الفصل السابع عشر
بعد أن رتّبتُ أمتعتي على عجل وملأتُ بطني، ذهبتُ للقاء مريضة قصر البارون.
كانت زوجة البارون امرأةً ذات شعرٍ بنيّ وملامح عصبية حادّة.
«تردّد كثيرًا أن ضيفةً جديدة نزلت في الغرفة الواقعة في نهاية الطابق الثاني، ويبدو أنكِ هي.»
قالت زوجة البارون وهي متكئة على رأس السرير، ترمقني بنظرةٍ مخيفة.
«ألم يكتفِ بإدخال النساء إلى القصر، حتى يحاول الآن إذلالي بهذه الطريقة؟»
انطلقت كلماتها المشبعة بالعداء نحوي.
«هذه المرأة ستعالجني؟ كيف لي أن أثق بها؟ من يدري إن كانت ستدسّ السمّ في دوائي خفيةً فتقضي عليّ، ثم تطمع في مقعد زوجة البارون؟»
وبسبب رفض زوجة البارون الشديد لاقترابي، اضطررتُ إلى الانسحاب دون أن أتمكّن من إجراء علاجٍ حقيقي.
«هاه…»
حتى بعد أن أغلقتُ الباب وخرجت، بدا صراخها الحادّ كأنه لا يزال يطنّ في أذني.
كانت طبلة أذني تؤلمني.
«يا للأسف. ينبغي علاج زوجة البارون سريعًا حتى تغادري القصر، لكنها ترفض الفحص.»
قال بيليال وهو يتبعني ثرثارًا.
«توقف عن ملاحقتي.»
«حمايتكِ هي مهمتي.»
«ليست حماية، بل مراقبة.»
ما إن قذفتُ إليه بكلماتي بحدّة حتى اتّسعت عيناه.
ثم انفجر ضاحكًا.
«ذكيةٌ أنتِ يا ليليت.»
ثم اقترب مني هامسًا في أذني:
«من الأفضل أن تكوني حذرة. زوجة البارون ليست سهلة الطبع. ستحاول إيذاءكِ، بالتأكيد.»
تجاهلتُ كلامه ومضيتُ نحو غرفتي.
«هاه؟ هل تتجاهلينني؟ لو عرفتِ ماذا حدث للنساء اللواتي أقمن في الغرفة نفسها قبلكِ…»
حتى إنه تبعني إلى داخل غرفتي مواصلًا ثرثرته.
تجاهلته وكتبتُ رسالةً إلى إليسا وميخائيل.
«لذلك ينبغي لكِ أيضًا أن تحذري من زوجة البارون…»
«أرسل هذه بالبريد، من فضلك.»
«هاه؟»
«لقد سمعتَ. أرسلها إلى الكوخ في بريين.»
«تجاهلتِ كل ما قلته، ثم تطلبين مني ما تحتاجينه فقط…»
قال بيليال متذمّرًا وهو يزمّ شفتيه، لكنه مع ذلك أومأ مطيعًا وأخذ الرسالة وغادر.
في تلك الأثناء، كان ميخائيل، الذي اضطر إلى ترك ليليت ترحل، عاجزًا عن التركيز على أي شيء.
قالت إنها ستتواصل أحيانًا، لكن لم تصل حتى رسالةٌ واحدة تفيد بوصولها سالمـة.
«لا تقلق كثيرًا يا ميخائيل.»
«…»
«ستكون ليليت بخير. ستعالج مريضة القصر سريعًا، وتبدأ حياةً جديدة في المدينة.»
حاولت إليسا تهدئته، لكن ملامحه المتصلّبة لم تلِن.
لأنه كان قد أدرك الحقيقة: ما يريده البارون ليس علاج المريضة، بل ليليت.
وربما، حتى بعد شفاء المريضة، لن يعيد ليليت.
وحتى الآن… لم تصل رسالة…
«كان ينبغي أن أمنعها من الذهاب مهما كان.»
بينما كان ميخائيل يشدّ قبضتيه ويعضّ شفتيه بقوة—
«لماذا هذا الوجه المخيف يا سيد ميخائيل؟»
تقدّم إليه ذاك الكائن اللعين من برج السحر.
هو نفسه الذي فُصل رأسه عن جسده على يد ميخائيل قبل أسابيع.
«لماذا تنظر إليّ بتلك العينين المرعبتين؟ ألن تقطع رأسي مجددًا؟»
ارتسم الضيق على وجه ميخائيل.
ذلك الكيان الشبحـي (كيان من الأفكار الشريرة) كان يظهر من جديد مهما قُتل، ليضايقه.
ولأنه لا يموت، كان ميخائيل يقطع رأسه بلا تردّد.
«لقد قتلتُ ذلك السكير بدلًا منك، أليس كذلك؟ لكنك حقًا لا تعرف الامتنان يا سيد ميخائيل.»
«من أجلي؟»
«كنتَ ترغب دائمًا في قتله، ذلك السكير.»
ضحك الرجل قهقهةً خافتة.
«كان الأمر متقنًا، أليس كذلك؟ أيّ أحد كان سيظنه أثر عضةِ وحش. لكن حديث أهل القرية عن “ذلك الشيء” عقّد الأمور قليلًا.»
رمقه ميخائيل بازدراء ثم استدار.
«لم أستطع الحضور بسبب البارون. لا ينبغي أن تصل تحركاتنا إلى الدوق إبليس أو إلى المعبد.»
تمتم الرجل وهو يتبعه.
«لو كنت أعلم، لتركتُ ذلك السكير وشأنه. حاولتُ كسب رضاك فحسب، فإذا بي أتورّط في أمرٍ مزعج.»
ولما لم يحصل على ردّ، تطرّق فجأةً إلى الموضوع الذي كان يشغل ميخائيل هذه الأيام.
«بالمناسبة، تلك المرأة التي كنتَ تحبها، ليليت. لقد انتزعها البارون منك، أليس كذلك؟»
ضحكته المتهكمة وخزت أعصاب ميخائيل.
«أيعجبك أن تعيش حياةَ رجلٍ ريفي بسيط تُنتزع منه محبوبته على يد بارونٍ حدوديّ؟ لو كنتُ مكانك…»
شششّ—
مع دخانٍ أسود، تدحرج رأس الرجل مجددًا على الأرض.
حدّق ميخائيل فيه بوجهٍ بارد.
ساد الصمت أخيرًا، لكن صدره لم يهدأ.
لم تكن استفزازاته جديدة، ومع ذلك لم يستطع ميخائيل استعادة رباطة جأشه.
مرّ أسبوعٌ على وجودي في القصر. وما زالت زوجة البارون ترفض العلاج.
«بجسدكِ الدنس، كيف تجرؤين على الدخول إلى هنا؟ اخرجي فورًا!»
تدحرجت الأشياء التي ألقتها عند قدميّ صاخبة.
كلما حاولتُ الاقتراب، راحت تقذف الأشياء بعنف.
وفي النهاية، تنهدتُ وعدتُ أدراجي.
لمحتُ من نافذة الممر تساقط الثلج.
يبدو أن موسم نشاط «تلك الأشياء» قد بدأ من جديد.
كنتُ أحدّق في الثلج المتساقط حين—
«أوه، ليليت.»
ناداني البارون بصوته المبتذل.
«يبدو أنكِ خرجتِ من غرفة زوجتي. كيف الحال؟ هل يسير العلاج جيدًا؟»
«…»
من الطبيعي ألا يسير جيدًا، وهي ترفضني بذلك العنف.
«لا تتعجلي يا ليليت.»
قال بصوتٍ لطيفٍ زائف.
«يمكنكِ التمهّل في علاجها. مرضها قديم على أي حال، ويصعب شفاؤه. يكفي أن تبقي بجوارها حتى النهاية. لا أطلب منكِ الكثير.»
ثم كشف نيّته الحقيقية:
«يكفيكِ أن تنعمي بخيرات قصري.»
«لا يمكن.»
أجبته بحزم.
«سأُنجز مهمتي وأغادر.»
«ولمَ المغادرة؟ أليس هذا أفضل من قريةٍ صغيرة كبريين؟»
راح يتباهى بروزاموند.
«صحيح أنها مدينة حدودية صغيرة، لكنها مرفهة. فيها كل شيء. فيها معبد وفرسان، ولا خطر من “تلك الأشياء”…»
وضع يده على كتفي هامسًا:
«بل هي أفضل من العاصمة.»
نظرتُ إلى يده على كتفي باشمئزاز.
«في العاصمة فيينتا توجد الفرسان البيض، لكن منذ أن جُنّ إيسو هايسل قبل ثلاث سنوات، لم يعد فيلق الفرسان الملكي يعمل كما ينبغي.»
واصل كلامه غير مكترث.
«إن أردتِ، سأجعل حياتكِ هنا أريح. إن فتحتِ قلبكِ لي قليلًا فقط…»
تراجعتُ أحدّق فيه.
«لا أحتاج إلى وصيّ.»
«كم أنتِ شرسة.»
ضحك، فتقشعرّ جلدي.
ازدادت رغبتي في إنهاء علاج زوجته سريعًا ومغادرة هذا القصر.
وصلني خبر أن زوجة البارون وافقت على العلاج.
كان تغيّرها المفاجئ مثيرًا للريبة، لكنه خبرٌ سارّ.
هرعتُ إلى غرفتها.
تركتني أفحصها دون أن تنظر إليّ.
وأثناء الفحص، شعرتُ بشيءٍ غريب.
«سيدتي، هل حقًا تجدين صعوبة في الحركة؟»
«ماذا؟»
حدّقت بي بعصبية.
«أتقولين إنني أتظاهر بالمرض؟»
«…أعتذر.»
لم تكن متعاونة كما توقعت.
فاكتفيتُ اليوم بتفقد حالتها.
أنا لست طبيبة، ولا أستطيع معرفة موضع الألم بدقة.
ولم أستخدم قوتي فورًا، التزامًا بنصيحة ميخائيل:
«كوني حذرة في استخدام قوتكِ في روزاموند، ليليت. هناك عيون كثيرة.»
وافقتُه الرأي.
سأستخدم الأعشاب أولًا، ثم أستعمل قوتي سرًّا.
خرجتُ متظاهرةً بأنني اكتفيتُ بالفحص.
وظهر بيليال مجددًا خلفي.
«قلتِ إن لديكِ قوةً غريبة. لماذا لا تستخدمينها؟»
«…»
«إن استخدمتِها، ستعالجينها أسرع وتغادرين القصر.»
كنتُ أواصل السير متجاهلةً إياه حين—
«يا إلهي!»
دوّى صوت خادمة من غرفة زوجة البارون.
استدرنا معًا.
«يا للعجب! كانت النافذة مفتوحة!»
تجمع الناس.
إحكام الأبواب والنوافذ أمرٌ بالغ الأهمية في مملكة أرييتا، خصوصًا في موسم نشاط الوحوش.
وفوق ذلك، كان الثلج يتساقط.
«من فتح النافذة؟!»
صرخ البارون.
«تلك المرأة!»
أشارت إليّ زوجته.
«لم يدخل غرفتي اليوم سواها.»
كانت النافذة مغلقة حين خرجتُ.
كان فخًا رخيصًا.
«لم أفعل.»
«أتقصدين أنني أنا، العاجزة عن الحركة، فعلتُ؟»
صرخت.
كان واضحًا للجميع أنها حيلةٌ منها.
لكن البارون أعلن أن كل من دخل الغرفة مشتبه به، وحبسنا.
لم أُستثنَ.
انفتح الباب المغلق من الخارج، ودخل البارون.
اشتكيـتُ مظلمتي.
«حقًا لم أفعل.»
«أعلم يا ليليت. لكن زوجتي تقول إنها رأتكِ.»
اقترب مبتسمًا بخبث.
«إن أطعتِني بهدوء، فقد أصدّقكِ…»
طَخّ!
دخل بيليال فجأةً وضرب البارون على رأسه بشيءٍ ثقيل.
التعليقات لهذا الفصل " 17"