لم يتوقف المطر عن الهطول أبدًا.
تبعتها جوانا بسرعة و أدخلت الاثنين، بل الثلاثة ، إلى الداخل على عجل.
نعم. كان غارسيا إلى جانب يورغن أيضًا.
لم تلاحظ ذلك لأن عينيها لم تريا سوى يورغن في كل مرمى البصر.
ابتسمت فانيسا بإحراج و سلّمت على غارسيا أيضًا.
“من الجيد أنكِ بخير، يا دوقة.”
“تبدو و كأنك ستموت من الالتهاب الرئوي…”
“لا… لا تتحدثي بكلام مشؤوم هكذا… كح كح!”
بخلاف يورغن الذي بدا طبيعيًا تمامًا ما عدا برودة جسده، كان وجه غارسيا شاحبًا و شفتاه زرقاوين.
لا عجب في ذلك، فقد تجول في الغابة تحت المطر الشتوي.
هزّت فانيسا رأسها بأسف.
بعد قليل، ألقت جوانا بمنشفة جافة نحو غارسيا.
ثم حملت منشفة أخرى و اقتربت من يورغن.
ضغطت على كتفيه ليجلس على الكرسي، و بدأت تجفف شعره المبلل بالمطر.
مسحت وجهه و رقبته حتى أصبحت المنشفة مبللة تمامًا.
حدّق يورغن فيها للحظة، ثم نهض و أخذ منشفة أخرى وضعتها جوانا على الطاولة.
هذه المرة، جفّف يورغن شعر فانيسا و مسح جسدها المبلل.
“غيروا ملابسكم أنتم الثلاثة.”
كانت جوانا مشغولة جدًا ؛ تضيف حطبًا إلى المدفأة و تغلي الشاي الساخن.
اقتربت مرة أخرى و قالت ذلك ، وفي يديها ملابس رجالية.
سلّمتهما إلى يورغن و غارسيا، ثم أخذت فانيسا إلى الغرفة.
الثوب الذي أعطته جوانا بعد إغلاق الباب كان قميصًا سميكًا و ثوبًا تحتيًّا طويلاً يصلح للدفء.
جففت فانيسا ما تبقى من رطوبة على جسدها بالمنشفة، ثم غيّرت ملابسها. ارتدت القميص ثم الثوب فوقه.
كان الجزء العلوي يُربط من الأمام و ليس من الخلف، فاستطاعت ارتداءه لوحدها، لكن جوانا أصرت على مساعدتها.
بعد الانتهاء من اللباس، وقفت فانيسا أمام المرآة كعادتها.
لو أضافت غطاء رأس بسيطًا، لأصبحت تبدو تمامًا كامرأة ريفية عادية.
‘بهذا الجمال، إذا عشتُ بصفتي من العامة، ستكون حياتي التي هي أصلًا صعبة أصعب بكثير.’
خطر لها ذلك فجأة، أطلقت ضحكة خاوية.
عندما فتحت الباب و خرجت، كان الاثنان الآخران قد انتهيا من تغيير الملابس أيضًا.
جمعت جوانا ملابس فانيسا المبللة في سلة الغسيل التي تركتها أمامهم.
“اجلسوا على الأريكة.”
قالت ذلك ثم حملت السلة و ذهبت، و عادت سريعًا و قدّمت لهم الشاي الساخن.
فكرت فانيسا للحظة أن جوانا هي القديسة هنا.
“مياووـ”
في تلك اللحظة، ظهر القط مارشميلو من جهة المطبخ و اقترب نحوهم بخطوات سريعة.
كان ذيله مرفوعا قليلاً و منحنٍ في النهاية. كان يبدو سعيدًا جدًا.
مدّ مارشميلو قدميه أمام المدفأة و تمدد، ثم قفز على حجر يورغن.
نظر يورغن إلى القط الذي جعله وسادة فجأة بتعبير مذهول.
استلقى مارشميلو براحة على فخذه و بدأ يلعق كفّيه الأماميين.
أصبحت كفوفه الوردية مبللة سريعًا.
“يبدو أنه تعرف على أحد أقربائه.”
عندما قالت فانيسا ذلك بهدوء ، رفع يورغن حاجبه كأنه يقول “ما الذي تقصدينه؟”
تظاهرت فانيسا بعدم الاكتراث و شربت الشاي بهدوء.
ثم لمست الكوب بأصابعها و سألت بخفة:
“كيف الوضع؟ أمي…”
“عانت من نوبة، لكنها تجاوزت الخطر. لا تقلقي كثيرًا.”
“لحسن الحظ… و غلينا…”
“… ربّما هي في قبضة ديكلان.”
“…”
وضعت فانيسا الكوب الخزفي الثقيل على الطاولة و عضّت شفتيها بقوة.
ثم اخذت تمسح وجهها.
أغلقت عينيها و دفنت وجهها في كفيها للحظة، ثم تنهدت و رفعت يديها.
شعرت و كأن حجرًا يُدعى القلق يضغط على صدرها بثقل.
قالت بصوتٍ و هي تحاول كبح حزنها الشديد:
“عندما يتوقف المطر… علينا أن نعود بسرعة.”
“…حسنًا.”
لا يمكن ترك غلينا هكذا.
يجب إنقاذها من ديكلان بأي ثمن.
يجب عليها ألا تتأخر.
عضّت فانيسا شفتها السفلى بقلق.
“توقّفي عن ذلك. إذا استمررتِ، ستجرحين شفتيك.”
أمسك يورغن بذقنها و قال ذلك، ففتحت فانيسا عينيها بدهشة.
كان من المدهش أنه يعرف هذه العادة التي لم تكن تعرفها هي نفسها.
لكن في الوقت نفسه، بدا الأمر طبيعيًا.
رودي… لا ، يورغن.
كان دائمًا هكذا منذ الطفولة.
لم يرفع عينيه عنها أبدًا.
ما تحبه و ما تكرهه، عاداتها الصغيرة، طريقة كلامها…كل ما يحتاج إلى انتباه دقيق ليُلاحظ.
أنتَ تعرف كل شيء.
مع موجة العواطف التي ارتفعت مجددًا، مدّت فانيسا ذراعيها و أمسكت يورغن الجالس بجانبها بحماس.
“…ماذا…”
تفاجأ يورغن ، فأطلق صوتًا قصيرًا فقط و تجمد كجذع شجرة.
لم تهتم فانيسا برد فعله، بل شدّت ذراعيها أكثر.
ربما بسبب تأثير استعادة الذكريات المفقودة بشكل درامي ، كانت عواطفها متقلبة و اندفاعية جدًا.
خرجت الكلمات من فمها دون تصفية.
“في الحقيقة، أنتَ لم تكن تكرهني قطّ.”
“…..”
“لقد كنتَ تشتاق إليّ، أليس كذلك؟ شعرتَ بالحنين إلي؟ لكن تلك المشاعر كانت تؤلمكَ كثيرًا، لهذا غطيتها بالكراهية. رودي، أنا…”
سخنت زوايا عينيها كالعادة.
تدفقت مشاعر الظلم و الحزن و الحنين.
حاولت فانيسا عدم البكاء و فركت خدها في ثوبه.
وصل إليها نبض قلبه السريع و الثقيل.
“لا أفهم كيف عشتُ حتى الآن بدونكَ. لو استعدتُ ذكرياتي أسرع قليلاً… لتغيّر الكثير حقًا.”
لم تكن نسختها التي فقدت ذكرياتها كاملة أبدًا.
الآن فقط، بعد استعادة الذكريات، استطاعت فانيسا التأكد.
كم عاشت ناقصة حتى الآن.
و كم هي الآن كاملة.
“أنتَ لا تعرف كم كرهت الزواج من ليروي حتى الموت.”
“أنتِ…”
“لو كنتَ أنت فقط بجانبي ، لكنتُ ذهبتُ معكَ إلى أي مكان. لم أكن لأهتم بالعائلة الملكية و لا بأي شيء آخر….”
أصبح نبض قلب يورغن مضطربًا و مشوشًا.
رفعت فانيسا رأسها و نظرت إليه.
الريبة التي مرت في عينيه الذهبيتين.
عندما التقت أعينهما، تحولت تلك الريبة إلى يقين تقريبًا.
“…هل… استعدتِ ذكرياتكِ؟”
سأل بصوت يحمل رجفة خفيفة.
ابتسمت فانيسا بتعب و دموع في عينيها و أومأت برأسها.
فجأة، اجتاحت عينيّ يورغن عواصف من المشاعر الشديدة.
الارتباك ، الاندفاع ، الشوق ، الهوس…
كانت خليطًا من مشاعر لا يمكن وصفها بكلمة واحدة.
بالنّسبة إليه ، كانت هي دائمًا مصدر مشاعر كبيرة و معقدة لا يستطيع تحملها.
“أنا… لم أتخلَّ عنكَ…”
أمسكت فانيسا بثوبه بيديها الصغيرتين و قالت ذلك كأنها تتوسل.
“أبي… جعل ساحرة تغسل دماغي. لأنسى ذكرياتي عنكَ.”
روت فانيسا ليورغن كل الحقيقة التي عرفتها من خلال هوية جوانا و الكرة البلورية التي احتفظت بها.
بكت أحيانًا، و توقفت أحيانًا أخرى.
استمع يورغن بهدوء طوال حديثها ، و عندما انتهت ، مد يده و مسح خدها المبلل.
“كل ذلك حقيقي…”
“…نعم.”
“لم أتخلَّ عنكَ أبدًا. كيف أتخلى عنك؟”
شعرت فانيسا بالاغتراب عن نفسها التي عاشت و هي تنساه.
كأنها لم تكن هي طوال تلك الفترة.
كان وجوده قويًا إلى هذه الدرجة لدرجة أنها شعرت بهذا الاضطراب.
“هل… تصدقني؟”
“أنا أصدقكَ.”
“الآن… لا تعادِني بعد الآن…”
“لن أعاديكِ.”
تنهد يورغن و ضمها إليه.
كانت مشاعر قديمة متراكمة.
الآن ، بعد كل هذا الوقت ، أصبحت ملتصقة بقلبه لدرجة لا يمكن التخلص منها بسهولة.
لذلك ، فكر فجأة أنه يجب تغيير اتجاه هذه المشاعر.
بما أنها لن تختفي تمامًا ، فلا بد من توجيهها نحو هدف آخر.
المشكلة أن الشخص المعني قد مات بالفعل.
“كنت أعرف أن والدكِ يكرهني.”
“…لم أكن أعرف.”
“ذلك بديهي، لأنه لم يُظهر ذلك أمامكٓ.”
“لم أتخيل أبدًا… أن أبي سيذهب إلى حد محو ذكرياتي.”
حتى يورغن نفسه لم يتوقع ذلك.
والد فانيسا الذي كان يحب ابنته حبًا جنونيًا، بل لجأ إلى غسل دماغها حتّى.
هل كان يريد فصلها عنه إلى هذه الدرجة؟
ظهرت ابتسامة حادة و قاسية على شفتيّ يورغن.
إيشيد لوينغرين كان قد مات بالفعل.
هل هناك طريقة للانتقام من شخصٍ ميت؟
عادةً لا توجد.
لكن___
إذا كان هناك طريقة للانتقام من أبٍ أحب ابنته إلى حد الجنون ، فهي موجودة هنا بالضبط.
أمسك يورغن كتفيّ فانيسا و أبعدها عنه قليلاً ليلتقي بعينيها عن قرب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة كالشتاء، لكنها في الوقت نفسه حنونة كأنها مرسومة بعناية.
التعليقات لهذا الفصل " 95"