الفصل الحادي عشر
«يبدو أنّ هجومًا قد وقع في هذه الأنحاء.»
كان صوت التابع يتردّد كصدى كئيب يطرق طبلة أذنه.
«آثار الدم تبدأ من هنا…….»
أنزل إيسو بصره وهو يستمع إلى شرح تابعه.
كانت آثار الدم المروّعة، في نظر أيّ كان، مسرحًا واضحًا ومفزعًا لمجزرة.
«الجثة…….»
تحدّث مالك السيف المقدّس، الذي كان دومًا مهيبًا ساميًا، بصوت شاحب مرتجف.
«لا توجد جثة.»
لم تكن هناك جثة. إذًا، إذًا لعلّها لم تكن مخطئة…….
«يبدو أنّ تلك الأشياء اللعينة قد التهمتها بالكامل. لم تترك قطعة لحم واحدة، ولا حتى ذرّة عظم…….»
«لا، هذا مستحيل.»
اهتزّ صوت الرجل الرافض للاعتراف بالحقيقة في قلق واضح.
«فتّشوا المكان تفتيشًا دقيقًا. ابحثوا واعثروا عليها. إن لم تجدوا ليليت، فهاتوا جثتها على الأقل.»
«نعم، أيها القائد.»
انحنى الفرسان جميعًا برؤوسهم استجابةً لأمره.
لكن، مهما مرّت الأيام والليالي، لم يُعثر على أيّ أثر لليليت تيشيه.
باستثناء خاتم قديم واحد كان يتدحرج فوق آثار الدم المروّعة، لم يبقَ شيء.
كان إيسو يفتّش الغابة كل يوم، ويقصد قصر آل تيشيه مرارًا.
«ألم تعد ليليت بعد؟»
لم يستطع أن يتخلّى عن أمل عبثي، لعلّها ما تزال حيّة، ولعلّها تعود متأخّرة إلى القصر.
«كفى الآن، دع ليليت ترحل بسلام يا إيسو.»
واساه بييتو، الأخ الذي يكبر ليليت بثلاثة أعوام.
«ليليت أيضًا لن ترغب في رؤيتك على هذه الحال.»
ومع استمرار مواساته، ازداد وجه إيسو قتامة.
وفي النهاية، لم يحتمل، فانطلق مجددًا نحو الغابة الشمالية خلف القصر الملكي، حيث انقطعت آثار ليليت.
كان يجري وهو ينادي اسمها بصوت مبحوح متشقق، بلا انقطاع.
ثم، عندما عثر قرب موقع آثار الدم المروّعة—حيث وجد خاتمها—على فردة حذاء صغيرة واحدة،
احتضنها إلى صدره وانفجر بالبكاء.
لكن ليليت لم تعد.
ماتت ليليت. لم يُعثر حتى على جثتها. لقد التهمت الوحوش جسدها بالكامل.
كان عليه الآن أن يعترف: ليليت قد ماتت.
«وما شأن ذلك؟ إن ماتت فتاة كهذه.»
«…….»
«بل ربما كان هذا أفضل. في الحقيقة، لم أُعجب بها قط.»
«…….»
«أتعلم، يا إيسو.»
«…….»
«هناك ما هو أفضل من لقب الدوق. إن أردت…….»
دخلت الأميرة إلى مكتب الرجل الغارق في اليأس بعد فقدان حبيبته، دون استئذان، وراحت تبتسم ابتسامة ماكرة وهي تتفوّه بكلام طائش.
«أن تصبح ملكًا. أنت قادر على ذلك. إن تزوّجتني وصرتَ زوج الأميرة (صهر الملك)، ثم تخلّصتَ من أخي ريونِت…….»
كان الرجل جالسًا شاردًا، كأن لا شيء يصل إلى مسامعه، ثم التفت إلى المرأة التي تهمس عند أذنه.
«دعنا ننسَ تلك الفتاة التافهة. أنا أحبك. سأجعلك تتقدّم في المقام.»
ابتسمت روزيه وهي تمدّ شفتيها الحمراوين بابتسامة عريضة.
عاد إيسو ببطء إلى وعيه، وأدرك متأخرًا من تكون المرأة الملتصقة بجانبه.
الأميرة روزيه…….
المرأة التي كانت تضمّه وتقبّل شفتيه بينما كانت ليليت خاصته تحتضر…….
«أوغ…….»
ما إن اخترق ذلك الواقع القاسي عقله، حتى دفع الأميرة بعيدًا واقتحم الباب هاربًا إلى الخارج.
تقيّأ كل ما في معدته الخاوية. كانت بقايا ما أخرجه تفوح منها رائحة نتنة، رائحة تشبهه هو.
منذ متى وهو يتدحرج فوق الأوحال، ناشرًا عفنًا كهذا؟
وفجأة، تذكّر نظرة ليليت إليه، النظرة التي كانت ترى فيه شيئًا مقززًا.
آه، إذًا منذ ذلك الحين…….
منذ اللحظة التي خدع فيها ليليت وخانها…….
ندم كثيف لا رجعة فيه أخذ يبتلعه.
كان يعلم أنها جُرحت، ومع ذلك تعمّد أن يكون أكثر وقاحة ولا مبالاة، لأنه كان يؤمن أن لحظة شرح كل شيء ستأتي قريبًا.
لكنها رحلت إلى مكان لا تصله أيّ تبريرات منه.
سقط إيسو على الأرض وانفجر بالبكاء.
زيّ فرسان «الفرسان البيض» الأبيض، الذي كان يومًا فخره، تلوّث بالطين والقاذورات.
وبعد وقت، انتشرت شائعة بأن إيسو هايسل، بطل أرييتا الذي أنقذ المملكة، قد جُنّ لأنه لم يستطع نسيان حبيبته الراحلة.
الفصل الثاني: ساحرة الشمال
كانت طفولة إيسو هايسل، الذي يُشاد به كبطل أرييتا الذي أنقذ المملكة، بائسة إلى حدّ لا يوصف.
كان من عامة الشعب، يتيمًا، وكان لقاؤه المصادف بليليت الصغيرة أعظم هدية لامعة وبهية في حياته، كجوهرة متلألئة.
عاش خادمًا في بيت آل تيشيه، وقضى طفولته إلى جانب ليليت.
كانت ليليت تيشيه، في نظره، أجمل فتاة وألطفها في العالم.
ولم يكن وحده في ذلك؛ فقد وافقه كل من في الجوار.
تسلّل إليه لطف ليليت الطفولي شيئًا فشيئًا.
كما تتشرّب الأوراق الغضّة ندى الفجر في ربيعٍ مبكّر، غاص هو في ليليت تيشيه.
وهكذا، أحبّها طبيعيًا.
«أنا أحبك يا إيسو.»
في ليلة شتوية كان فيها السماء السوداء مزدانة بنجوم كثيفة، احمرّ وجهها خجلًا وطبعَت قبلة على خده.
في نشوة ذلك الاعتراف، فقد صوابه تمامًا.
حتى إنه تجرّأ على ردّ اعترافٍ مماثل، رغم كونه مجرّد تابع لابنة عائلة نبيلة.
كانت الأيام تتلألأ جمالًا.
ورغم قلق البارون وزوجته، ظلّ قلب ليليت ثابتًا، وبعد سنوات، تحرّر إيسو من وضع الخادم وأُعيِن فارسًا في آل تيشيه.
كانا أشهر عاشقين صغيرين في المنطقة، وفي النهاية تعاهدا على مستقبل مشترك.
لكن كلما نظر إلى فستانها النظيف المرتّب، مقارنة بثيابه البالية، تسلّل إليه شعور دفين بالنقص.
وحين علم أن تعيينه فارسًا لم يكن بإرادة البارون وحده بل بإصرارها هي، اشتدّ ذلك الشعور.
وعندما سمع أن كونتًا شابًا من إقليم مجاور تقدّم لخطبتها فقوبل بالرفض، شعر بالمهانة.
ظلّت فكرة أنها ترتكب خطأ بسبب انغماسها في الحب تؤرّقه بلا انقطاع.
ليليت تيشيه حمقاء.
كيف ترفض أن تصبح كونتيسة من أجل رجل لا قيمة له مثلي؟
ومع نموّه، أخذ هذا الاكتئاب الهدّام ينهش روحه.
وفي خضمّ ذلك، كان سحبه للسيف المقدّس «إيريس» حدثًا زلزل حياته.
كان ذلك في يوم ربيعي صافٍ، بلا غيمة واحدة.
أثناء تجوالهما في الغابة، عثرا على فرخ طائر صغير ممدّد بلا حراك.
«انظر يا إيسو! فرخ طائر!»
كان في جناحه الصغير، الذي لا يكاد يتجاوز حجمه، رأس سهم ضخم مغروس.
كان ينزف بشدّة.
وكان يحتضر.
«إنه مسكين جدًا.»
رفعت ليليت الفرخ بكلتا يديها، ونظرت إلى إيسو بعينين دامعتين.
هزّ إيسو رأسه بحزم.
«لا يمكن إنقاذه.»
«لكن… إنه صغير جدًا…….»
كانت على وشك البكاء منذ لحظات، وسقطت أخيرًا دمعة من عينيها.
«أريد أن أنقذه.»
وما إن تمتمت بذلك، حتى انبعث نور أبيض من راحتيها، وسقط رأس السهم أرضًا، وبدأ الجرح يلتئم.
«إيسو!»
اتسعت عينا ليليت دهشة وهي تناديه.
«ك، كيف حدث هذا…….»
وكان إيسو مذهولًا مثلها.
لم تمضِ لحظات حتى استعاد الفرخ وعيه وطار من يديها.
وبينما كانا يحدّقان في الفراغ الذي غادره الطائر غير مصدّقين،
طَقّ—.
ثم هطلت أمطار فجأة من سماء كانت صافية.
أمسك إيسو بمعصم ليليت وركضا.
في مملكة أرييتا، حين يهطل المطر، تخرج الوحوش من الظلام.
كانت مقاطعة البارون تيشيه في الجنوب البعيد عن العاصمة نادرًا ما تشهد المطر، ولم يكن موسم الأمطار قد حان بعد.
لم يكن لديهما وقت للتفكير؛ كان عليهما الاحتماء قبل أن تظهر تلك «الأشياء».
لكن مع اشتداد المطر، علقا في الغابة.
وبدأت «تلك الأشياء» تقترب من كل اتجاه.
كيريك.
كيريك.
كيريك.
كيريك كيريك.
كيرييريريرك.
كانت تلك أول مرة يريان فيها «تلك الأشياء» حقًا.
وأثناء هروبهما، تعثّرا بجذر شجرة زلق وسقطا معًا.
جلست ليليت على الأرض الطينية، تنظر إلى تلك الكائنات برعب.
وفجأة، لمح إيسو خلف الجذر مقبض سيف قديم مغروسًا في الأرض.
دون تفكير، سحبه.
انبثق من نصله نور أبيض.
السيف المقدّس إيريس.
سيف البطل سيدريك الذي قيل إنه ختم ملك الوحوش قبل ألف عام.
لوّح إيسو بالسيف نحو الكائنات التي كانت تتجمّع بإصرار حول ليليت.
تحرّك السيف بخفة كأنه جزء من جسده، وقضى على الوحوش.
وبعد وقت قصير، أدرك إيسو أنه أصبح كائنًا مميّزًا للغاية.
بدأ نشاطه فارسًا في إقليم البارون، ثم ذاع صيته في المناطق المجاورة.
الفارس الذي يقتل الوحوش.
مالك السيف المقدّس.
وهكذا أصبح بطلًا في لحظة.
وفي عامه الثامن عشر، بعدما اشتهر في جنوب المملكة، استدعاه الملك إلى العاصمة.
رافقه البارون تيشيه في تلك الرحلة، وسلّمه إلى الملك، ونال مقابل ذلك ترقية إلى لقب فيكونت.
عندما علمت ليليت متأخرًا برحيله، شعرت بحزن عميق، لكن القرار كان بموافقته أيضًا.
في اللحظة التي تحوّل فيها من فتى بلا شأن إلى بطل تحيط به هتافات الجميع، خفق قلبه بعنف.
غمرته نشوة كونه أصبح شخصًا عظيمًا.
إن كانت ليليت قد رفعته إلى مكان عالٍ من قبل، فقد آمن أنه الآن بقوته يستطيع أن يرتقي أعلى ويجلسها إلى جواره.
وفي تلك اللحظة، كان إغراء الأميرة ثمرة محرّمة يصعب مقاومتها.
خلو تعليق لرأيكم في القصة حتى اتحمس انزل 😔
التعليقات لهذا الفصل " 11"