اعتمد فرسان عائلة دريك على مشاعل ليتقدّموا في الظلام الذي لا يُرى فيه شيء أمام الوجه.
لكنْ عينيّ يورغن كانتا تلمعان في الظلام، و تميّزان ملامح الأشياء بوضوح.
كانت عيناه الذهبيّتان تتلألآن بشراسة كأنّهما تبتلعان الظلام. كان الجنون و الاندفاع الذي يفيض منهما كثيفًا إلى درجة يمكن لمسه.
تبع الفرسان سيّدهم في صمت و هو يراقبون حالته بحذر.
في غابة مظلمة في منتصف الليل، عادةً ما يكون اكتشاف أيّ أثر مستحيلاً، لكنْ بالنّسبة إلى يورغن دريك، ربّما يكون مختلفًا… لذا لم يكن أمامهم سوى الثقة بدوقهم.
مشوا هكذا لبعض الوقت.
توقّف يورغن فجأة.
ثبت نظره على نقطة معيّنة. كأنّه وجد الأثر الذي بحث عنه طويلاً.
لكنْ في عيون الفرسان، لم يكن هناك سوى الظلام. وقفوا صامتين لئلّا يزعجوا يورغن الذي كان مركّزًا تمامًا.
تقدّم يورغن متتبّعًا الأثر، ثمّ توقّف عند نقطة معيّدة.
مدّ غارسيا المشعل إلى الأمام ليضيء الجهة، فظهر على وجهه تعبير مذهول.
“صاحب السموّ، تحت هذا… “
أمامهم، كانت هاوية غير متوقّعة.
راجع يورغن كلّ الأثر الذي يمكن لسلطة فيوس أن تراه.
انقطع الأثر هنا.
أي أنّ فانيسا___
“…..”
عندما وصل إلى استنتاج أنّها سقطتْ في هذه الهاوية، انقطع نفسه.
عضّ على أسنانه و قبض يديه بقوّة. رغم ضعفها مقارنة بـ”حاملي البركة” ، إلّا أنّ فانيسا ليست ممن يموتون بسهولة.
و مع ذلك، تساءل في الوقت نفسه إن كانتْ كلّ هذه المصائب التي مرّت بها بسبب لعنته. لذا لم يعد يستطيع التنفّس جيّدًا.
خفق قلبه بثقل، و جفّ حلقه. شعر كأنّ رئتيه تضيّقان، فاستنشق بعمق.
[يجب أن تحميني حتمًا. قيل لي إنّني ولدتُ جميلة جدًّا، لهذا فإن مصيري تعيس.]
تردّدتْ كلمات فانيسا القديمة في ذهنه.
حينها… اعتقد أنّ ذلك مصيره.
ككلب ينظر إلى سيّدته بعيون عمياء، كان يتوق إلى الحبّ بلا حدود.
كانت فانيسا كلّ شيء بالنسبة إليه، الكائن الوحيد الذي يجب أن يحميه بحياته.
حتّى الآن، لم يتغيّر ذلك كثيرًا، هكذا فكّر يورغن.
رغم أنّ شعور الخيانة و الكره الذي غلى في صدره بعد تخلّيها عنه لا يزال ملتصقًا بقلبه.
و مع ذلك، أنا أتوق إليكِ.
كما تتوقين إليّ، أريد أن أكون الكائن الوحيد بالنّسبة إليكِ.
تنفس يورغن بعمق ببطء، ثمّ استدار.
كان صوته الذي أصدر الأمر أكثر هدوءًا الآن، بعد أن دفن عواطفه العاصفة في أعماق قلبه كعادته.
“أنتم، اقضوا الليلة هنا في المخيّم ثمّ عودوا إلى بانثيون عند الفجر.”
“ماذا؟ و صاحب السموّ…؟”
سأل أحدهم، لكنْ يورغن لم يجب، و نظر فقط إلى الهاوية.
“… لا يمكن…”
أدرك الفرسان ما ينوي فعله، فذُهلوا.
أي أنّ دوقهم ينوي القفز إلى أسفل هذه الهاوية الآن.
“ص، صاحب السموّ، حتّى لو… نحن لا نعرف الارتفاع بالضبط.”
حاول أحدهم الاعتراض ، لكنْ يورغن ردّ بهدوء و هو ينظر إلى الأسفل:
“ليس مرتفعًا جدًّا. و هناك غابة في الأسفل أيضًا، لذا ستخفّف الأشجار الصدمة.”
“لكن…”
كان الجميع يعرفون أنّ يورغن دريك ليس بشريًّا في قوّته. سيبقى سالمًا حتّى من هذا الارتفاع. لكن لم يكن بإمكانهم ألا يشعروا بالقلق.
بينما يفكّر الفرسان في كيفيّة إيقافه، تقدّم أحدهم نحوه.
أضاء المشعل وجه الفارس الحازم. كان غارسيا.
“صاحب السموّ، سأذهب معكَ.”
عبس يورغن قليلاً. لم يكن غير راغب في مرافقة غارسيا. بل على العكس___
“حتّى لو سقطتُ أنا لن أموت، أمّا أنتَ فلستَ كذلك.”
كان يقلق على رفيقه و تابعه الذي يتصرّف بتهوّر.
لكنْ غارسيا ابتسم بثقة دون أيّ قلق، و قال بوقاحة:
“ألا يمكنكَ تغطيتي بسلطتكَ قليلاً؟”
“…..”
كان من الممكن تغطية الآخرين بسلطة فيوس مؤقّتًا. ذلك يقلّل ذلك الضرر الجسديّ لفترة. لكنّ المدّة لا تتجاوز ثانية و نصف.
نظر يورغن إلى الهاوية مجدّدًا. الارتفاع يبدو أكبر من أن تكفي ثانية و نصف. إمّا أن يغطّي غارسيا أثناء السقوط، أو أن ينجو غارسيا بنفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 92"