الفصل الرابع عشر
«أهو دودة من برج السحر؟»
تمتم بكلماتٍ موحشة خرجت من بين شفتيه.
عندها ابتسم الرجل في وجه ميخائيل ابتسامةً خفيفة وقال:
«إن سموّ دوقة إليانور تنتظر عودة السيد ميخائيل إلى مكانه الشاغر في أقرب وقت.»
«…….»
«ألم يحن الوقت لإنهاء هذا التيه؟ عُدْ الآن.»
استدار ميخائيل وكأنه لا يرى في الأمر ما يستحق الاستماع.
غير أن الرجل لحق به بإصرار وهمس:
«أن تنادي إليسا، تلك الدنيئة، أمًّا… لو علم الدوق الراحل لغضب غضبًا شديدًا.»
هزّ الرجل رأسه وهو يزمّ شفتيه ساخرًا.
«وتلك المرأة، أكان اسمها ليليت؟»
توقّف.
للمرة الأولى، تجمّدت خطوات ميخائيل عند سماع اسم ليليت.
«أن تُبقي امرأة مجهولة الأصل بقربك، يا للسيد ميخائيل حقًا… لا تحيط نفسك إلا بأمثالك. أتُراك لن تعود إلا إن أزلنا تلك الديدان بأيدينا؟»
استدار ميخائيل نحوه ببطء.
وعندما رأى الرجل ملامحه المتصلبة الباردة، ابتسم ابتسامةً ملتوية.
«آه، لا تقل إنك تحبها؟ تلك المرأة…»
شششـ—
لم تكتمل جملته.
فقد شطر كيانٌ أسود عديم الشكل عنقه في لحظة.
طَقّ، تدحرج—
تدحرج رأس الرجل على الأرض.
حدّق ميخائيل بعينين خاليتين في الرأس المقطوع والدم المسفوك.
ثم تسلّل الكيان الأسود الذي كان يتموّج في الهواء إلى باطن الأرض.
بعد وقتٍ قصير، انتشرت في القرية شائعة مروّعة بأن السكير فريدِك قد لقي حتفه على يد «ذلك الشيء».
شعرتُ بقشعريرةٍ باردة في صدري.
قيل إن «ذلك الشيء» لم يظهر في بريين منذ خمس سنوات.
«أيمكن أن يكون ما رأيته في غابة تيريل يومها هو…؟»
ارتجف أهل القرية قلقًا، لكن سرعان ما اعتُبرت القصة مجرّد إشاعة.
«لا بد أنه شرب وحده وتعرّض لمصيبة.»
«ومن يدري؟ لعلها عقوبة من السماء.»
«صحيح، لا يمكن أن يظهر ذلك في بريين.»
كنتُ أسير حاملةً سلة غسيلٍ كبيرة، وأسترق النظر إلى ميخائيل الذي يمشي بجانبي، فيما تتردّد همسات الناس.
ومنذ موت فريدِك الغامض، صار ميخائيل يرافقني أينما ذهبت بحجة القلق على الأمن.
لقد رأى معي «تلك الأشياء» في غابة تيريل يومها.
ومع ذلك، لزم الصمت كأنّه لا يعلم شيئًا.
وأنا كذلك تظاهرتُ بالجهل وحدّقتُ أمامي بثبات.
«نغ… نغغ…»
كان الجرو الأبيض الصغير يئنّ بين يديّ.
«لا بأس يا كوكو.»
هدّأتُه برفق، وأطلقتُ من أطراف أصابعي وميضًا أبيض.
بعد بضعة أيام من التدريب، بدأتُ أعتاد هذا الإحساس.
تحرّك الضوء ببطء نحو ساق كوكو، وتسرّب إليها مع دفءٍ لطيف.
«هل تحسّنتَ يا كوكو؟»
لأن عرجه لم يكن جرحًا ظاهرًا، لم أدرِ في البداية إن كان ثمة تغيير.
لكن… بعد لحظات، نهض كوكو على أربعٍ وبدأ يمشي، ثم قفز.
«ووف! ووف!»
راح يركض في الفناء نباحًا وفرحًا.
«لقد شُفي فعلًا…»
خفق قلبي بقوة وأنا أراه يجري بصحةٍ تامة.
خرجت إليسا على الضجيج، ودهشت لرؤيته يقفز على أربع.
«يا إلهي! كوكو؟ إنه يركض بأربع قوائم…!»
وعند سماع صوتها، اقترب ميخائيل أيضًا.
«كيف حدث هذا يا ليليت؟»
«أظنني أنا من فعل ذلك.»
ابتلعتُ ريقي، وكان صوتي يرتجف قليلًا.
«أأنتِ من عالج كوكو؟»
«لا أعرف تمامًا، لكن هذا الضوء الأبيض…»
وأريته الضوء في كفّي.
«ليليت، يبدو أن لديكِ قوة شفاء!»
«قوة شفاء؟»
«نعم، سمعتُ بذلك من قبل!»
قالت إليسا بحماسٍ مندهش.
وأضاف ميخائيل بهدوء:
«لقد ورد في مخطوطاتٍ قديمة شيءٌ مشابه، لكنني أراه للمرة الأولى.»
«أنا… أودّ أن أستخدم هذه القوة لعلاج إليسا.»
نطقتُ بما ظلّ في خاطري منذ أن أدركتُ أنني أملك هذه القدرة.
قيل إن مرض إليسا المزمن يصعب علاجه.
وكان ميخائيل قد ألمح يومًا أنها قد لا تعيش طويلًا.
لكن بقوتي هذه، قد أستطيع شفائها.
غير أن وجه ميخائيل بدا جادًا.
«ما الأمر يا ميخائيل؟ أأنت غير واثق؟»
«ليس هذا… إنما…»
توقف لحظةً ثم قال:
«إنها قوة سيطمع فيها الجميع.»
«آه…»
أدركتُ قصده.
إن شُفيت إليسا، فسوف تنتشر الشائعة.
وسيحاول آخرون استغلالي.
ومع ذلك، كان تجاهل قدرتي على علاجها أمرًا صعبًا.
ثم إنني مدينة لهما بالكثير.
«قوة يطمع بها الجميع؟ أليس هذا أمرًا جيدًا؟»
سألت إليسا ببراءة.
«ليليت، ماذا تريدين أنتِ؟»
سألني ميخائيل وهو يثبت نظره في عينيّ.
«سأدعم قرارك.»
«…أريد أن أعالج إليسا.»
أجبته بثقة.
كنتُ متأكدة أنني أستطيع شفائها.
ولم يمضِ وقت طويل حتى شُفيت إليسا من مرضها المزمن.
وبدأت الأقاويل تنتشر بأنني أنا من عالجها.
في الحقيقة، كان اقتراح ميخائيل.
«إن شُفيت فجأة فسيشكّ الجميع. فلنُعلن الأمر نحن أولًا، حتى لا يجرؤ أحد على التعرّض لكِ.»
كان كلامًا منطقيًا.
فإذا عرف الجميع، لن يجرؤ أصحاب النوايا السيئة على الاقتراب.
وبعد انتشار خبر قدرتي، بدأ أهل القرية يأتون إليّ بجروحهم الصغيرة.
وصرتُ أُدعى «الآنسة المعالجة».
وكثير من الإصابات كانت تُشفى بالأعشاب فقط.
كانت أيامًا هادئة.
شعرتُ أحيانًا بالذنب لأن حياتهما صارت مزدحمة بسببي.
لكنّهما كانا يقولان إنهما ممتنان.
«حتى لو ازدحم المكان قليلًا، فهذه قرية صغيرة. بل إن قدوم الناس يبعث السرور.»
«أيعني هذا أنكِ لم تكوني مسرورة معي؟»
«يا ليليت، تعلمين كم أحبكِ.»
«كنتُ أمزح يا إليسا.»
وفيما كنا نتبادل المزاح—
طَق، طق—
شعرتُ ببرودة على وجهي.
رفعتُ رأسي، فإذا بالمطر المختلط بالثلج يتساقط.
أغلقتُ الأبواب والنوافذ بإحكام.
في الآونة الأخيرة، كثر المطر والثلج.
ومع موت فريدِك الغامض، زاد قلق الناس.
«سيكون الأمر بخير. قالوا إن عمدة القرية سيقابل البارون أنكَس.»
«البارون أنكَس؟»
«تابعٌ لدوق إيبليس، وهو المسؤول عن قريتنا.»
شرحت إليسا اسمه.
«ولماذا؟»
«يقال إن الأميرة في العاصمة تتنبأ بالمطر عبر كرةٍ بلورية، لكن قريتنا الصغيرة لا تملك ذلك. لذا نعتمد على الفرسان.»
«لكن الفرسان لا يستطيعون قتل الوحوش.»
«صحيح، من يستطيع قتلها هو قائد فرسان البلاط الملكي، دوق هايسل قائد الوايت نايتس.»
ابتسمت بهدوء.
«لكن وجود الفرسان أفضل من عدمهم. قد لا يقتلون الوحوش، لكنهم يستطيعون قمعها.»
أومأتُ.
«معكِ حق.»
انتشرت أنباء زيارة البارون أنكَس، فأطلق الناس تنهداتٍ قلقة.
«ترى كم سينتزع هذه المرة.»
كان مسؤولًا عن عدة قرى شمالية، ويتفاخر بأنه تابع لدوق إيبليس.
ورغم أنه نبيلٌ متداعٍ بلا إقطاع، إلا أن هيبته في القرية عظيمة.
ولأن الناس يخشون الوحوش، لم يجرؤوا على معارضته.
فهو الوحيد الذي يملك قوة تحميهم.
فرغم أن بريين تابعة لدوقية إيبليس، إلا أن جنود الدوق لا يصلون إلى هذا المكان البعيد.
ولذلك كان البارون أنكَس، بجيشه الخاص، كأنه ملك المنطقة.
وبعد أيام، زار البارون أنكَس القرية.
التعليقات لهذا الفصل " 14"