الفصل الثاني عشر
«لديَّ خطيبة.»
«لا يهم. أنت تعجبني.»
روزه أرييتا، الأميرة الوحيدة المحبوبة من شعب المملكة.
قدّمت بثباتٍ اقتراحًا آثمًا.
«تزوّج تلك الفتاة. لكن حتى يحين الموعد المتفق عليه، ستكون عشيقي.»
كلامٌ لا يُعقل.
كانت لديّ ليليت.
لكن في اللحظة التي هممتُ فيها بالرفض—
«سأمنحك لقب دوق.»
«…….»
«فكّر جيدًا.»
همست كلماتها كأفعى، فشدّ إيسو أسنانه ببطء.
ولم يمضِ وقت طويل حتى عاد إلى الأميرة.
«أقبل بذلك العرض.»
خدع نفسه بأن كل هذا من أجل ليليت. وخدع ليليت كذلك.
أليس يكفي ألا تكتشف هي الأمر؟ على أي حال، لن يمنح تلك المرأة قلبه بصدق.
وهكذا أقنع نفسه بأنه لم يخن ليليت.
إن أصبح دوقًا وجعل ليليت سعيدة، فذلك سيكون كافيًا.
وهكذا أقام إيسو علاقة مع الأميرة في غياب ليليت.
رؤية المرأة التي تُعدّ الأسمى في المملكة تلهث تحته منحته لذةً غريبة.
شيئًا فشيئًا لم يعد قادرًا على الفكاك من علاقته بالأميرة. وفي النهاية، فقد هدفه الأصلي، بل وجرح ليليت.
كان يعلم أن ليليت تشعر بالوحدة والأذى بسبب إهماله.
لكنني، إيسو هايسل، رجلٌ بهذا القدر من الجبن.
حين رأيتُها الآن تعيش البؤس ذاته الذي شعرتُ به في طفولتي، شعرتُ بلذةٍ خفية.
كنت أعلم أكثر من أي أحد أنني وغدٌ جبان.
كانت مشاعر وضيعة ودنيئة، نابعة من عقدة نقص حقيرة.
طال هطول المطر على نحوٍ غير معتاد.
استمر موسم النشاط (فترة يزداد فيها نشاط الوحوش) قرابة ثلاثة أسابيع، فلم أستطع لقاء ليليت طوال تلك المدة.
وخلال ذلك، كنت ألتقي الأميرة يوميًا. في البداية لم أكن أعلم أن شائعة علاقة غرامية قد انتشرت بيني وبينها.
حين علمت متأخرًا، ثرتُ في وجه الأميرة.
خشيتُ أن تعلم ليليت بالأمر.
وأفرغتُ كل غضبي في الأميرة، وامتلأتُ مجددًا بتلك اللذة الشاذة.
أنا، الذي كنت يتيمًا من عامة الشعب أتسكّع في الشوارع، أصبحت الآن أصرخ في وجه أسمى امرأة في المملكة—كان ذلك مثيرًا حدّ الجنون.
لذلك، رغم معرفتي بضرورة الحذر حتى تخمد الشائعات، صار قطع العلاقة مع الأميرة أصعب فأصعب.
وفي وقتٍ كنت فيه مع الأميرة تحديدًا، جاءت ليليت.
عاملتُها ببرودٍ دون قصد، رغم إحساسي بخيبة أملها مني.
في الحقيقة، كان ردّ فعلٍ خسيسًا، ولدته خوفي من افتضاح أمري مع الأميرة.
حين هممتُ بإيصال ليليت، نادتني الأميرة.
«ما الأمر؟»
«لا شيء. فقط لم يعجبني أنك كنت مع تلك الفتاة، فتصرفتُ بدافع الغيرة.»
ضحكت الأميرة بصوتٍ عالٍ، فصحتُ فيها غاضبًا:
«هذا ليس ما اتفقنا عليه! لا تتدخلي مجددًا بيني وبين ليليت بسبب أمر كهذا.»
«حسنًا، لا تغضب يا إيسو. بما أنك جئت إلى هنا…»
دللتني الأميرة بلطفٍ وقادتني إلى السرير.
ورغم أنني اعتدتُ علاقتي بها، كنت أفكر بليليت التي تركتها وحدها.
وكان وجود وينتر نايتس إبليس، الذي عرض أن يرافقها، يقلقني.
رجلٌ نبيل بالميلاد، على عكسي.
عاد إليّ إحساسٌ كثيف بالدونية، لم أشعر به منذ سحبتُ السيف المقدس.
ولكي أبدد ذلك الشعور، غرقتُ أكثر في علاقتي بالأميرة.
وعندما كشفت ليليت علاقتي بالأميرة روزه—
حاولتُ إقناعها.
أن هذا كله من أجلنا.
وأنني لم أخنكِ أبدًا.
لكن ليليت لم تستمع إلى كلمة واحدة.
شعرتُ بالاختناق.
وبينما كنتُ إلى جانب الأميرة، ماتت ليليت.
لم يبقَ في الأنقاض سوى خاتمٍ قديم كنا قد تبادلناه منذ زمن.
كان لديّ خاتمٌ مثله، لكنه ضاع قبل أشهر بسبب مزحةٍ شريرة من الأميرة روزه.
أمسكتُ بالخاتم وصرختُ باكيًا.
جننتُ. وكنت أفتّش المكان يوميًا باحثًا عن ليليت الميتة.
بعينين محتقنتين بالدم، لوّحتُ بالسيف المقدس وقتلتُ كل وحشٍ صادفته.
انتشرت أخبار جنوني تدريجيًا، إذ كنتُ أجري تحت المطر في الظلام معتمدًا على سيفٍ واحد.
لكن لا شيء.
مهما بحثت، لم أجد ليليت.
غارقًا في دماء الوحوش، لم أستطع مغادرة الغابة.
وبصوتٍ مبحوح، ظللتُ أصرخ باسمها بلا توقف.
وفي النهاية، بعدما عجزتُ عن العثور عليها، نسيتُ حتى واجباتي وتخليتُ عن كل شيء.
حتى منصبي كقائد لفرسان «الوايت نايتس» الذي كنتُ أعتز به.
أرسل الملك جنوده ليجدوني. كنتُ مغمورًا بدماء الوحوش والخمر حين أُحضرتُ إلى القصر.
ومنحني الملك الرحيم لقب دوق، وأمر بزواجي من الأميرة تعزيةً لبطل المملكة الذي فقد خطيبته.
لقب دوق…
كان حلمي الأوحد يومًا ما، لكنني لم أشعر بشيء.
«تبًّا لهذا اللقب!»
حينها فقط فهمتُ كلمات ليليت.
الألقاب لا تعني شيئًا.
من دون ليليت، لا حاجة لي بلقب الدوق الذي تمنّيته طويلًا.
وحين أدركتُ ذلك أخيرًا، سالت دموعي ساخنةً على وجنتيّ.
سمعتُ همسات الناس بدهشة، لكنني تجاهلتهم وغادرت.
حاول جنود الملك إيقافي، لكن نظرتي المليئة بالقتل أخافتهم فتراجعوا.
أردتُ رؤية ليليت.
لماذا تأخرتُ في إدراك ذلك؟ لم يكن اللقب هو المهم لنا.
كنتُ أتلوّى من الألم.
إدراكي أنني أنا من دمّر علاقتنا كلّها، كان ينهش عقلي.
كانت السماء مظلمة.
ومنذ موت ليليت، استمر موسم النشاط بلا نهاية.
نظرتُ إلى الغابة الشمالية خلف القصر، حيث اختفت ليليت.
أردتُ الذهاب إليها.
ما إن وطئتُ الغابة حتى شعرتُ بحركة الوحوش من كل جانب.
كريك.
كريك.
كريييك.
وقفتُ أحدّق بها.
هي التي التهمت ليليت.
إن التهمتني أيضًا، ألن أذهب إليها؟
فتحتُ ذراعيّ وبسطتُ صدري، كأنني أقدّم نفسي قربانًا.
لكن العيون الحمراء لم تقترب.
رائحة دماء الوحوش الفاسدة علقت بي، فاحتاروا: أأنا عدو أم واحدٌ منهم؟
وحين اقترب أحدهم—
شوووك—
تحرك السيف المقدس من تلقاء نفسه وقطع عنقه.
اندفعت الوحوش نحوي بعدما أدركت أنني عدو.
السيف الذي كان بركة حياتي صار لعنة، يمنعني حتى من الموت.
سقطت الوحوش جميعًا صرعى.
وقفتُ يائسًا أمام جثثها.
ثم غرستُ السيف في نفسي.
اهتز السيف رافضًا.
لم يستطع إيذاء مالكه.
كلما طعنتُ نفسي، كان نوره يشفي جراحي.
وفي نهاية ألمٍ أشد قسوة، اقتلعتُ قلبي بيدي.
ظلّ نور السيف يجعله ينبض بصعوبة، لكنه أخذ يخفت تدريجيًا.
ليليت… أخيرًا آتي إليكِ.
تشوّش بصري.
جعلني نور السيف أعيش زمنًا بطيئًا للغاية.
تعاقب الليل والنهار، وتبدلت الفصول، بينما جسدي يحافظ على نبضٍ واهن.
وحين ظننتُ أن الموت اقترب أخيرًا—
«يا قديسة، هنا رجل ميت.»
«لم يمت بعد.»
سمعتُ صوتًا قرب أذني المثقلة.
من…؟
«لكن قلبه…»
«هاتوا ماءً نظيفًا وقماشًا.»
كان صوتًا مألوفًا.
صوتًا لم أنسه حتى وأنا أموت.
ليليت…؟
ليليت…؟
أردتُ التأكد.
ومن خلال بصري الضبابي، رأيتُ أحدهم ينقذني ثم يختفي.
كان ظهرها يبتعد تدريجيًا.
«هاه!»
تنفستُ بخشونة… وعدتُ إلى الحياة.
«كيف أنا…؟»
لم أفهم ما حدث.
شعرتُ بنبضٍ قوي في صدري.
القلب الذي اقتلعته كان ينبض من جديد.
لم يبقَ في صدري أثرٌ للجراح، لكن الدماء المتجلطة حوله أخبرتني أن ما حدث لم يكن حلمًا.
ليس حلمًا.
كنتُ أموت… ثم عشتُ مجددًا.
ومن أنقذني هو…
«ليليت…»
كان صوتها بلا شك.
هل كانت حقًا هي؟
هل ما زالت حيّة؟
متعلقًا بقبس أملٍ صغير، خرجتُ من الغابة حيًا.
ومنذ ذلك الحين، جلستُ شاردًا أفكر في صوتها.
زارتني الأميرة أحيانًا، لكنني لم أُبدِ ردًّا.
كنتُ أفكر بليليت فقط.
وبعد مدة، وصلت إلى العاصمة شائعة عن ظهور قديسة في الشمال.
امرأة شابة تملك قدرة الشفاء، تنقذ المحتضرين وتطرد الوحوش.
أهل الشمال يبجلونها قديسة.
حتى ولي العهد ليونِت يُبدي اهتمامًا بها.
ومن بين كل الشائعات، شعرتُ بغريزةٍ تقول:
هي!
ليليت!
لقد عادت!
قدرة إعادة الحياة… لا يملكها سواها.
تذكرتُ يوم سحبتُ السيف المقدس، حين أنقذت عصفورًا يحتضر.
ليليت حيّة!
ارتسمت على وجهي ابتسامة مشرقة، وبرقت عيناي.
كان ذلك بعد ثلاث سنوات من موت ليليت.
التعليقات لهذا الفصل " 12"