كان من السهل إظهار التعبير الحنون، و النظرات، و الصوت.
كل ما يحتاجه هو استعادة نفسه السابقة التي قتلها بنفسه.
رودي الخاص بفانيسا.
“حتى الآن، كنتُ أسيء فهمكِ، يا فانيسا.”
“نعم…”
“أنا أصدق كلامكِ. تقولين إنكِ لم تتخلَّي عني أبدًا. و لم تخوني وعدنا و لو لمرّة واحدة.”
قبّـل يورغن جبين فانيسا التي أومأت برأسها.
مع تلاشي الارتباك تدريجيًا، ملأت مشاعر الامتلاء و السرور مكانه.
استطاع يورغن أن يؤكد في عينيها أنها لا تزال تعتبره ثمينًا.
لم يتغير شيء.
كل شيء كان سوء فهم.
علاقتهما ، و تفردهما ككائنين فريدين لبعضهما…
“…لو لم يتدخل والدكِ ، لكنا بقينا معًا دائمًا.”
تمتم يورغن بصوت كئيب، فارتعشت فانيسا.
بدت نبرته و كأنه يريد حفر قبر والدها لكسر رقبة هيكله العظمي.
لكن ابتسامته التالية كانت أكثر لطفًا و دفئًا مما يمكن تصوره.
“الوعد لا يزال ساريًا. أليس كذلك؟”
أمسك يديها و سأل.
كانت أيديهما متساويتين في الحجم يومًا ما، لكن يد فانيسا أصبحت الآن أصغر بكثير.
“نعم.”
أجابت فانيسا بطاعة.
انتشرت ابتسامة أعمق على شفتيّ يورغن.
شعر أن الفراغ الذي كان يشعر به مهما امتلكها ، قد بدأ يمتلئ قليلاً الآن.
بالطبع، لم يكن ذلكَ كافيًا لملء الفراغ تمامًا.
كلما رآها أو فكر فيها، شعر بمشاعر قوية لا تنتهي.
ربّما سيظل يتوق إليها طوال حياته دون أن يشبع.
“ابقي بجانبي حتى الموت.”
“…و أنتَ أيضًا.”
“نعم ، أنا أيضًا.”
أصبحت فانيسا الآن في قبضته تمامًا.
لا إيشيد لوينغرين ، و لا ليروي تيريفرون ، و لا أي أحد آخر يستطيع انتزاعها منه.
حتى هي نفسها لا تستطيع.
حتى لو فرّقنا الموت…
“…حتى بعد الموت ، أعطني روحكِ ، يا فانيسا.”
“نعم، خذها.”
أجابت فانيسا بلا مبالاة، و ضمته بذراعيها بقوة.
كأنها تريد أن تشعر بدفء جسده أكثر قليلاً.
تنهد يورغن و ضمها إليه.
لو استطاع ، لكان قد وضع وشمًا على روحيهما.
لئلا يفترقا أبدًا، لا في الموت و لا في الحياة التالية.
كان الشخص الذي في حضنه ثمينًا جدًا.
أراد فقط أن يُحفظ كما هو.
في هذه اللحظة.
و في وجودها معه.
* * *
لم يتوقف المطر حتى الليل، فاضطر الثلاثة إلى قضاء الليلة في منزل جوانا.
نام غارسيا في غرفة المعيشة، و جوانا في غرفتها، و فانيسا و يورغن في غرفة الضيوف الصغيرة الوحيدة.
كان شعورهما غريبًا و هما يتكدسان في غرفة أصغر من غرفة الفندق ذات السريرين التي ناما فيها سابقًا، و على سرير ضيق.
غطيا نفسيهما ببطانية واحدة و عانقا بعضهما بقوة.
كانا يتبدلان قبلات خفيفة من حين لآخر.
شعرت فانيسا بدغدغة في بطنها. فظلت تتحرك بأصابعها فقط، و هي تنتظر النوم بسرعة.
“ألا تستطيعين النوم؟”
سأل يورغن بصوت ناعس.
كان صوته منخفضًا و هادئًا و جميلًا، لكنه جعل قلبها يخفق بلا سبب.
أجابت فانيسا بتوتر خفيف:
“ربما أكلتُ كثيرًا في العشاء.”
“هل تشعرين بثقل في المعدة؟”
“فقط… قليل من الانتفاخ. سيزول قريبًا.”
لم تستطع فانيسا مواجهة عينيه الذهبيتين بعد الآن، فأدارت وجهها.
“همم.”
أصدر يورغن صوتًا منخفضًا من أنفه. كان ذا معنى عميق.
“…ماذا… تريد أن تفعل؟”
سألت فانيسا بعينين متسعتين و قلق واضح ، فرفع يورغن جانب فمه بابتسامة.
عندما ابتسم هكذا، بدا وجهه الوسيم مذهلاً إلى درجة تسلب الأنفاس.
“مجنون”
لم يفوّت يورغن الفرصة، فالتهم شفتيها في لحظة.
لم يستمع إلا شكواها بعدم فعل شيء كهذا في منزل شخص آخر ، فاستسلمت فانيسا له في النهاية.
* * *
استيقظت فانيسا في الصباح المتأخر من اليوم التالي.
بينما كانت تأكل الطعام الذي أعدته جوانا، راقبت نظرات صاحبة المنزل بحذر شديد.
يبدو أن يورغن تولى تنظيف آثار ما حدث الليلة الماضية بينما كانت نائمة.
“لحسن الحظ ، توقف المطر في الفجر. تناولوا طعامكم جيّدًا ثم انطلقوا.”
ابتسمت فانيسا و أومأت برأسها، ثم أكملت أكل البيضة المسلوقة و هي تشعر بالارتياح الداخلي.
بعد أن شبعوا، استعد يورغن و فانيسا و غارسيا لمغادرة الغابة.
بما أن الأرض أصبحت موحلة بعد المطر، أعطتهم جوانا أحذية طويلة الرقبة.
كان ذلك كافيًا ليشكروها، لكنها أعدت لهم أيضًا حقيبة ظهر تحتوي على طعام جاف و ماء، و معطفًا دافئًا من الصوف الرقيق.
اقتنعت فانيسا حقًا أن جوانا قديسة.
“أتمنى أن نلتقي مرة أخرى. شكرًا جزيلًا على كل شيء. نحن مدينون لكِ كثيرًا.”
“لا شكر على واجب. فعلتُ فقط ما أوكلته إليّ الجدة. أتمنى التوفيق لسمو الأميرة في مستقبلها.”
انحنت جوانا بلطف حتى النهاية.
مشـت فانيسا على طريق الغابة و هي تلتفت خلفها بين الحين و الآخر.
أصبحت جوانا و بيتها الخشبي صغيرين كحجم إصبع.
‘يجب أن أشكر جوانا بشكلٍ لائق لاحقًا.’
لولاها، لكانت قد ماتت من البرد في الغابة تحت المطر.
و لما عرفت الحقيقة عن الماضي، و لما استعادت ذكرياتها بهذه السرعة.
بعد حل مشكلتيّ ديكلان و ساسكيا… سيأتي الوقت المناسب بالتأكيد.
حينها ، ستزور جوانا و هي محملة بهدايا كثيرة تناسبها و تفيدها.
كانت العودة إلى بانثيون سورينت سلسة جدًا مقارنة بالمعاناة السابقة.
وصل الثلاثة إلى وجهتهم بعد ساعتين فقط.
* * *
“يبدو أنكِ تريدين الموت جوعًا حقًا.”
“…..”
نظر ديكلان إلى غلينا المتكورة في زاوية الغرفة بنظرة باردة.
ارتعشت غلينا من البرودة التي تنبعث منه.
كانت تخاف أن يفعل بها أسوأ من مجرّد الحبس.
“غلينا. لا يجوز تفويت الوجبات. سيضر ذلك بجسدكِ.”
صوته الحنون جعلها تقشعر فقط.
لم ترغب في رؤيته، و لا سماع صوته، و لا لمسه.
تمنت لو لم يكن موجودًا في العالم.
“انهضي. لا تبقي هنا، اذهبي و استلقي على السرير.”
مد ديكلان ذراعيه ليحملها، فارتعبت غلينا بشدة.
تكورت أكثر و نظرت إليه بعينين مليئتين بالرعب.
توقف ديكلان عن الحركة و حدق فيها، و قد بدأ مزاجه يصبح باردًا أكثر فأكثر.
التعليقات لهذا الفصل " 96"