في النهاية، اضطرت فانيسا إلى قبول الأمر.
حتى قوة الحياة لا تستطيع إنقاذ أمها.
ختم الموت.
بفضل ما وضعه الحاكم هوراي في ذهنها، أصبحت تراه بوضوح الآن بعينيها.
في منتصف جبين أمها، كان هناك ختم على شكل فراشة سوداء مطوية الجناحين.
فهمت فانيسا أنه عندما ترفرف تلك الفراشة و تطير، ستنتهي حياة أمها.
ظلت تنظر إلى أمها النائمة لفترة طويلة، ثم أغلقت الباب بهدوء و خرجت إلى الممر.
كان يورغن ينتظرها متكئًا على الحائط.
“…”
نظر إليها بصمت، ثم مد ذراعيه و ضمها بلطف.
تشبثت فانيسا بظهره بقوة و هي تكبح بكاءها المتدفق.
كان الشعور مؤلمًا إلى درجة لا توصف.
بعد يومين من ذلك.
صدر أمر الإمبراطور بإعدام ديكلان.
* * *
“يبدو أنه مصمم على القتال حتى النهاية. الملك ديكلان.”
عاد غارسيا بعد تجسسه السري على قصر لوينغرين و قال بسخرية.
كان عداؤه واضحًا في نبرته.
الجنود في قصر لوينغرين الآن منقسمون في صراع داخلي.
انقسموا إلى فريقين يتقاتلان: فريق يرى وجوب حماية الملك ديكلان الشرعي، و فريق يرى ضرورة خلعه قبل أن يدمر البلاد.
وسط هذا الاضطراب، حاصر ديكلان نفسه داخل القصر محاطًا بالجنود الموالين له.
كان ادعاؤه ثابتًا: “الأميرة فانيسا خائنة تبيع البلاد للإمبراطورية، و الملكة الأرملة أفيلين تؤيدها و تريد تدمير لوينغرين”.
المواطنون في سورينت الذين تلقوا نعمة من فانيسا أو شاهدوا شفاءها بقوتها كانوا يشككون في ادعائه.
لم يقتصر الارتباك على سورينت، بل امتد إلى كل أقاليم لوينغرين و شعبها.
مَنْ الشخص الكاذب بينهما؟ الملك ديكلان أم الأميرة فانيسا…؟
كان أهل لوينغرين عند مفترق طرق.
خاصة اختيار النبلاء كان ملحًا.
أليست هناك سابقة تيريفرون؟
كما نجا بعض نبلاء تيريفرون بالانقلاب على ملكهم، يجب عليهم اتخاذ قرار.
هل يتخلون عن الملك الذي فقـدَ رضى الإمبراطور و ينجون بحياتهم، أم يحافظون على ولائهم حتى الموت؟
* * *
في اليوم الرابع من إغلاق ديكلان أبواب القصر و تعزيز دفاعاته.
وصلت قوات دوق دريك القادمة من الشمال إلى سورينت.
انضموا إلى قوات دوق إيفانوود المتمركزة بالقرب.
إعدام ديكلان سيكون بيد يورغن، لكن ليصل ابن دوق إيفانوود -الذي يأتي في المرتبة التالية في ترتيب الخلافة- إلى العرش، يجب أن يشاركوا أيضًا.
لذلك عقد دوق إيفانوود و يورغن اجتماعًا لمناقشة تقسيم الأدوار.
اقترح دوق إيفانوود أن تتولى قواته تغطية الخلف لتسهيل دخول نخبة فرسان الدوق دريك إلى القصر.
لكنه أصر على أن يتولى هو و ابنه القيادة في الجبهة مع يورغن.
حتى يبدو الأمر مقنعًا، و يسهل على ابنه الصعود إلى العرش لاحقًا.
“أتشرف بلقائكَ. أنا دانتيس إيفانوود.”
ظهر دانتيس إيفانوود في الاجتماع فجأة، و كان طفلًا لم يفقد بعد ملامح الطفولة.
ربّما هو في الرابعة عشرة.
عيناه الكبيرتان اللتين تبدوان على وشك البكاء إذا لُمستا تشبهان عينيّ الغزال.
كان خجولًا فعلًا، فبدلاً من التعبير عن رأيه، كان يراقب نظرات يورغن و الآخرين.
فكر يورغن للحظة أن فانيسا تصلح لتكون ملكة أفضل منه بعشر مرات، ثم نفض الفكرة.
لم يكن لديه أدنى رغبة في الابتعاد عنها.
كان يحتاجها.
أكثر من الماء أو الهواء أو النور ، أكثر من أي شيء ضروري للحياة.
و كان متأكدًا أنها تشعر بالمثل.
لأنهما يكتملان فقط معًا.
بعد انتهاء الاجتماع، قام دانتيس إيفانوود بإلقاء التحية على فانيسا التي وصلت لتوها إلى المعسكر.
كانت فانيسا ترعى أمها دون تركها للحظة، فلم تشارك في الاجتماع، لكنها خرجت قليلاً لأن الاختفاء التام غير ممكن.
“مرحبًا… مرّ زمن طويل، يا سمو الأميرة.”
“دوق إيفانوود الشاب. نعم، لقد مرّت فترة طويلة منذ اخر لقاء لنا.”
احمر وجه دانتيس أمام فانيسا و انحنى مرارًا.
كان رد فعله واضحًا جدًا.
نظر يورغن إلى ذلك و تساءل للحظة إن كانا في درجة قرابة تسمح بالزواج.
بعد التفكير، بدا أنه ممكن.
فازداد إزعاجه.
لو فاتته فانيسا، أو لو لم تستعد ذكرياتها أبدًا___
لكانت فانيسا قد تزوجت هذا الفتى لأسباب سياسية على الأرجح.
“تبدو بصحة جيدة. إذا كبرت أكثر، ستصبح قوي البنية.”
“ش… شكرًا. سموّ الأميرة لا تزال جميلة جدًا…”
كان واضحًا أن فانيسا تمدحه كمجاملة، لكن دانتيس كان صادقًا تمامًا.
كان الفتى يمدح فانيسا بقلب نقي خالٍ من الكذب.
راقب يورغن ذلك بابتسامة، ثم تدخل بينهما فجأة.
“كفى حديثا غير مفيد. لنعد الآن “
تراجع دانتيس مذهولًا ثم أصبح وجهه كئيبًا.
كان طفلًا لا يعرف كيف يخفي مشاعره.
لم تلاحظ فانيسا مشاعر الصبي -أو ربّما تجاهلتها عمدًا- و ودعته بهدوء، ثم مدّت ذراعيها نحو يورغن.
“ساقاي تؤلماني.”
“…”
شعر يورغن بديجافو و تذكر.
كانت فانيسا تفعل هذا دائمًا في طفولتها.
هي لا تفعل ذلك مع الآخرين، لكنها كانت تدلل عليه دائمًا : احملني، أطعمني، قم بتمشيط شعري… و طلبات كثيرة كهذه.
عندما استرجعها من تيريفرون في البداية… كان يعتني بها تلقائيًا.
يقشر لها البطاطس الساخنة، يضع دواء على جروحها من السقوط.
شعر بشعور غريب.
كانت تلكَ غريزة محفورة.
عادة معاملتها كطفلة صغيرة.
حمل يورغن الطفلة الكبيرة بسهولة و تنهد.
ضحكت فانيسا بسعادة و ضمت عنقه بقوة.
كانت عيناها الزرقاوان مليئتين بالحنان.
“رغمَ مشيكِ لمسافة قصيرة ، أنتِ تشعرين بالألم في ساقيكِ؟”
“لا أعرف. لا أستطيع استخدام قوة الحياة في كل شيء.”
كان يورغن يعرف أنها تتظاهر.
لكنه يتظاهر بتصديقها فقط.
لأن عينيها المليئتين بالتوقع كانتا لطيفتين.
مال يورغن برأسه و قبّـل شفتيها بلطف.
ضحكت فانيسا بخفة، ثم أمسكت خديه و قبلته لفترةٍ أطول.
“….”
وقف دانتيس ينظر إليهما مذهولًا.
تجاهلت فانيسا حزن الصبي ببراعة.
أغلقت عينيها و استنشقت رائحة الشخص الوحيد الذي يثير فيها مشاعر خاصة بعمق.
* * *
في الفجر التالي، بدأ الجيش المتحالف الهجوم.
فتحت أبواب سورينت بسهولة غير متوقعة دون إراقة دماء.
بفضل أن أكثر من نصف الجنود انقلبوا على ديكلان.
ذلك دليل على أن ديكلان فشل في السيطرة على المدافعين.
بالطبع كان هناك جنود يصفون الجيش المتحالف بـ”المتمردين” -و لم يكن ذلك خطأ- و يظهرون عداء تجاههم، لكن لم يجرؤ أحد على الهجوم أولاً.
لا عجب في ذلك.
كان يورغن يطلق قوته علنًا، و عيناه تحملان الوصمة، بينما يراقب المكان.
كان مخيفًا حتّى للحلفاء.
كان دوق إيفانوود ينظر إليه بقلق أحيانًا ثم يرتاح، كأنه يفكر “لحسن الحظ أنه إلى جانبنا”.
“المواطنون أيضًا… متعاونون.”
تمتمت فانيسا و هي تنظر إلى الشوارع الهادئة.
بينما كان الجيش المتحالف يتقدم نحو القصر، أغلق المواطنون أبوابهم و اختبأوا خلف الستائر يتجسسون.
قرأت فانيسا الخوف في عيونهم بسهولة.
كان مواطنو سورينت في الغالب من النبلاء ذوي المراتب الدنيا أو التجار أو الحرفيين.
كانوا يهتمون بحياتهم التي بنوها بجهد، و يريدون فقط انتهاء هذه الفوضى سريعًا.
بالطبع ، ساهمت كنيسة لافينسيا كثيرًا في إقناع المواطنين و الجنود.
كانت ثقة الشعب بلافينسيا أقوى مما يُتصور.
“إرادة الحكام السبعة”.
مجرد كلمة من كبير كهنة البانثيون -الذي نادرًا ما يظهر- كانت كافية لتأثير هائل.
“لقد وصلنا.”
عندما وصلوا أمام القصر، أبلغ دوق إيفانوود فانيسا بأدب.
رفعت فانيسا رأسها و نظرت إلى السماء حيث تتجمع السحب السوداء.
لم تكن السحب السوداء علامة جيدة أبدًا.
مع وجود ساسكيا مع ديكلان، لن يكون الأمر سهلاً.
لكن__
أمسكت فانيسا القوس المعلق على ظهرها.
على السور، كان علم ديكلان يرفرف : أسد يمسك تفاحة الوفرة بطمع.
شدت الوتر و وضعت قوة الحياة في السهم.
قامت بالتصويب نحو العلم المتمايل مع الريح.
تاك!
انطلق السهم و قطع الهواء و اخترق العلم.
أصاب عين الأسد بدقة.
انتشر الضوء الأبيض كالنار، لكنه كان كافيًا.
ابتسمت فانيسا بخفة و نظرت إلى الجيش المتحالف.
كان ذلك السهم الواحد كافيًا ليطرد التوتر و يرفع الهمم.
أخرجت الكلمات التي اتفقت عليها مع كبير الكهنة الليلة الماضية.
“إرادة الحكام السبعة معنا!”
انفجر الهتاف من كل جانب فورًا.
أخفت فانيسا إحراجها و شعور الذنب بصعوبة و أمسكت القوس من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 98"