“هاه… هاه……………”
ارتفع نفسي المضطرب حتى وصل إلى ذقني، ولم أسمع سوى وقع خطواتي المتسارعة وتنفسّي المتقطع في الممر الهادئ.
الممر الطويل المظلم بدا كأنه لا ينتهي، مهما ركضت، وكان ظلّ “ذلك الشيء” يلاحقني من خلفي كظلٍّ ممتدّ بلا نهاية.
دوّختني السرعة التي ركضت بها بلا توقف، وظننت أنني ربما أفقد وعيي في أي لحظة.
فجأة… رفرفة.
هبّ دفء على كتفيّ.
“لا بأس.”
وصوت عميق يرنّ في أذني.
إنه دوق إبليس.
ذراعه القوية التفّت حول خصري بثباتٍ حامٍ.
“يجب أن تهرب، سيدي الدوق! لقد، لقد كان ‘ذلك الشيء’…!”
حتى في تلك اللحظة التي لم أعد فيها أعي ما حولي، حاولت أن أدفعه وأهرب، لكنه قال:
“لا تقلقي بعد الآن، يا ليليت تيسيه.”
كان صوته حازمًا بطريقة غريبة، كأن الكلمات تحمل حماية لا تُخترق.
أفاقت روحي فجأة، فتوقفت عن الركض ونظرت حولي.
هناك، على النافذة الزجاجية بجانب الممر، رأيت “ذلك الشيء” ملتصقًا بالزجاج، يحدق بي بدقة.
ابتلعت ريقي ببطء.
وفجأة… تفجّر ضوء.
أضاء الممر للحظة، واختفى “ذلك الشيء” الذي كان ملتصقًا بالزجاج.
كل ما كان خارج النافذة لم يكن سوى المطر المتساقط بغزارة.
كان كما لو أن كل ما رأيته قبل لحظات لم يكن سوى حلمٍ عابر.
“‘ذلك الشيء’… كان موجودًا.”
تمتمت بصوت منهك، فأمسك دوق إبليس بجسدي بليونة ودار بي لأواجهه.
نظر إليّ بجدية، وأخرج من جيبه منديلًا، ومسح العرق البارد عن جبيني.
“لون وجهك ليس جيدًا.”
أعاد طيّ المنديل الملطخ وأدخله في جيبه، وقال:
“من الأفضل أن نعود الآن.”
نظرت إلى المطر المتساقط عبر الزجاج، وشعرت أن العودة في هذا الطقس ستكون صعبة.
“سأرافقك.”
قال دوق إبليس، وأمسك كتفيّ وذراعيّ بثبات.
لاحقًا، أدركت أن ما كان يرفرف فوق كتفيّ هو معطفه.
كم كنت أعرف أنه من اللباقة الردّ على لطف رجلٍ غريب، لكن دهشتي وارتباكي لم يسمحا لي بذلك.
عندما عدنا إلى قاعة الاحتفال، كانت الفوضى قد عمّت المكان.
النجفة الفخمة التي زيّنت القاعة كانت قد سقطت على الأرض.
لحسن الحظ، لم يكن الصراخ السابق بسبب وحوش.
كانت الأميرة روزيه تبكي، واضعةً وجهها بين كفيها، وكان حزنها واضحًا على فشل الحفل، بينما كان إيسو بجانبها يواسيها.
الدفء الذي غادرني قبل قليل كان الآن على كتف الأميرة، وكنت أراقب ذلك بقلبي مثقلًا بالهم.
قبل لحظات كنت على وشك مواجهة كارثة، وفي الوقت نفسه كان حبيبي هناك يواسي الأميرة الممزقة.
بكت الأميرة بحرقة، وغمرت وجهها في صدر إيسو، الذي أخذها بين ذراعيه وخرج بها.
راقبت ظهورهما المبتعد، وأمسكت معطفي الكبير حول كتفي بإحكام.
لم يعد بجانبي. هذا هو واقعنا الآن.
وبسبب الحادث المفاجئ، انتهى الحفل على عجل، وتفرّق الضيوف الذين جاؤوا للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة.
غمرني شعور بالفراغ العميق.
لماذا جئت إلى هنا اليوم؟
الخاتم القديم في إصبعي الأيسر كان يزعجني أكثر من المعتاد.
“كأنني جئت بلا جدوى.”
عضضت على أسناني، وفكرت:
“من الأفضل لو لم آتِ.”
كان خطأ. لم يكن يجب على وريثة بيت تيسيه الصغيرة، غير المرحب بها، أن تخطو هنا من الأساس.
المطر المفاجئ منع الناس من العودة، وخصّص القصر لهم غرفًا للإقامة.
أنا أيضًا، بعد لحظات من الارتباك، قدّمت تحية سريعة لدوق إبليس وتبعت الخدم إلى الغرفة.
كان هناك ماء استحمام دافئ ينتظرني.
غرقت في حوض الاستحمام الخشبي، وزفرت ببطء.
حدث الكثير في وقت قصير جدًا.
وحدي، استمرت صورة “ذلك الشيء” في رؤيتي، بجسده الملتوي ووجهه البشع، وكأنه جثة تتعفّن…
شعرت بالقشعريرة تسري على جلدي، وأغمضت عينيّ بقوة.
“لا بأس.”
سمعت صوته القوي يرنّ في أذني، كأنه همس من بعيد.
“لا شيء يمكن أن يؤذيك.”
مع تلك الكلمات، تلاشى الخوف شيئًا فشيئًا.
نعم، لا حاجة إلى الخوف. لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها “ذلك الشيء”.
“لكن يجب أن أخبر إيسو… أنني رأيت وحشًا في القصر.”
ارتديت رداء النوم الرقيق وخرجت إلى الممر، حيث كانت الشموع الباهتة تومض على الجدار.
للحظة شعرت بالخوف، لكن سرعان ما ضبطت نفسي:
“طالما أنا داخل القصر، فلن أقابل تلك المخلوقات.”
تذكرت غرفته الصغيرة مقابل مكتب إيسو، وقال لي أحدهم إنها غرفته.
عندما وصلت أمام الغرفة، لاحظت الباب مفتوحًا قليلًا وترددت.
من الداخل كان هناك ضوء صغير وهمسات خافتة تتسرب.
“مع من يكون؟”
كان ذلك بعد انتهاء الحفل بوقت طويل.
من المفترض أن الجميع يستعد للنوم في هذا الوقت المتأخر.
اقتربت بحذر، ثم سمعت صوت فتاة:
“حقًا أكرهها.”
تجمدت يدي على مقبض الباب.
“أنتِ تتحدثين عن خطيبتي، ليليت تيسيه؟”
عرفت الصوت فورًا.
روزيه آريتا. الأميرة التي ذهب إيسو لحمايتها.
“لماذا يكون إيسو مع الأميرة في هذا الوقت؟”
شعرت بقشعريرة تمر عبر قلبي.
“كان عليكِ تجنّب ذكر اسمها.”
ردّ إيسو بصوت حاد يظهر استياءه.
من خلال الفجوة الصغيرة، رأيتهما.
الأميرة مرتدية قميص نوم رقيقًا، وإيسو مرتديًا ثيابًا مريحة، وكانا واقفين قريبين جدًا من بعضهما.
“ماذا يفعلان؟”
خفق قلبي بسرعة. شعور بالخوف والرهبة اجتاحني.
ضحكت الأميرة، وأمسكت إيسو من رقبته.
خضع هو لتصرفها، وانحنى برأسه.
“إذا استمريتِ في استفزازي، قد أغضب حقًا.”
قال وهو يلفّ رأس الأميرة بيده الكبيرة.
“حقًا؟ أنا أحب وجهك الغاضب.”
همست الأميرة في أذنه، واقفة على أطراف أصابعها.
تلاشى صوت الهمس بعد لحظة، ثم التقت شفاههما في قبلة عميقة وقوية، شعرت معها بالصدمة.
غطّت يداي فمي، وكدت أصرخ لولا هذا التغطية.
رفع إيسو الأميرة وألقاها على السرير، فضحكت من جديد.
اقترب منها بخطوات واسعة، ثم أطبق عليها على السرير.
“لحظة، لحظة، إيسو. أنت متحمس هكذا بسبب ذكر اسم ليليت… انتظر، الآن…!”
“اصمتي، يا أميرة.”
سُمع صوت تمزّق الملابس.
“ماذا تفعل، إيسو…؟”
“ما تريدينه، تقولين إنك تريدين أن أغضب.”
“لحظة، عنيف جدًا…”
“أتعلمين أنك تحبين ذلك؟”
تداخلت الأصوات في رأسي، وشعرت بالدوار.
ما هذا الوضع؟ ماذا يفعلان؟
مع وضوح هذه الصورة العنيفة في رأسي، سقطت ركبتيّ على الأرض.
ثم توقف كل شيء في الداخل.
سمعت خطوات تتجه نحوي، وتوقفت أمامي، وألقت ظلًا طويلًا فوق رأسي.
ارتعشت ورفعت رأسي، فوجدت إيسو أمامي، ينظر إليّ بصمت.
كان وجهه مختلفًا عما عرفته، وكأن شخصًا غريبًا يقف أمامي.
“إي…”
حاولت، من شدة الخوف، مناداته، لكن…
اصطدم الباب خلفه.
من كان؟
صوت الرياح؟
لا يمكن، كل النوافذ مغلقة.
خطوة خاطئة؟ أم أن إيسو عاد؟
لكن لم يجب أحد، ومع آخر لمحة ضوء، فقدت وعيي.
التعليقات لهذا الفصل " 6"