الفصل الثامن عشر
هوى جسد البارون المغمى عليه إلى الأرض وسقط منبطحًا عليها.
«هل أنتِ بخير؟»
«أنتَ، لماذا…….»
رمشتُ بعينيّ مرارًا وأنا أحدّق في بيليال بارتباك.
كان الأمر واضحًا.
كان يساعدني، هذا الرجل.
«هل تراهنينني؟»
من دون أي تفسير لما يحدث، عاد بيليال فجأةً إلى حديث الرهان.
«إن فزتِ، سأساعدكِ على الإفلات من البارون.»
«وأنت تستطيع مساعدتي في ذلك؟»
سألته بشك، فانحنت حدقتاه الحمراوان في ابتسامةٍ ضيقة.
«لكن إن خسرتِ…… فسآخذ منكِ شيئًا عزيزًا عليكِ. ما رأيكِ؟»
شيئًا عزيزًا عليّ…….
كان كلامه غامضًا كمن يمسك بسحابة، ومثيرًا للريبة إلى حدٍّ بعيد…….
‘إن كان حقًا بإمكاني مغادرة هذا القصر المقرف.’
بعد تفكيرٍ قصير، أومأتُ برأسي.
«حسنًا، وما هو الرهان؟»
ابتسم بيليال كما لو كان مسرورًا، وخفَض رأسه نحو أذني.
ثم همس بصوتٍ بالغ السرية:
«هذه الليلة، ستظهر ‘تلك الأشياء’.»
تجمّد جسدي فجأةً.
«لا يجوز لكِ أن تهربي من ‘تلك الأشياء’.»
«ما الذي…….»
كان كلامًا غير معقول.
وبغضّ النظر عن نبوءته المريبة بأن ‘تلك الأشياء’ ستظهر الليلة، فإنني إن لم أهرب فسوف أُلتهم على يدها.
«أتريدني…… أن أموت؟»
«لا. أريدكِ أن تُصغي إلى ما تقوله ‘تلك الأشياء’.»
«……؟»
«إن فعلتِ ذلك، فسأساعدكِ على الإفلات من البارون.»
كنت أحدّق فيه ببلادةٍ لعجزي عن فهم كلامه، حين—
سُررر—
بدأ البارون، الذي كان منبطحًا على الأرض فاقد الوعي، ينهض متثاقلًا.
ابتسم بيليال ابتسامةً رفيعة وهو ينظر إليّ وقد ارتعدتُ فزعًا.
«لا بأس.»
«لكن…….»
«على أي حال، لن يتذكّر البارون شيئًا.»
حبستُ أنفاسي وأنا أحدّق في البارون.
كان ينظر حوله كمن سُحِر بشيء، ثم استعاد وعيه فجأة.
«همم؟ لماذا أنا هنا؟»
«ألم تكن منذ قليل تُطمئن الآنسة المعالجة بأن سوء الفهم سيزول قريبًا فلا تقلق؟»
تدخّل بيليال بسلاسة، مشتتًا انتباهه.
«آه، صحيح، كان الأمر كذلك.»
تنحنح البارون وعدّل ملامحه.
«على أي حال يا ليليت، لا تقلقي كثيرًا.»
كان يبدو وكأنه نسي تمامًا ما حدث قبل قليل، فكان عليّ أن أهدّئ خفقان قلبي المتسارع.
بيليال…….
رجلٌ بدا مريبًا ومثيرًا للشك منذ اللحظة الأولى.
كانت لديه قوةٌ لا يمكنني إدراك ماهيتها.
شعرتُ أنه حقًا قادر على مساعدتي على الإفلات من البارون.
حلّ الليل الذي تحدّث عنه بيليال.
‘هذه الليلة، ستظهر ‘تلك الأشياء’.’
بسبب كلماته تلك، لم أستطع النوم، وظللت أحدّق في الباب المغلق.
تجاوز الوقت منتصف الليل، وقد صارت الساعة الثالثة فجرًا.
دَرَكَ، دَرَكَ—
«……!»
شهقتُ حين سمعتُ مقبض الباب يتحرك.
كان جسدي متصلبًا من التوتر، وابتلعتُ ريقي بصعوبة.
صرير—
ومع صوت انفتاح الباب المغلق……
ظهر……
«أوه، ليليت.»
……البارون آنكِس.
أطلقتُ زفرة ارتياح هادئة.
للحظةٍ ظننته ‘أحدَ تلك الأشياء’.
«لماذا لم تنامي؟ أكنتِ تنتظرينني؟»
سأل البارون حين رآني ما زلت مستيقظة.
مع أنني عرفتُ أنه ليس ‘أحدَ تلك الأشياء’، لم أستطع خفض حذري.
فالرجل الذي دخل غرفتي كان خطِرًا بقدرها، بل أشد خطرًا منها.
«لماذا جئتَ في هذا الوقت؟»
لم يخرج صوتي رقيقًا وأنا أواجهه.
لم يكن وقتًا مناسبًا لرجلٍ متزوّج أن يزور امرأةً غير متزوجة.
«لماذا جئت؟ يا ليليت، كنتِ تخمّنين أيضًا…….»
قال وهو يقترب مني بتلميحٍ خفي:
«جئتُ لأواسيكِ. كم كان الأمر مؤلمًا لكِ؟ أن تُتّهمي ظلمًا وتُحبسي هنا…… إن رؤية حالكِ تمزّق قلبي أنا أيضًا…….»
تجعد جبيني تلقائيًا من مغازلته المقززة وهو رجلٌ متزوّج.
«لماذا يؤلمني قلبي كلما رأيتكِ؟ ظللتُ أفكر في ذلك طوال اليوم. ثم توصلتُ إلى نتيجة. يبدو أنني، يا ليليت……، أنا…….»
«لا رغبة لي إطلاقًا في إقامة علاقة محرّمة معك، يا سيدي البارون.»
«ع، علاقة محرّمة؟!»
قفز البارون فزعًا.
«لا تصفي مشاعري بكلماتٍ قذرة ومنحطّة كهذه! أنا، يا ليليت…… أحبكِ حقًا……!»
أمسك بمعصمي فجأة وراح يسرد تبريراته بلا توقف.
«منذ أن رأيتكِ في تلك القرية، بريين…….»
لكن كلماته، مهما استمعتُ إليها، لم تكن سوى عباراتٍ بغيضة ودنيئة ومقززة.
«لذا أرجوكِ أن تفهمي مشاعري هذه…….»
«آآآه!»
قُطع اعترافه المزعج بصرخة زوجته.
«……م، ما هذا؟»
بينما تجمّد البارون مذهولًا، نزعتُ يدي من قبضته وركضتُ نحو مصدر الصوت.
«ا، انتظري! أظن من الأفضل ألا تتحركي…… اللعنة، ليليت!»
اندفع خلفي وهو يطلق الشتائم.
لم تكن الصرخات التي هزّت القصر صرخة شخصٍ واحد.
«آه!»
«آااه!»
«غاه!»
«اهربوا…… كغخ…….»
ركضتُ نحو الطرف المقابل من الممر حيث السلم، وتمسكتُ بالسور ونظرتُ إلى الأسفل.
شهقتُ لما رأيتُه أمامي.
كانت النافذة الكبيرة في بهو الطابق الأول مفتوحةً على مصراعيها.
كانت الستائر الحمراء ترفرف بعنفٍ في الريح.
و……
كِرِك.
كِرِك.
كِرِرِك.
كِرِرِك.
كِرِرِرِرِرِرِرِرِك.
……كانت ‘تلك الأشياء’ هناك.
كان المشهد جحيمًا حقيقيًا.
حاول الخدم الفرار من ‘تلك الأشياء’، لكن لم يكن هناك مخرج من هذا القصر المغلق سوى نافذة البهو الكبيرة.
انقضّت ‘تلك الأشياء’ على أجساد الخدم الفارين.
قرمش، قرمش—
كان أحد ‘تلك الأشياء’، الذي غرس رأسه في جسد ميت، يرتدي فستان زوجة البارون.
كان شعره البني المتناثر يذكّر بزوجة البارون، لكن ذلك الكائن الذي يسيل لعابه ويُظهر أنيابًا ملوثة بالدم لا يمكن أن يكون هي.
ثم فجأة رفع ‘ذلك الشيء’ رأسه بسرعة—
والتقت أعيننا.
خفق قلبي بعنف.
منذ أن فتحتُ عينيّ، كنت أسمع عن ‘تلك الأشياء’.
لكنها كانت المرة الأولى التي أراها فيها بأمّ عينيّ تؤذي إنسانًا.
أطلق ‘ذلك الشيء’ عواءً غريبًا وهو ينظر إليّ، ثم قفز في الهواء واندفع نحوي.
«آااه!»
صرخ البارون آنكس، الذي لا أعلم متى صار خلفي.
«ما هذا! بيليال! بيليال!»
راح ينادي بيليال في هلع.
في تلك اللحظة مرّ في خاطري رهان بيليال.
‘لا يجوز لكِ أن تهربي من ‘تلك الأشياء’.’
‘أريدكِ أن تُصغي إلى ما تقوله ‘تلك الأشياء’.’
التقت عيناي بعيني ‘ذلك الشيء’ المتوثب أمامي مباشرة.
ارتجفت ساقاي، وشعرتُ أنني على وشك السقوط.
لكنني جمعتُ ما تبقى من قوتي وثبّتُّ قدميّ، وحدّقتُ فيه.
عينان حمراوان قانيتان كالدم…….
كان الأمر غريبًا.
كلما طال التقاء أعيننا…… شعرتُ أن خوفي يتلاشى شيئًا فشيئًا.
‘ما هذا؟ لماذا؟ هذا الإحساس المألوف…….’
كنت قد شعرتُ بهذا الإحساس في غابة تيريل أيضًا.
كِرِك—
كِرِك—
أصغيتُ إلى الصوت الذي يصدره ‘ذلك الشيء’.
أنا أتألم، أتألم…….
بطريقةٍ ما، بدا صوت صريره وكأنه أنينُ ألم.
بدت العينان الحمراوان وكأنهما تتوسلان إليّ.
في تلك اللحظة، لم يعد ‘ذلك الشيء’ مخيفًا.
بل شعرتُ نحوه بشفقةٍ عميقة.
أردتُ فقط أن أُخفف ألمه سريعًا.
خطوتُ نحوه بحذر.
«ل، لا! ليليت!»
كان البارون، المختبئ خلفي طوال الوقت، يمسك بطرف ثوبي بيدٍ مرتجفة، لكنني تجاهلتُه وتقدّمتُ.
انبثق من يدي نورٌ أبيض ساطع.
كما كنتُ أفعل عند معالجة مرضى بريين، مددتُ يدي المحاطة بالنور نحو ‘ذلك الشيء’.
تسرّب الضوء الأبيض إلى جسده.
فسقطت القشور السوداء التي كانت تغطيه، وتحولت إلى غبارٍ مضيء تلاشى في الهواء.
كِرِرِك—
أصدر ‘ذلك الشيء’ صوتًا وهو ينظر إليّ.
كِرِرِك، كِرِك—
لكن قبل أن أستوعب صوته—
فَسَسَس—
……اختفى ‘ذلك الشيء’.
رأت الوحوش الأخرى في القصر ما حدث، فتدفقت نحوي دفعةً واحدة.
كِرِك.
كِرِك.
كِرِك.
كِرِرِرِك.
تحرّك جسدي قبل تفكيري.
انفجر من يدي نورٌ هائل غمر القصر كله.
غمرني الضوء الأبيض حتى حجب بصري للحظات.
اشتعل العالم أبيضَ بالكامل، ثم بدأ الضوء يخبو ببطء.
وبعد وقتٍ طويل، حين اختفت ‘تلك الأشياء’ جميعًا—
«هاه… هاه…….»
انهرتُ جالسة وأنا ألهث.
لم أستطع إلا أن أحدّق في كفيّ اللتين كانتا تبعثان الضوء قبل قليل.
‘ما هذا بحق…….’
نظرتُ حولي كأنني في حلم.
لكن بقع الدم المنتشرة في القصر أخبرتني أنه ليس حلمًا.
‘كنتُ أظنها قدرةً على شفاء البشر فحسب…….’
شعرتُ بالحقيقة الجديدة تلامس جلدي ببرودة.
أنا…… من أزال ‘تلك الأشياء’.
«ق، قدرةٌ على القضاء على الوحوش!»
صاح البارون وقد استعاد وعيه أخيرًا.
«هذه قوةٌ أعظم حتى من قوة دوق هايسل في العاصمة!»
أمسك بمعصمي بقوة وهو يطالبني:
«ما كانت تلك القوة قبل قليل؟»
وكانت عيناه في تلك اللحظة جاحظتين بجنون.
التعليقات لهذا الفصل " 18"