تساءلتْ فانيسا في سرّها: من هذه المرأة؟ لماذا تعيش وحدها في مثل هذا المنزل الخشبيّ؟
بدأتْ بالسؤال الأساسيّ:
“ما اسمكِ؟”
“اسمي جوانا، صاحبة السموّ الملكيّ.”
أجابتْ المرأة بتواضع دون تردّد. أجلستْ فانيسا في كرسيّ مريح أمام المدفأة، ثمّ غطّتْ ركبتيها ببطانية.
“مياو…”
سمعتْ صوت قطّة من مكانٍ ما.
التفتتْ فانيسا فرأتْ قطّة ثلاثيّة الألوان بعيون كهرمانيّة تقترب بخطوات خفيفة، و ذيلها مرفوعًا بشكلٍ مستقيم.
“مياو.”
“اسم هذه الصغيرة مارشميلو.”
نظرتْ جوانا إلى القطّة و قدّمتها. قفزتْ مارشميلو فجأة و استقرّتْ على حجر فانيسا.
“خررر…”
ضغطتْ بمخالبها الأماميّة على فخذ فانيسا و أصدرتْ صوتًا مريحًا.
يبدو أنّها قطّة ودودة مع البشر.
داعبتْ فانيسا رأس القطّة بلطف.
“هذا المكان داخل غابة المتاهة، أليس كذلك؟”
“نعم، صحيح. إنه جزء عميق من الغابة لا يجده الناس العاديّون.”
“… لماذا تعيشين وحدكِ في مكان كهذا؟”
“جدّتي الراحلة بنت كوخًا هنا بالضبط و عاشتْ فيه. بعد وفاتها، هدمتُ الكوخ و بنيتُ هذا المنزل الخشبيّ مكانه.”
“جدّتكِ…”
ربّما هي الساحرة العجوز.
الظروف تشير إلى ذلك بقوّة.
و الآن، بعد التفكير في الأمر، عينا جوانا الطيّبتان تشبهان عينيّ العجوز.
لاحظت جوانا نظرة فانيسا المتفحّصة لها، فابتسمتْ بلطف و قالت:
“جدّتي شخص تعرفينها يا صاحبة السموّ. هل تتذكّرينها؟”
“نعم.”
أومأتْ فانيسا برأسها، مقتنعة نصف اقتناع أنّ جوانا حفيدة العجوز.
“كانتْ جدّتي على صلة وثيقة بالملك السابق للوينغرين. كان يعاملها كمعلّمة. و كان يطلب منها أمورًا كثيرة أحيانًا.”
في تلك اللحظة، أيقنتْ فانيسا أنّ جوانا تعرف بالفعل سبب قدومها إلى هذه الغابة.
و لم تكن مخطئة.
خرج من فم جوانا تلميح واضح:
“أنتِ تبحثين عن ذكرياتكِ المفقودة، أليس كذلك، صاحبة السموّ؟”
حدّقتْ فانيسا في جوانا بعينين ثاقبتين، ثمّ سألتْ:
“هل هناك طريقة؟ هل سمعتِ شيئًا من جدّتكِ…؟”
“بالطبع. تنبّأتْ جدّتي أنّكِ ستأتين يومًا ما.”
“هيّا.” نهضت جوانا على أطراف أصابعها و أخرجتْ صندوقًا خشبيًّا من أعلى الرفّ العالي.
وضعته على الأرض و جلستْ أمامه.
تقدّمتْ الأمور بسرعة غير متوقّعة، فتابعتْ فانيسا المشهد مذهولة.
“أوّلًا، من الضروريّ أن تتأكّدي بنفسكِ ممّا حدث لكِ في الماضي.”
فتحتْ جوانا الصندوق بمفتاح معلّق في عنقها.
داخل الصندوق، كانت توجد كرة كريستال مستديرة مغلّفة بالمخمل.
رفعتْ جوانا الكرة بكلتا يديها و اقتربتْ من فانيسا، ثمّ شرحتْ بلطف و ابتسامة:
“كانتْ جدّتي، بصفتها ساحرة، متخصصة في التأثير على العقل. و على ما يبدو ورثتُ ذلك منها.”
“…..”
لم تذكر جوانا والدتها، فلا بدّ أن هناك قصة ما خلفها. أومأتْ فانيسا برأسها لتُظهر أنّها تستمع.
“بدأتْ بعض الذكريات تظهر تدريجيًّا منذ فترة، أليس كذلك؟ في البداية شعرتِ بالغرابة، و ربّما بالصداع أيضًا.”
كان ذلك صحيحًا تمامًا.
بعد سقوط تيريفرون و لقاء يورغن، بدأ الصداع يعذّبها، و ظهرتْ ذكريات غريبة كأنّها ليست لها.
ثمّ خفّ الصداع تدريجيًّا، و أصبحتْ تلك الذكريات مألوفة فجأة. كأنّ جدول ماء خارجيّ اندمج في بحيرة بهدوء___
“الصداع، الأحلام، كلّها علامات على عودة ذكرياتكِ المفقودة. حتّى لو لم تأتِ إليّ، لكنتِ استعدتِها خلال أشهر قليلة. لكن… من الأفضل التأكّد من الحقيقة بشكلٍ واضح و كامل.”
وضعتْ جوانا الكرة في يدي فانيسا.
لمعتْ الكرة الكريستاليّة الشفّافة بلمعان خافت تحت ضوء الفجر.
حدّقتْ فانيسا فيها كالمسحورة، فسمعت صوت جوانا يتابع:
“لا تنزعي نظركِ عن الكرة، و ركّزي ذهنكِ. الآن… سأكشف لكِ حقيقة الماضي.”
صبّتْ جوانا طاقتها السحريّة في الكرة، فأضاءتْ ببريق ساطع. ظهر في داخلها شخص ما.
مذهل، كان والدها.
“أ…؟”
“ركّزي، يا صاحبة السموّ.”
حدّقتْ فانيسا بعينين واسعتين كما طلبتْ جوانا.
أصبحتْ الصورة في الكرة أوضح تدريجيًّا، ثمّ بدأتْ الأصوات تُسمع. أدركتْ فانيسا أنّها ذكريات شخص ما.
“هذه ذكريات جدّتي. قامت بحفظها في الكرة لتُظهرها لكِ يومًا ما.”
أصبحتْ الأصوات واضحة.
أصغتْ فانيسا بكلّ تركيز إلى حوار جرى في الماضي بين والدها و العجوز.
[هذا الطفل شؤم. سيفسد ابنتي حتمًا. انظري إلى عينيه. إنها دليل قويّ على أنّه ورث دم دريك الملعون بشدّة…]
استدار والدها، فظهر خلفه فتى محبوس في قفص حديديّ.
تعرّفتْ فانيسا عليه فورًا. رودي… الطفل يورغن الذي أطلقتْ عليه هذا الاسم.
كان منحنيًا و هو يحدّق في والدها بعيون حمراء كالدماء. رغم صغر سنه، كانت هيبته غير عاديّة.
[عيون حمراء… ربّما يحمل قوّة اللعنة. لكنّه لا يزال طفلاً. يبدو أنّ جلالتكَ تقلق مبكّرًا.]
[لا، ليس كذلك. اسمعي، يا معلّمتي. قبل أسبوع، رأيتُ كابوسًا مريعًا. تنين أسود بعيون دمويّة ابتلع فانيسا. هذا الحلم نبوءة بلا شكّ.]
ثمّ أمر والدها الخدم بدخول القفص و جعل رودي يغمى عليه.
وبّختْ العجوز والدها، لكنّها لم ترَ شيئًا سوى خوفه.
قاد والدها العجوز إلى مكان ما. صعدوا درجًا مظلمًا و فتحوا بابًا، فانبعث نور ساطع.
تعرّفتْ فانيسا على الغرفة المألوفة. كانت فيلا العاصمة.
[أرجوكِ، امسحي ذكريات ابنتي و اغسلي دماغها. اجعليها تنسى الفتى في الطابق السفلي تمامًا… هذا السبيل الوحيد لحماية فانيسا.]
[… يا جلالة الملك، ما هذه المبالغة؟ الفتى الذي في الأسفل مجرّد طفل. رغم أنّه صغير تنين، لكن إذا ربّيته جيّدًا بجانبها…]
[لا، لا يمكن ترويضه. أعرف جيّدًا أصحاب هذه العيون. ليس مجرّد لون أحمر. “رودي” مهووس بفانيسا بشكلٍ غير طبيعيّ. علاقتهما غريبة من البداية. إنها علاقة مرضيّة. لا، لا… لا أستطيع السماح لفانيسا بالوقوع في مثل هذه العلاقة المجنونة.]
[ما الذي حدث بالضبط…]
تغيّرتْ الصورة فجأة، و ظهرتْ فانيسا. رأتْ نفسها و هي طفلة تحدّق بذهول و ترمش بعينيها، فشعرتْ بشعور غريب.
[أنا آسفة، أيتها الأميرة التعيسة. إرادة الملك صلبة، فلا خيار آخر لدي…]
[ماذا تقصدين؟ ما الذي أمر أبي به؟]
[… أيتها الأميرة، إذا شككتِ يومًا…]
‘آه…’
كأنّ كلمات العجوز أشعلتْ شرارة، عادتْ الذكريات المنسية تدريجيًّا بوضوح.
فجأة، اجتاحها صداع يشقّ الرأس. أسقطتْ الكرة و أمسكتْ رأسها. تردّد صوت جوانا المذعور بعيدًا كصدى.
التعليقات لهذا الفصل " 93"