساوية وكأن صاحبها يعرج. لم تكن الآثار المكتملة إلا قليلة، تمامًا كحالي حينها عندما كنتُ مجرد أنصاف.
مع كل خطوة أطأ فيها أثرًا، كانت أحداث الماضي تتضح في ذهني. كنتُ أغرق في الذكرى، أتأرجح بين الضحك بلا سبب والبكاء. شعرتُ وكأن أحدهم يهمس لي.
“أعيدي النظر في حياتك.”
لأن نهاية آثار الأقدام كانت تؤدي إلى شرفة بستائر بيضاء ترفرف. كان آخر أثر قدم مرسومًا على سياج الشرفة.
وقفتُ فوق سياج الشرفة، واستدرتُ ببطء كما فعلتُ حينذاك. لم تكن روينا موجودة، لكن كل شيء آخر كان يشبه لحظة موتي تمامًا.
جسدي الذي يتمايل قليلاً للأمام والخلف، وحاشية فستاني التي ترفرف كأنها ترقص، ونفسي المرتجف من التوتر.
تلاشى المشاهد فوق رأسي، ولم يبقَ أثر للأقدام التي ابتلعها الظلام. بدأ المكان أمامي يصبغ بالظلمة بالتتابع كإطفاء الشموع، مما أثار توترًا غريبًا.
ماذا سيحدث لو طرتُ هكذا في الهواء وسقطت؟ تملكني الفضول؛ هل سأموت حتى وأنا في حلم؟ أم سأعود كما أنا الآن؟ شعرتُ بجسدي يميل بشكل خطير. كانت الرياح تهب من مكان ما وتهمس لي.
“اسقطي، وسوف تعرفين.”
جمعتُ يديّ فوق صدري، وأغمضتُ عينيّ. بدأت الرياح تشتد قليلاً. تركتُ جسدي لتيارها. شعرتُ بجسدي وهو يهوي في الفراغ كأنه يبتعد. وبسطتُ ذراعيّ نحو الأعلى.
حينها، أمسك أحدهم بيدي. كانت يده تشع بالدفء، تحاول الإمساك بي ورفعي.
“لا تفعلي.”
همس صوت لا يمكن تمييز جنسه بنبرة منخفضة. من أنت يا من تمسك بي؟
عضضتُ شفتي بقلق مجهول وفتحتُ عينيّ.
أردتُ التأكد من الوجه، لكن لم أرَ سوى الظلام.
“هع!!”
انتفضتُ واقفة بصرخة قصيرة. كان هناك قطعة قماش على جبهتي، سقطت مبللة وثقيلة فوق فخذي.
أمسكتُ بصدري وأنا ألهث. ارتجف جسدي من خوف لا أعرف سببه. شعرتُ بطنين في رأسي ودوار في عينيّ، لكنه كان أهون من شعور قلبي المكتوم والمختنق.
ظللتُ ألهث لفترة، ثم التفتُّ نحو النافذة فرأيتُ ضوء الفجر الباهت يتسلل من بين شقوق الباب. على الطاولة الجانبية بجوار السرير، رأيتُ إبريق ماء وحوضًا نحاسيًا. بللتُ حلقي بالماء الفاتر ثم نهضتُ من السرير.
مع كل خطوة، كان الغثيان والصداع يهاجمانني. كانت ساقاي المترنحتان كطفل يتعلم المشي للتو. شعرتُ في بطني الخاوية بغثيان وجوع في آن واحد.
“كم لبثتُ مستلقية؟”
كان الصوت الخارج من شفتي المبيضّتين خشنًا كلحاء الشجر، وجافًا كالتراب اليابس.
أمسكتُ بجسدي المترنح وخرجتُ من الغرفة. مشيتُ في الرواق كالممسوسة، وأنا أضم كتفيّ بيديّ.
كان العالم يتشوه بسبب بقايا الحمى في جسدي. ارتجفت ركبتاي اللتان تنحنيان تدريجيًا، وشعرتُ وكأنه ليس من الغريب أن أسقط للأمام في أي لحظة.
“أمي، ماما… أنا متألمة، أرجوكِ ساعديني!”
ناديتُ والدتي بتذمر في الرواق الخالي، لكن لم يعد إليّ سوى هواء الفجر البارد. انكمشتُ على نفسي وقد تملكني فراغ يشبه الفقدان.
تسرب حزن لا أعرف سببه إلى رأسي الذي كان يطن كأنه ضُرب بمطرقة. كانت مشاعر لا يمكن استردادها تسيل بنعومة على حاشية فستاني الواسعة.
لم يزدني الإمساك بالثوب بأطراف أصابعي إلا حزناً؛ امتلأت عيناي بالدموع لقلبي الذي كان خاوياً كأن به ثقباً. بدأت بقايا الحمى تثير حرارة متوهجة مرة أخرى.
في وقت لا يمكن أن يكون لي، تفتحت أشياء كثيرة ثم ذبلت. وكان هذا الحزن واحداً منها.
بشكل غريب، بعد أن أفرغتُ كل شيء، ملأني السلام. ورغم أن جسدي المنهك من المرض كان لا يزال يئن من الألم، إلا أنه لم يكن يعاني كما في السابق.
التعليقات لهذا الفصل " 43"