الفصل الثالث عشر
«لا… لا يا ليليت—!»
ومضٌ خاطف!
وسط صرخةٍ مفعمة بالشوق، رفعتُ جفنيّ.
فاستقبلني سقفٌ غريب.
كان رأسي يخفق بألمٍ ودوار.
ما كانت تلك الصرخة قبل قليل…؟
وبينما كنتُ أقطّب حاجبيّ محاولًا النهوض، فُتح الباب المقابل، ودخل رجلٌ الغرفة، لكنه ما إن رآني حتى توقّف فجأة.
التقت عيناي بعينيه الزرقاوين الباردتين الصافيتين كبحيرةٍ متجمّدة في الشتاء.
«…….»
«…….»
ساد صمتٌ قصير جدًا.
ثم انفرجت عينا الرجل في دهشة.
«لقد استيقظتِ.»
انساب صوتٌ لطيف من بين شفتيه، وفي اللحظة نفسها اختفى الجو البارد الذي كان يملأ الغرفة.
اقترب الرجل من السرير الذي كنتُ أجلس عليه.
ثم انحنى نحوي.
سَرَسَرَ.
داعبت خصلات شعره الفضي المائل إلى الزرقة وجنتي.
امتدّت يده إلى جبيني، ثم سحبها.
«ما تزال الحمى قائمة. من الأفضل ألا تُجهدي نفسك.»
وعلى خلاف الانطباع الأول الذي بدا باردًا، كان صوته لطيفًا يحمل نيةً طيبة.
حدّقتُ في الرجل الغريب بذهول وسألت:
«من… تكون؟»
«وجدتُكِ ملقاة في الغابة فنقلتكِ إلى هنا. ألا تتذكرين؟»
«الغابة…؟»
وما إن حاولتُ استرجاع ذاكرتي عند سماع تلك الكلمة—
غابة مظلمة، عيون حمراء، صوتٌ يناديني بحرقة…
«ليليت…! ليليت، ليلي…! لا، لا يا ليليت…!»
وخزٌ حاد—
عاودني صداعٌ شديد.
«آه…»
أمسكتُ رأسي بكلتا يديّ وانحنيت.
«هل أنتِ بخير؟»
تفحّصني الرجل على عجل.
«تبدين بخيرٍ من الخارج، لكن جسدكِ من الداخل تضرر كثيرًا. من الأفضل ألا—»
«ذاكرتي…»
رفعتُ رأسي بصعوبة ونظرتُ إليه.
«لا أتذكر.»
كانت كل الذكريات ضبابية.
كأن ضبابًا كثيفًا يلفّني، لا يخطر ببالي شيء واحد.
إلا اسم «ليليت».
«أحيانًا، عند التعرّض لصدمةٍ كبيرة، يفقد المرء ذاكرته.»
هدّأني بصوتٍ رصين.
«يمكنكِ البقاء هنا حتى تعود ذاكرتكِ. أنتِ بحاجةٍ إلى الراحة الآن.»
«…أين نحن؟»
«بريين، قرية صغيرة تابعة لدوقية إيبليس في شمال مملكة أرييتا.»
بينما كان يشرح، نظرتُ من النافذة إلى العاصفة الثلجية في الخارج.
ولسببٍ ما، شعرتُ بألفةٍ غريبة.
في الكوخ الذي استيقظتُ فيه، كان يعيش الرجل الذي أنقذني، ميخائيل، مع والدته العجوز إليسا.
عرّف ميخائيل نفسه بأنه صيدليّ عادي.
«ليليت، أخبرتكِ أن تتركي الأعمال الشاقة لميخائيل.»
قالت إليسا لي بينما كنتُ أنقل الحطب في الفناء.
كانت مريضة منذ زمنٍ طويل بعلّةٍ مزمنة أضعفت جسدها.
وقد أصبح ميخائيل صيدليًا ليعالج مرضها.
«لا بأس يا إليسا. أستطيع فعل هذا القدر.»
«لكنّكِ كنتِ مريضة حتى وقتٍ قريب…»
«لقد شُفيتُ الآن. انظري، حتى نقل الحطب لا يتعبني. كل هذا بفضلكِ وبفضل ميخائيل.»
ابتسمتُ، فهزّت إليسا رأسها كأن لا حيلة لها.
«اكتفي بهذا وادخلي. حان وقت العشاء.»
«نعم يا إليسا.»
ضحكتُ بخفةٍ وأتممتُ نقل الحطب.
وحين مسحتُ العرق عن جبيني بظاهر يدي، سمعتُ أنينًا خافتًا عند قدمي.
نظرتُ إلى الأسفل، فإذا بجروٍ صغير أبيض الفراء يمسك بطرف تنورتي.
«كوكو، هيا نتعشّى معًا.»
كان ميخائيل قد التقط الجرو الشتاء الماضي بعدما أصيب في إحدى ساقيه.
وبفضل علاجه شُفي جرحه، لكن بقي يعرج أثرًا لتلك الإصابة.
حملتُ كوكو ودخلتُ الكوخ، فاستقبلتني رائحة شهية.
مرّت ثلاثة أشهر منذ استيقظتُ هنا فاقدةً ذاكرتي.
تعافى جسدي تمامًا، لكن الذاكرة لم تعد.
أقمتُ هنا أساعد إليسا وميخائيل في الأعمال اليومية.
وكان ميخائيل يعلّمني عن الأعشاب أيضًا، حتى صرتُ أميز الكثير منها دون الحاجة إلى كتاب.
«غدًا سيكون الجو صافياً أخيرًا، سأذهب لجمع الأعشاب. هل تأتين معي يا ليليت؟»
سألني أثناء العشاء.
نظرتُ إلى عينيه اللطيفتين المنحنيتين نحوي وأومأتُ.
«حسنًا.»
غابة تيريل التي يذهب إليها ميخائيل تقع بين دوقية إيبليس والعاصمة فيينتا، وهي غابة شاسعة.
قال إنها بحجم يضاهي عدة أقاليم مجتمعة، وهناك وجدني.
تساءلتُ إن كنتُ سأجد فيها خيطًا يقودني إلى ذكرياتي المفقودة.
في اليوم التالي، استعددتُ باكرًا للخروج مع ميخائيل.
أعدّت إليسا سلة خبزٍ للغداء.
خرجتُ أولًا لأنتظر ميخائيل.
«ومن هذه؟ ليليت، تبدين ذاهبةً إلى مكانٍ جميل؟»
جاءني صوتٌ سخيف يستفزّني.
إنه السكير فريدِك.
منذ قدومي وهو يرمقني بنظراتٍ فاضحة.
«إلى أين تذهبين بسلةٍ كهذه؟ دعيني أرافقك.»
كانت رائحة الخمر تفوح منه منذ الصباح.
وحين تجاهلتُه، أمسك بذراعي بغضب.
«أتتجاهلينني؟»
«اتركني!»
نشب شجارٌ صغير بيننا، فسقطت سلة الخبز، وجرحتُ ذراعي جرحًا طفيفًا.
«ليليت!»
«تسك!»
فرّ فريدك فور سماعه صوت ميخائيل.
ظلّ ميخائيل يحدّق في أثره بنظرةٍ باردة.
ثم التقط السلة وتنهد.
«لماذا خرجتِ قبلي؟ كان يمكن أن نذهب معًا.»
«آسفة لأنني أقلقتك.»
شعرتُ بالحرج لكثرة اعتمادي عليه.
نظر إليّ ثم قال بصوتٍ مهذّب يثير دفئًا خفيًا:
«كنتُ أفضّل أن أسمع كلمة شكر بدلًا من آسفة.»
دفء لطفه جعل الهواء من حولنا دافئًا.
لا عجب أنه محبوب فتيات بريين.
«…شكرًا.»
ابتسمت عيناه برفق.
«ننطلق؟»
وتوجهنا إلى غابة تيريل.
كانت هذه أول مرة أدخل الغابة.
رؤية الأعشاب التي قرأت عنها فقط جعلتني متحمسة قليلًا.
«نحتاج إلى زهرة المساء (Evening Primrose) وبتلات راكنِه. يمكنكِ التوغل قليلًا، لكن لا تؤذي نفسك.»
ابتعدتُ قليلًا لجمع الأعشاب.
ثم وجدتُ نباتًا أرجوانيًا لم أره من قبل.
كان مرتفعًا، فلم أستطع بلوغه.
صعدتُ على صخرة، لكنني انزلقتُ.
«آه…!»
تمزّقت ساقي بفرعٍ حاد بين الصخور، فظهر جرحٌ طويل.
كان جرحًا كبيرًا يصعب إخفاؤه.
«آه… لو رأت إليسا ستقلق.»
تنهدتُ.
حاولتُ تحريك ساقي.
«أوه…»
كان الجرح أعمق مما ظننت.
وحين وضعتُ منديلًا قربه—
«هاه؟»
انبثق نورٌ أبيض من أطراف أصابعي، تسلل إلى ساقي، فاختفى الجرح تمامًا.
حتى الألم زال.
«الجرح كان هنا قبل لحظة…»
وفي تلك اللحظة—
سمعتُ حركةً خلفي.
«ميخائيل!»
نهضتُ بفرح، ثم تجمدتُ.
صوتٌ حاد شقّ الهواء.
تجمدتُ.
خلف الأدغال، زوج من العيون الحمراء.
«ما هذا؟»
ثم ازدادت.
لكنها لم تقترب.
أهي بشر حقًا؟
أردتُ السؤال، لكن صوتي اختنق.
…ليت!
…ليت!
…ليليت!
انتبهتُ على صوتٍ مألوف.
شعرتُ بذراعٍ قوية تحتضن كتفي.
كان ميخائيل.
«هل أنتِ بخير؟»
نبض قلبه السريع وأنفاسه اللاهثة دلّت على خوفه.
نظرتُ مجددًا، فاختفت العيون.
«…نعم.»
«أنا بخير.»
تنهد بعمق وظلّ يعانقني قليلًا.
«لنعد.»
عدنا مبكرين.
جلستُ على السرير أفكر في العيون الحمراء.
شعرتُ أنني أعرفها.
لكن المشكلة الأكبر كانت الجرح الذي اختفى.
نظرتُ إلى ساقي البيضاء—لا أثر.
وضعتُ يدي على خدش ذراعي، فاختفى أيضًا تحت نورٍ أبيض.
حدّقتُ في كفّي.
الإحساس بذلك الضوء ما زال باقيًا.
أمام الباب الموارب، تجمّد ميخائيل.
«لقد… شفتِ الجرح؟»
كان قد أتى بالدواء والضماد.
ورآني.
ارتجفت عيناه.
«أهو سحر؟ لا… لا يوجد سحر كهذا… إذًا هذا…»
لكنّه تظاهر بأنه لم يرَ شيئًا.
وفي تلك اللحظة—
«السيد ميخائيل.»
استدار.
رجلٌ مريب بعباءةٍ سوداء يناديه.
تصلّب وجه ميخائيل.
واعتراه بردٌ قارس.
التعليقات لهذا الفصل " 13"