استردّتْ فانيسا أنفاسها ببطء، و هي تحتسي الشاي الدافئ الذي أعدّته جوانا. أومأتْ برأسها موافقة على سؤالها.
كانتْ كشخصٍ اجتاحته موجة عاتية ثمّ نجا بأعجوبة بينما ، يزال يفتقد التوازن.
كان هناك فراغ هائل داخلها لم تكن تعلم بوجوده. عندما أدركته، اجتاحها شعور بالفقدان المرير.
عادتْ قطع الأحجية المفقودة إلى مكانها، و اتّصل الماضي المنقطع، فأصبح وجودها كاملاً أخيرًا.
لم تعدْ نصف شخص ينسى رودي.
و لهذا السبب بالذات…
كان شعور الخيانة لا يوصف.
‘أبي… لماذا…’
ارتجفتْ يدها التي تمسك الكأس الدافئ.
رغمَ علمها أنّ صوتها لن يصل إلى والدها المتوفى، كرّرتْ اللوم في قلبها بلا نهاية.
كيف استطعتَ فعل ذلك بي؟
كنتَ تعرف كم كان رودي عزيزًا عليّ، فلماذا…
ما الذي فعله رودي… يورغن، ليستحقّ هذا؟
“… الفتى الذي كان معكِ في العاصمة… هو الآن دوق دريك، أليس كذلك؟ لا بدّ أنّه ظلّ يسيء فهمكِ طوال الوقت.”
أومأتْ فانيسا برأسها و هي تتنهّد عند سماع كلام جوانا الحذر.
جعلها والدها تنسى كلّ المشاعر الثمينة، الروابط، الذكريات التي بنتها مع رودي.
ثمّ قام بطرد رودي و كذب عليه قائلاً: “فانيسا تخلّتْ عنكَ، لم تعدْ تريد رؤيتكَ، لقد سئمتْ منكَ أخيرًا.”
كانتْ الحقيقة التي عرفتها من ذكريات العجوز المحفوظة في الكرة.
حاول رودي مقابلتها شخصيًا ليتأكّد.
في اليوم الذي غادرتْ فيه العاصمة. حينها… لم تتعرّف عليه. اعتقدتْ أنّه مجرّد متسوّل قذر يطلب مالا. لأنّها كانتْ قد فقدتْ ذكرياتها.
‘ظنّ أنّني تجاهلته عمدًا. ظلّ يسيء فهمي طوال الوقت. كان يظن أنّني تخلّيتُ عنه…’
كلّما فكّرت في الأمر، ازداد شعورها بالظلم و الحزن، فانهمرتْ دموعها مجدّدًا.
أنا لم أتخلَّ عنك.
كنتَ شخصًا ثمينا جدًّا لي…
كان ذلك يومًا ربيعيًّا.
في جنوب قارة أسترا كانت الزهور تتفتّح، أمّا الشمال فكان باردًا كأنّ الشتاء لا ينتهي أبدًا.
صُدمتْ فانيسا البالغة من العمر أحد عشر عامًا من منظر الشمال القاحل.
كانتْ أميرة لم ترَ سوى الجمال طوال حياتها، فكانت صدمتها أكبر.
في ربيع الشمال القاسي ذاك، وجدته.
كان مصابًا بجروح كبيرة لا تُطاق لطفل في حجمه، و هو يحتضر.
شعرتْ أنّها يجب تنقذه.
إذا تركته يموت هكذا، ستندم بشدّة…
كان قلقًا غير مفهوم. لم تكن تعرفه، لم تتحدّث معه من قبل، كان طفلاً غريبًا تمامًا…
[لماذا… أنقذتِني! مَنٔ أنتِ أصلاً!]
[اهدأ و كُـلْ أوّلاً.]
[ابتعدي!]
في الأيّام الأولى، كان كقطّة شرسة لم تروّض. كان رودي عبد قتال، لذا كان حذرًا جدًّا.
شعرتْ فانيسا، و هي تعتني بالقطّة الجريحة التي كادتْ تموت، بشعور لا يوصف.
عندما بدأ رودي يخفّف حذره و يقترب منها أوّلاً، نبت في قلبها برعم يُدعى التعلّق.
نمـا ذلك البرعم مع الوقت الذي قضياه معًا.
[أنتِ غريبة حقًّا.]
[لماذا؟]
[لماذا تلعبين معي؟ أنتِ من العائلة الملكيّة.]
[سواء كان عبدًا أو فردًا من العائلة الملكية ، كلاهما بشر.]
[لهذا السّبب بالذات طريقة تفكيركِ غريبة]
عندما أزال رودي حذره تمامًا، اقتربا بسرعة
أينما ذهبا، مهما فعلا، كانا دائمًا معًا.
يأكلان معًا، ينامان معًا.
بل إن أصرتْ فانيسا حتّى على غسله بنفسها.
[مجنونة؟ لماذا تغسلينني أنتِ!]
[مرّة واحدة فقط، ألا يمكنني فعل ذلك؟]
[لا! ابتعدي!]
رغم اقترابهما من بعضهما، ظلّتْ طباعه الشرسة موجودة، و كانا يتشاجران دائمًا.
لكنْ حتّى ذلك كان جميلاً.
كانا يتشاجران بخفّة دون جدّيّة، و قد سمح لها رودي أن تعانقه و تنام.
[لنذهب معًا إلى العاصمة. يقولون إنّ هناك فيلا رائعة.]
عندما تحسّن رودي تقريبًا، أخذته فانيسا إلى العاصمة. في فيلا العاصمة، أصبحا أقرب بكثير. من الاستيقاظ صباحًا إلى النوم ليلاً، لم يفترقا لحظة.
أصبح عالم فانيسا مملوءًا برودي.
كلّما زاد حضوره، كانت تشعر برضا هائل.
شعرت بالكمال.
شخص سيُمسك يدها مهما حدث.
شخص لا يستطيع العيش بدونها، شخص اعتنت به هي بنفسها.
كل إنسان مسؤول تجاه الشخص الذي يعتني به.
لذا، تحمّلتْ فانيسا مسؤوليّته بالكامل . و كانتْ سعيدة بذلك.
امتلاك شخص و رعايته يملأ فراغ الوحدة الأساسيّة تمامًا.
يولد كلّ إنسان وحيدًا.
لا العائلة ، و لا الأصدقاء ، و لا المعلّم الموثوق ، يمكنهم أن يحققوا الفهم الكامل للذات.
وحدة الكائن المفكّر الوحيد لا يمكن تخفيفها إلّا بالحبّ الذاتيّ.
لكنْ إذا ظهر يومًا ، بالصدفة ، شخص يملأ وحدة الوجود…
لا يمكن وصفه إلّا بالمعجزة.
هديّة كبيرة من الحياة.
بالنسبة إلى فانيسا، كان رودي ذلك الشخص.
لذا، كان حبّهما لبعضهما يشبه الحبّ الذاتيّ. أحبّته كما تحبّ نفسها. حدّدته مع ذاتها.
أصبح عالم فانيسا مكوّنًا من رودي. مكتملاً. و عالم رودي كان فانيسا فقط.
كان ذلك حقيقة مطلقة لا تتغيّر.
[لا يجب أن تتخلّي عنّي.]
[لن أتخلَّى. كيف أتخلَّى عنكَ؟]
[عديني.]
[لن أتخلَّى عنكَ أبدًا. أنا أعدكَ]
كان العالم ممتعًا و قاسيًا و مخيفًا بالنّسبة إلى فانيسا، لكنْ بعد الوعد بالبقاء مع رودي إلى الأبد، لم يعد مخيفًا.
مهما حدث، طالما يبقى بجانبها__
كان تبدو و كأنّها قادرة على هزيمة التنين القديم الذي يجمّد أرض الشمال.
[لننـم معًا حتّى عندما نكبر.]
[… حسنًا.]
[عندما ننام نحن نفترق قليلاً ، لهذا أشعر بالأسف. لو ظهرتَ في أحلامي…]
[نامي سريعًا ، فانيسا. لا يجب أن تستيقظي متأخرة غدًا.]
[نعم…]
كانت سعيدة جدًّا. كلّ شيء كان مثاليًّا.
حتّى خسرته قسرًا.
* * *
قرّرتْ فانيسا المبيت ليلة أخرى في منزل جوانا.
كان عليها العودة بسرعة، لكنّ المطر الغزير أوقفها.
“هل أنتِ قلقة؟”
“نعم؟ آه… نوعًا ما.”
أجابتْ فانيسا بصراحة على سؤال جوانا، ثمّ عادتْ تنظر إلى الأمام.
من خلف النافذة، كانت الغابة تحت المطر الغزير. قطرات المطر السميكة تضرب الزجاج، فبدت المناظر مشوّشة كأنّ طلاء أخضر سال عليها.
“لكنْ إذا كان الأمر يتعلق بيورغن… فهو بالتأكيد سيتعامل مع الأمر بمفرده. إنّه شخص مذهل.”
كانت تثـق بـه. كانت قلقة جدًّا على غلينا و والدتها ، و تشعر بتوتر شديد ، لكنّ ثقتها بيورغن كانت صلبة رغم ذلك.
ساسكيا باغتته فقط… لكنّ ديكلان لن يكون خصمًا له على أيّ حال.
الآن ، ربّما وصل الخبر إلى الإمبراطور… و بانثيون سورينت أرسلتْ رسولاً إلى مملكة لافينسيا المقدسة.
و كذلك دوق إيفانوود. ذلك العجوز سيدرك أنّ الوقت مناسب الآن بعد إنقاذ الملكة الأرملة، و سيجمع قواه.
تتّجه مجريات الأمور نحو خلع ديكلان. كالماء الجاري بقوّة ، لا يمكن إيقافه. كلّ شيء يبدو طبيعيًّا.
مهما ناضل ديكلان ، لن يفلت من عقاب السبب و النتيجة.
إنها مسألة وقت فقط.
“… لكنّ ما يقلقني…”
هل يبحث يورغن عنّي دون انتظار؟
لو انتظرني و وثـق بي لكان ذلك أفضل.
لكن إذا كان نفس الشخص الذي أعرفه ، فسيأتي إلى هذه الغابة و يبحث عني.
في هذا المطر الغزير… أتمنى ألا يكون يتجوّل في الغابة الآن.
حدّقتْ عينا فانيسا الزرقاوان الداكنتان في الغابة المشوّشة بالمطر بعناد. كأنّها تأمل رؤية شيء ما.
في تلك اللحظة__
“….؟”
“صاحبة السموّ؟”
… هل هي تتخيل؟
لكنها بالتأكيد رأتْ ظلّ شخص__
“…..”
“صاحبة السموّ!”
أمسكتْ جوانا بها، لكنْ فانيسا ركضتْ خارجًا دون الالتفات.
خفق قلبها بقوّة.
ضربتْها قطرات المطر الغزيرة بعنف.
خلال ثوانٍ قليلة، أصبحتْ مبلّلة تمامًا.
كفأر مبلّل، ركضتْ نحو الرجل الذي كان أكثر بللاً منها، كالمجنونة.
“مجنون؟!”
صاحتْ بقوّة.
رذاذ الطين لوّث حذاءها و تنورتها، لكنّها لم تهتمّ.
“كيف تتجوّل في الغابة في مثل هذا الطقس!”
مع صرختها القلقة ، اقتربتْ منه بخطوات واسعة. مدّتْ ذراعيها لتمسكه ، فأمسكت يده الكبيرة بذراعها.
ثمّ جذبها دون مقاومة ، فسقطتْ في حضنه الذي كان دائمًا دافئًا، لكنّه الآن بارد.
“هل فقدتَ عقلكَ… في هذا المطر…”
“فانيسا.”
“حتّى لو كنتَ محميًّا، هذا مبالغ فيه!”
“فانيسا…”
احتضن يورغن فانيسا بقوّة، و دفن رأسه في كتفها. استنشق رائحتها العطرة بعمق في رئتيه.
مع شعور الارتياح الذي أرخى جسده كلّه، هدأ الجنون الذي كان يعصف به تدريجيًّا.
“… كنتُ أعرف أنّكِ ستكونين بخير.”
“كان يجب أن تنتظر… لماذا…”
“أنتِ دائمًا ما تنجين بشراسة.”
“هل هذه إهانة؟”
“إهانة؟ بل هو ثناء على عنادكِ للبقاء على قيد الحياة.”
لذا ، منذ زمن بعيد ، بدوتِ لامعة جدًّا― همس و هو يبتسم.
التعليقات لهذا الفصل " 94"