الفصل الخامس عشر
«بيليال. أما زال الوقت لم يحن بعد؟»
سأل البارون، متكئًا بتعالٍ فوق عربةٍ مكشوفة بلا سقف، الفارسَ الذي كان يمتطي جواده إلى جواره.
«سنصل قريبًا، سيدي البارون.»
«همف.»
أطلق البارون شخيرًا ساخرًا من أنفه.
كان التوجه إلى قريةٍ صغيرة بحجم حبة الفاصولياء أمرًا مزعجًا للغاية، لكنه بطبيعته التي تحب الاستعراض تعمّد أن يجعل موكبه فخمًا.
حسنًا، سيذهب، ويأمر فرسانه بقمع وحشٍ ما على سبيل التظاهر، ويتلقى ضيافةً مبالغًا فيها، ويمضي وقته في اللهو قليلًا ثم يعود.
«وبالمناسبة، سأبتعد أيضًا عن بعض الوجوه التي لا أطيق رؤيتها في القصر.»
لكن حين وصل إلى القرية، كانت السماء صافية تمامًا، بلا غيمةٍ واحدة.
فراوده شعورٌ بالاستياء، وكأن سكان القرية قد بالغوا في الشكوى بلا داعٍ.
«يا إلهي، سيدي البارون. لقد أتعبتَ نفسك بالمجيء من مسافةٍ بعيدة.»
انحنى شيخ القرية، الذي خرج لاستقباله، بانكسارٍ وتذلل، وأرشده إلى منزله.
وعلى الطاولة كانت وليمةٌ أُعدّت بما تيسّر من عناية.
كانت أطعمةً يصعب الحصول عليها في هذه القرية الصغيرة، لكنها بدت في نظر البارون تافهةً للغاية.
جلس أمام الطاولة وهو يكتم غيظه من صِغر بيت شيخ القرية.
«إذن، هل ظهر حقًا “ذلك الشيء”؟»
«لا نستطيع الجزم إن كان من فعل “ذلك الشيء”، لكن منذ مدةٍ قصيرة وقع حادث موتٍ لأحدهم. ومنذ ذلك الحين تواتر نزول المطر والثلج، فازداد قلق أهل القرية…»
شرح شيخ القرية بإلحاحٍ ما سبق أن ذكره في رسالةٍ من قبل.
«نرجو من سيدي البارون أن يتفقد الأمر بنفسه ويبدّد قلق السكان…»
«بيليال، اذهب وتحقق من الجثة.»
قال البارون بلا اكتراث، وهو ينهش ساق الديك الرومي، إذ لم تكن لديه أي نيةٍ لتفقد الجثة بنفسه.
«نعم، سيدي البارون.»
أجاب الفارس بانحناءةٍ أنيقة.
كان فارسًا وسيمًا ذا شعرٍ أزرق داكن رطب المظهر.
قاد شيخ القرية الفارس إلى حيث جثة فريدِك.
وقد مرّ شهرٌ كامل على وفاته، فكان المنظر مقززًا.
«هنا… آثار عضٍّ من شيءٍ ما… أوه…»
لم يحتمل شيخ القرية الرائحة، فأدار رأسه فجأةً وتقيأ.
أما بيليال، فبقي ثابت النظرات، يتفحص الجروح بعينٍ لا ترمش.
«همم…»
راح الجميع يرمقونه بنظراتٍ تختلط فيها الثقة بالإعجاب.
وبعد أن فرغ من فحص الجثة، نفض يديه بخفةٍ ونهض.
«تبدو كجروحٍ ناجمة عن حيوانٍ فحسب.»
قال بيليال مبتسمًا.
«ليست من فعل تلك الكائنات. فلو كانت منها، لما بقيت الجثة بهذه الحالة السليمة أصلًا.»
عندها همس بعض الناس بقلقٍ: إن كان من فعل حيوان، أليس ذلك أشد خطرًا؟
«سواء أكان من فعل “ذلك الشيء” أم من فعل حيوان، فلا تقلقوا كثيرًا ما دام سيدي البارون هنا.»
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ الثلج يتساقط.
فشرع البارون، وقد آن أوان إظهار شيءٍ من الفعل، بإرسال الفرسان.
تولى الفارس الوسيم الشاب بيليال قيادة الفرسان في دورياتٍ عبر أنحاء القرية.
ورغم أن الناس لا يحبون البارون، فإن رؤية الفرسان يجوبون المكان بصليل دروعهم بثّت فيهم بعض الطمأنينة.
ومضى نحو أسبوع.
ومع ذلك، لم يظهر “ذلك الشيء”.
وخلال تلك الفترة، أرهق البارون أهل القرية في بيت شيخهم.
وكان نصيب شيخ القرية أن يتصبب عرقًا في محاولة إرضائه.
«أهذا ما تجرؤون على تقديمه لي؟»
«يا سيدي البارون، ما الذي لم يعجبك هذه المرة…؟»
«ما الذي لم يعجبني؟ من أوله إلى آخره…!»
وفي اللحظة التي صرخ فيها البارون ناقمًا وضرب الطاولة بقبضته—
طنّ!
قفز أحد أواني المائدة من ارتدادة الضربة، وخدش ظاهر يده.
«آه!»
راح البارون يتدحرج متألمًا من جرحٍ ضئيلٍ للغاية.
«يا سيدي البارون! هل أنت بخير؟»
«تبًّا! سيبقى أثرٌ ندبة!»
نسي أن الحادث كان نتيجة اندفاعه، وأخذ يزمجر غضبًا.
«سأستدعي الآنسة المعالجة!»
هرع شيخ القرية مذعورًا إلى كوخ ميخائيل.
«ليليت، ليليت! هل يمكنكِ أن تأتي حالًا إلى بيتي؟»
«شيخ القرية؟ ما الأمر؟»
سألت ليليت، التي كانت تلعب مع كوكو في الفناء، بعينين متسعتين.
«أُصيب سيدي البارون.»
«هل إصابته خطيرة؟»
إذ كان المرضى عادةً يأتون إلى الكوخ بأنفسهم، ولم يحدث أن استُدعيت ليليت من قبل.
لذا ظنت أن حادثًا كبيرًا وقع، وذهبت بقلقٍ إلى بيت شيخ القرية.
لكن الجرح الذي رأته لم يكن سوى خدشٍ طفيفٍ لا يستدعي حتى استحضار قوة شفائها.
شعرت ليليت بالدهشة، لكنها لم تُظهر ذلك، واكتفت بدهن الأعشاب على ظاهر يده.
«ستتحسن حالتك سريعًا. ولن تبقى أي ندبة.»
أما البارون أنكَس، فقد توقف عن التظاهر بالألم منذ دخول ليليت، وأخذ يحدّق في وجهها وهو يحبس أنفاسه.
لم يكن من السهل تصديق أن فتاةً بهذه الجمال تعيش في قريةٍ نائية كهذه.
لمعت في عينيه نظرةٌ غريبة.
«إذن، سأغادر الآن.»
خرجت ليليت متجاهلةً نظرته اللاصقة.
وعند البوابة، صادفت الفارس العائد من دوريته.
توقف بيليال للحظة، وحدّق فيها بعينين حمراوين نادرتين تشبهان عينيها.
«صباح الخير، ليليت.»
حين خرجتُ صباحًا لأعدّ الفطور، توقفتُ عند صوتٍ قادمٍ من خلف السياج.
«…صباح الخير، سيدي البارون.»
أجبتُ بصوتٍ متردد.
وكالعادة، كان البارون أنكَس يتسكع حول الكوخ.
«هل فكرتِ في اقتراحي؟»
مال نحوي وسأل.
منذ أن عالجته في بيت شيخ القرية، وهو يخاطبني يوميًا.
«يوجد مريضٌ في قصر البارون يحتاج إلى معالجة. أودّ أن ترافقيني إلى القصر وتعتني به.»
لكن نظرته الزلِقة التي كانت تتفحصني أخبرتني أن له غايةً أخرى.
كانت تشبه نظرة السكير فريدِك.
«أعتذر يا سيدي البارون. لا أستطيع مغادرة بريين. وفي المدينة يوجد أطباء أكفأ.»
أجبتُ وأنا أحتضن جسد كوكو الصغير.
«فكري جيدًا يا ليليت. هذا عرضٌ ليس سيئًا لكِ.»
لم يتراجع رغم رفضي الحازم.
«روزا مونده (اسم المدينة) حيث يقع قصري مدينةٌ لا تُقارن ببريين. سأوفر لكِ السكن والطعام، وأدفع أجرًا جيدًا.»
قال وهو يتأملني بعينٍ جشعة.
«بدلًا من أن تذوي في هذا الريف، تنتظرك حياةٌ أفضل بكثير.»
لكن لم يكن لديّ أي وهمٍ عن سحر الحياة في المدينة.
«أعتذر.»
«أقدّم لكِ عرضًا يفوق مقامك، ومع ذلك ترفضينه! ستندمين!»
ولما رفضتُ مجددًا، استدار غاضبًا.
كنتُ أراقب اتجاه رحيله بقلق، حين راحت كوكو تلعق وجهي برفق.
«لحظة يا كوكو… آه، هذا يُدغدغ.»
فضحكتُ بخفة، وقد خفّ ثقل قلبي قليلًا.
اشتد غضب البارون لأن ليليت لم تستجب له بسهولة.
وبعد محاولاتٍ عدة فاشلة، استدعى شيخ القرية وقال بصراحة:
«لقد اعتنيتُ بالقرية طوال هذا الوقت، أليس من حقّي أن تردّوا الجميل؟»
«نعم، نعم، سيدي البارون. لا بد أن نردّ هذا الفضل العظيم.»
لكنه حين أفصح عن مطلبه، شهق شيخ القرية دهشةً.
«سآخذ الآنسة المعالجة.»
«ماذا؟»
«أتعلم أن في قصري مريضًا بداءٍ عضال.»
قال بلهجةٍ هادئة.
«لقد أعجبتني مهارة تلك الفتاة. لم تترك حتى أثر ندبة. سأصطحب ليليت إلى قصري.»
كان ادعاء الحاجة إلى معالجة مجرد ذريعة.
فمرض زوجة البارون المزمن معروف، لكن الجميع يعلم أيضًا أنه لا يتمنى شفاءها بل موتها.
لو كانت ليليت بارعةً في الخَبز، لقال إن المطبخ بحاجةٍ إلى يدٍ ماهرة.
ولو لم تملك أي موهبة، لاختلق عذرًا آخر.
تنهد شيخ القرية طويلًا، وذهب إلى كوخ ميخائيل.
وبصعوبةٍ بالغةٍ قال:
«…هكذا أصبح الأمر. سيدي البارون بحاجةٍ ماسّة إلى معالجة…»
«هذا مرفوض تمامًا.»
اعترض ميخائيل وإليسا بشدة.
«إن كان الأمر لأجل المريض، فأنا أذهب بدلًا منها. فأنا من علّم ليليت الأعشاب.»
لكن البارون تجاهل كلامه بازدراء.
«إن أصررتم، فلن أحمي القرية بعد اليوم من “تلك الأشياء”.»
هددهم، وسحب فرسانه من الدوريات.
«حين تظهر “تلك الأشياء”، فلا شأن لي.»
رمق بعض الناس ليليت وميخائيل بنظراتٍ يختلط فيها العتب.
تقدم شيخ القرية محاولًا إقناع ميخائيل.
«من أجل القرية، أعد النظر…»
«أتطلبون منا أن نقدّم ليليت قربانًا؟»
قال ميخائيل بغضب.
«أنتم تعلمون ما غايته.»
خفض الناس رؤوسهم خجلًا.
«أعتذر يا ميخائيل، ويا ليليت. سنواجه الأمر معًا.»
لكن الحادث وقع بعد أيامٍ قليلة.
«يا إلهي، كوكو…!»
خرجتُ كعادتي صباحًا لإعداد طعام كوكو، فوجدتُ في الفناء كتلةً بيضاء ممددة.
هرعتُ ورفعتُ جسدها الصغير، لكنه كان باردًا.
ماتت كوكو في الليل.
التعليقات لهذا الفصل " 15"